الأحد 27 سبتمبر 2020
في الصميم

حرب البيانات تشتعل بين أحزاب فيدرالية اليسار..من أحزاب متحالفة إلى أحزاب متنافسة

حرب البيانات تشتعل بين أحزاب فيدرالية اليسار..من أحزاب متحالفة إلى أحزاب متنافسة عبد الرحيم أريري
في ظرف ثلاثة أيام صدرت عن أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي ثلاثة بيانات. فبين 31 يوليوز و2 غشت 2020، توصلت "أنفاس بريس" ببيان الحزب الاشتراكي الموحد المؤرخ في 31 يوليوز2020، وبيان حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي الصدار بتاريخ 1 غشت، ثم بيان المؤتمر الوطني الاتحادي بتاريخ 2 غشت2020.
وقد قمنا بدورنا، كما دأبنا على ذلك، في الإخبار بمحتويات هذه البيانات.
إلى هنا يبدو الأمر عاديا. فأن يصدر أي حزب من الأحزاب السياسية وفي أي وقت، أراد بيانا يعبر فيه عن مواقفه أو بلاغا يخبر فيه بالقضايا التي تستأثر باهتمامه، فهذا يدخل في صميم ممارسته لسيادته. لكن حينما يتعلق الأمر بتحالف سياسي تؤلفه هذه الأحزاب منذ سنوات، وله هياكله وأجهزته الوطنية والمحلية، ويشتغل بأفق اندماج الأحزاب المكونة له من أجل الوصول إلى حزب يساري واحد، حينها يصبح الأمر غير عادي، خاصة إذا كانت البيانات تتضمن نفس المواضيع والقضايا.
ولذلك وجدنا أنفسنا، نحن الذين واكبنا في "أنفاس بريس"، فيدرالية اليسار الديمقراطي منذ تأسيسها قبل ست سنوات وتابعنا مجمل أنشطتها بالإخبار والتحليل والتعليق، أمام أسئلة من قبيل: لماذا يحرص كل حزب من أحزاب الفيدرالية على أن يصدر بشكل منفرد بيانه الخاص به حينما يتعلق الأمر بنفس المواضيع والقضايا ونفس المواقف، بل وبنفس أسباب النزول؟ هل مازلنا أمام حلفاء أم أصبحنا أمام متنافسين؟ ألا يكشف هذا التسابق بين أحزاب متحالفة حقيقة الوضع داخل الفيدرالية؟... بل يمكن أن نتساءل: هل مازال تحالف الفيدرالية موجودا بالصورة التي كان عليها قبل سنوات؟
لو كان الأمر يتعلق بشؤون تنظيمية داخلية تخص كل حزب على حدة لكان هناك مبرر لأن يصدر الحزب المعني بيانه الخاص به. لكن يبدو لنا أنه من غير المبرر أن ينفرد كل حزب من الأحزاب الثلاثة بموقفه من القضايا التي من خلالها ستتقدم إلى الناخبين باسم الفيدرالية. والمثير أن الأمر نفسه وقع قبل صدور البيانات الثلاثة بأيام قليلة، حيث صدر بيانان في يوم واحد (27 يوليوز) وفي نفس الموضوع (قرار منع التنقل من وإلى بعض المدن الذي أعلنت عنه وزارة الداخلية عشية عيد الأضحى)، الأول عن الهيئة التنفيذية لفيدرالية اليسار الديمقراطي، والثاني عن المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد.
إن الأسئلة التي طرحناها أعلاه تزداد غرابتها حين يقع هذا التسابق على مقربة من تاريخ الانتخابات التي ينتظر أن تدخلها عام 2021 الأحزاب الثلاثة باسم فيدرالية اليسار، كما يتردد مرارا على لسان قادتها. أفلا تعلم قيادات الفيدرالية أن أي تنافس بين أحزابها، بالشكل الذي كشفته هذه البيانات، فيه خسارة لها وللفيدرالية؟
إذا كانت البيانات والبلاغات التي تصدر عن الأحزاب وسيلة من وسائل التواصل الداخلي والخارجي، فإن أحزاب الفيدرالية، من خلال هذا السيل من البيانات المنفردة، تقدم أسوأ نموذج في التواصل السياسي. فهي تبدو كما لو أنها تخوض حملة ضد نفسها وتشتغل ضد مشروعها. فعوض أن تقوم من الآن، وفي إطار سياسة تواصلية تستثمر الزمن الذي يفصلنا عن الانتخابات، بتسويق اسم الفيدرالية بشكل أكبر، وعوض ترسيخ رمزها الانتخابي (الرسالة)، نجدها تتنافس فيما بينها.
لقد كان يفترض أن تتفق أحزاب فيدرالية اليسار على ألا تصدر من الآن إلى تاريخ الانتخابات المقبلة أي بيان أو موقف منفرد، خاصة أنها تتفق من حيث الجوهر في القضايا الكبرى سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وحقوقيا...
إنه في الوقت الذي كان من المفروض أن تكون أحزاب الفيدرالية اليوم موحدة في حزب واحد كما كان منتظرا، بعد تشكيل هذا التحالف السياسي سنة 2014 ودخوله الانتخابات الجماعية لسنة 2015 والانتخابات التشريعية لسنة 2016 بشكل موحد باسم الفيدرالية ورمز الرسالة، نجدها اليوم تفشل في تحقيق هذا الإنجاز كما وعدت به، بل وتفشل حتى في الحديث بلسان واحد، وتبدد الأمل المنتظر في تقوية اليسار في لحظة سياسية تحتاج إلى قوة يسارية تحظى بثقة المواطنين وتعيد التوازن إلى المشهد السياسي بالمغرب، بل الأدهى أننا أصبحنا نجد هذه الأحزاب تبدد بيد ما أنجزته باليد الأخرى. ويكفي أن نقارن صورة الفيدرالية في 2016 بصورتها اليوم. لقد فتحت أحزاب الفيدرالية حينها أملا يبدو أنها أغلقته اليوم. لقد مرت ست سنوات وظل تحقيق الوحدة مجرد حبر على ورق. أليس في هذا هدر للزمن السياسي؟ إذا لم تكن ست سنوات كافية لتحقيق الأحزاب الثلاثة للوحدة، فكم سيكفيها من الوقت لحل مشاكل المغرب في حالة ما إذا اختارها المغاربة لتدبير شؤونهم؟!
إن ما يفصلنا عن انتخابات 2021 يقدر بحوالي سنة من الآن. ومع ذلك ما زال بإمكان الفيدرالية أن تتدارك ما فات. فهل تستطيع أحزاب الفيدرالية أن تصحح أخطاءها؟ وهل تنجح في إعادة التوهج إلى صفوفها وإعادة الحماس إلى مناضليها؟ وهل ما زال هناك أمل في أن يشهد المغرب ميلاد قوة سياسية يسارية على أيدي هذه الأحزاب؟
إنها أسئلة لن يجيب عنها سوى الرفاق في الأحزاب الثلاثة، وعلى رأسهم قياديوها الذين ليسوا مسؤولين فحسب أمام أعضاء أحزابهم أو أمام بعضهم البعض، بل أيضا أمام المواطنين الذين يصدرون أحكامهم خلال كل انتخابات.