السبت 24 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

سعيد الكحل: الحاجة إلى دليل بيداغوجي لكل مراحل التعليم

سعيد الكحل: الحاجة إلى دليل بيداغوجي لكل مراحل التعليم سعيد الكحل

في مبادرة محمودة، أصدرت وزارة التربية الوطنية دليلا بيداغوجيا للتعليم الأولي يهدف إلى تأطير المربيات والمربين العاملين في القطاع والارتقاء بأدائهم البيداغوجي بحيث يتم التركيز في تربية الأطفال على القيم وقواعد العيش المشترك بين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى، بالإضافة إلى تنمية الذوق الفني والحس الجمالي عبر تدريب الأطفال على تذوق الأعمال الفنية والتمرّس على مختلف تعبيراتها.

 

فالوزارة أدركت أخيرا أهمية التربية على القيم الكونية في مواجهة استراتيجية الأسلمة التي تغزو المجتمع وتنخر بنياته وتشيع ثقافة الكراهية والتطرف. ومن شأن ثقافة الكراهية أن تعيق جهود الدولة في إدماج مهاجري جنوب الصحراء خصوصا وأن غالبيتهم غير مسلمين. لتيسير إدماج هذه الفئة في النسيج المجتمعي، وخاصة أطفالها الذين يدرسون مع أطفال المغاربة في نفس المدارس ويتلقون نفس التربية، سارعت الوزارة إلى إصدار هذا الدليل متعدد الغايات. وعلى الرغم من الأهمية التي يكتسيها الدليل ونبل الأهداف التي يتوخى تحقيقها، فإن الوزارة مطالَبة باستحضار المعيقات التالية :

 

1ــ ثقافة المربيات والمربين: أيا كان البرنامج التعليمي متقدما ومستوعبا لقيم التسامح والانفتاح على ثقافة حقوق الإنسان والتعبيرات الفنية، فإن تنفيذه يتوقف على الخلفيات الفكرية والإيديولوجية لممارسي مهنة التربية والتعليم. ولطالما اشتكى أولياء أمور التلاميذ، في كل مراحل التعليم وخاصة الأولي والابتدائي والإعدادي، من تطرف الأساتذة الذين يفرضون على التلاميذ عقائدهم وقناعاتهم الإيديولوجية بما فيها فرض الحجاب ومنع الاختلاط على الطفلات في التعليم الأولي وتحريم الموسيقى وكل الأعمال الفنية. فالمربي ليس داعية أو شرطي الأخلاق حتى يفرض على الأطفال قناعاته وقيمه المتطرفة. لذا يقتضي الأمر مواكبة هذا الدليل بسلسة من الإجراءات التربوية والإدارية وإعداد دورات تكوينية حقيقية تشرف عليها لجان متعدد الاختصاصات (تربوية، قانونية، نفسية، اجتماعية...).

 

2ــ مضامين المقررات الدراسية: رغم الجهود المادية/ المالية المبذولة لتغيير المقررات الدراسية، فإن المضامين لم يشملها إلا تعديل سطحي. قد تتغير المواضيع والنصوص لكن المبادئ التي تأسست عليها المقررات الدراسية لم يشملها التغيير ولا حتى التعديل. فهي تكرس تفضيل المسلم عن غيره من أتباع الديانات الأخرى التي تعتبرها محرَّفَة مما يضرب أسس التعايش والتسامح بالإضافة إلى تكفير غير المسلمين وفئات من المواطنين بناء على قناعاتهم الفكرية أو السياسية؛ الأمر الذي سيجعل دليل الوزارة بدون جدوى ما لم يتم تغيير جذري للمقررات وللفلسفة التي تؤطرها.

 

3ــ دُور القرآن والكتاتيب ومؤسسات التعليم الأولي الخصوصي: بالإضافة إلى كون برامجها غير موحَّدة، فإن نسبة مهمة من الأطفال والتلاميذ تدرس بالكتاتيب القرآنية ومدارس التعليم العتيق (حسب الإحصائيات الرسمية للوزارة، فإن عدد الكتاتيب القرآنية سنة 2016 بلغ 2241 يدرس بها 317784 متمدرسا، ومدارس التعليم العتيق بلغت 287 ويدرس بها 27852 أما مراكز تحفيظ القرآن فقد بلغت 2073 مركزا يدرس بها 109352 متمدرسا). إذن نحن أمام نصف مليون تلميذ تلقوا تعليما دينيا بمرجعية إيديولوجية إخوانية/ سلفية/ وهابية لا يؤمن بقيم المواطنة.

 

4ــ الخطاب الديني التي تروجه المساجد والإذاعات الخاصة والكتيبات التي تُمنح مجانا للتلاميذ: تشكل هذه المؤسسات والمنابر مصدرا أساسيا لنشر عقائد التكفير وثقافة الكراهية بين المواطنين واحتقار المرأة ومناهضة حقوقها. الأمر الذي لا ينسجم مع مقتضيات الدستور ويتعارض مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب. كل منابع الخطاب الديني المتشدد هذه تساهم بشكل مباشر في هدم قيم الحوار والتسامح والاختلاف والمساواة التي قد يكون التلاميذ تلقوها في المراحل الأولى للتعليم. فكل منابر الجمعة تهاجم الهيئات المطالبة برفع التجريم عن الإجهاض وكذا الاحتفال باليوم العالمي للمرأة أو برأس السنة الميلادية، وتدعو على اليهود والنصارى بالكوارث الطبيعية والأوبئة الخطيرة.

 

5ــ المكتبات الدينية التي تغزو الأحياء وتعرض كتبا وأقراصا مدمجة كلها تحريض على الكراهية وتحقير النساء واستهجان العلوم الحقة مقابل تحبيب العلوم "الشرعية". كل هذه المعروضات هي معاول هدم ما بنته المؤسسات التعليمية من قيم نبيلة ومبادئ سامية فيتم تدمير المواطن في بُعده الوطني والكوني. لهذا لا يمكن للمدرسة أن تنجح في التنشئة السليمة على أسس المواطنة وقيم الحوار والاختلاف والتسامح طالما ظلت منابع التطرف نشطة في تخريب العقول وتسميم الوجدان.

 

إذن كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية اخترقتها عقائد التشدد فتحولت هي ذاتها إلى منصات لإعادة إنتاج هذه العقائد وترويجها. وما يزيد من تعقيد الأمور أن الفضائيات الدينية والمواقع الإلكترونية اخترقت سلطة الأسرة واقتحمت حرمة البيوت لتؤثر على عقول الأطفال والشباب أكثر مما تؤثر عليه مؤسسات التنشئة التقليدية.