الأربعاء 23 سبتمبر 2020
فن وثقافة

حسن نجمي في "مدارات" التهاني: الشاعر انتصر، وانهزم الفاعل السياسي في داخلي (1/3)

حسن نجمي في "مدارات" التهاني: الشاعر انتصر، وانهزم الفاعل السياسي في داخلي (1/3) الشاعر حسن نجمي (يمينا) والزميل عبد الإله التهاني

كانت أولى الحلقات التي دشن بها الزميل عبد الإله التهاني برنامج "مدارات" المتخصص في حوار الثقافة والمجتمع، قد استضاف فيها الكاتب والشاعر والإعلامي حسن نجمي الذي نحت مساره الثقافي والإعلامي والجامعي على نحو رصين وجاد ومنتظم العطاء والإسهام، حيث ظل يزاوج بين الكتابة الأدبية والممارسة الصحفية اليومية والبحث الجامعي"، وقد تمت إعادة بث هذه الحلقة مساء يوم الأحد 2 غشت 2020 على أمواج الإذاعة الوطنية.

"أنفاس بريس" تابعت مع المستمعين(ات) حلقة "مدارات"، وتنشر مضمونها عبر ثلاث حلقات متتابعة تعميما للفائدة.

 

هكذا قدم التهاني نجمي في "مدارات"

ترأس حسن نجمي منظمة اتحاد كتاب المغرب لسنوات، كما انتخب رئيسا لهيئة بيت الشعر في المغرب، ويرأس حاليا المركز المغربي للقلم الدولي. درس في معاهد مختلفة مادة الإعلام الثقافي والفني والاتصال المؤسساتي، وشارك في عشرات الندوات والملتقيات الثقافية العربية والدولية، وحضي بترجمة أعماله الشعرية إلى اللغات الفرنسية والإسبانية والإنجليزية والألمانية والهولندية.

من بين إصدارات الأستاذ حسن نجمي لاسيما دواوينه الشعرية "لك الإمارة أيتها الخزامى" سنة 1982، و"سقط سهوا" سنة 1990، و "الرياح البنية" بالاشتراك مع التشكيلي المرحوم محمد القاسمي، فضلا عن "حياة صغيرة". وما تلاها من مجاميع مثل "ليل يستريح على خشب النافذة". بالإضافة إلى الإصدارات الروائية "الحجاب" سنة 1996، علاوة على المؤلفات النثرية "الناس والسلطة"، و "الشاعر والتجربة"، و"شعرية الفضاء". وقد أشرف نجمي على تحرير مذكرات تاريخية وفكرية وسياسية من أبرزها "سيرة المفكر الراحل المهدي المنجرة"، وكتاب "المغرب كما عشته" للقيادي المغربي ورجل الدولة عبد الواحد الراضي.

 

ثناء من فيض حسن نجمي على "مدارات" التهاني

كعادته ينتقي الكاتب حسن نجمي الكلمات المناسبة في اللحظات والأمكنة الجميلة لترجمة مشاعره، حيث قال لمعد برنامج "مدارات": شكرا على هذه الاستضافة الكريمة، وأود في البداية أن أتمنى لك من أعماق قلبي التألق والنجاح في هذه الخطوة الإعلامية الجديدة، بعد مسار إعلامي مشهود لكم فيه بالكفاءة منذ الإذاعة الجهوية في مراكش، ثم مساهماتك الإذاعية في الإذاعة المركزية، وأيضا ذلك المرور المشع في وزارة الاتصال كمدير مركزي، ثم مدير لمرحلة عابرة، ولكن أساسية على رأس المكتبة الوطنية في المغرب.

 

سؤال البدايات.. كيف استعاد نجمي الذاكرة التي أنجبت الشاعر؟

اعتبر الشاعر حسن نجمي أن سؤال البداية "قد يبدو بسيط كالألف، كما يقول بورخيس، لكنه يظل صعبا أيضا، لأنه سؤال، يشتغل على الذاكرة ويحتاج إلى الكثير من الحفريات"؛ وبعجالة يتذكر ابن الشاوية وهو في سن 13 من عمره، "عندما كتبت قصيدتي/ محاولتي الشعرية الأولى، كانت شبيهة بالخاطرة، ومنذئذ بدأت أكتب. ولعل تلك الخطوات الأولى في الكتابة الشعرية والسردية أيضا، كانت نوعا من التتويج لسنوات من القراءة".

ويسترجع نجمي ذاكرته ليشارك مستمعي(ات) برنامج مدارات خطواته الأولى "بدأت القراءة وأنا طفل عمري لا يتجاوز 7 سنوات، وأذكر أن مجموعة القصص الموجهة للأطفال للمرحوم عطية الأبرشي قرأتها كاملة، وسلسلة القصص الخضراء الموجهة للطفل، وعدد من الكتابات من هذا النوع، قرأتها كاملة، وأحسست فعلا بأنني مندور للقراءة، فكنت أكرس كل وقتي للقراءة، ولذلك عندما انبثقت لحظة الكتابة ربما توجت هذه العلاقة المبكرة مع القراءة .."

 

نوستالجيا القراءة والكتابة والنشر

لجريدة "المحرر" فضل كبير على مسار الشاعر حسن نجمي، وعمره لا يتجاوز 18 سنة؛ والدليل أنه قال "نشرت أول قصيدة سنة 1977 في جريدة "المحرر"، بالإضافة إلى نشر شبه دراسة في صفحة كاملة في الملحق الثقافي لجريدة "المحرر" أيضا سنة 1978، وعدد من النصوص التي كنت أنشرها بانتظام في الجريدة". هذه الانطلاقة الناجحة عكست تراكم الفعل الجمعوي لدى الشاعر في تلك الفترة حيث قال "لعل العمل الجمعوي والحضور بهذا المعنى في واجهة العمل الثقافي التي بدأت مبكرا، ربما كانت امتداد لهذا الحرص على أن أخطط لنفسي أفقا ككاتب وشاعر".

 

هل انتصرت ذات الشاعر على شخصية حسن نجمي السياسي والحزبي؟

جواب الشاعر نجمي كان واضحا وشفافا، وهو يؤكد على أن "الشاعر انتصر، وانهزم الفاعل السياسي في داخلي، وربما أنني لا أصلح للسياسة. العمل الحزبي بطبيعته عمل عائلي، وفيه روح الأخوية، وفي الغالب يكون أفقه ضيقا من الناحية الفكرية والإنسانية إن صح التعبير". وأفاد في هذا الشأن قائلا "أنت تقترب من أناس وتبتعد عن آخرين بالضرورة، هذه الروح الأخوية ربما تفسد العمل الحزبي، وربما تفسد وتحد من آفاق المناضل الذي ينتسب للأفق الديمقراطي.."

ويشرح نجمي بإسهاب قائلا "عندما تكون مناضلا لا بد أن تكون ديمقراطيا، في سلوكك، وفي فكرك، وفي أفقك وأخلاقك، وفي انتمائك لا بد أن تكون إنسانا، العمق والجوهر للفعل الديمقراطي هو العمق الإنساني، هو الجوهر الإنساني". ويضيف مؤكدا "لا يمكن أن يكون هناك ديمقراطي بدون هذا البعد الإنساني، ورجل السياسة بشكل عام إذا افتقد إلى هذا البعد الإنساني وضيق الحدود والآفاق يتحول بسرعة إلى طاغية.. لذلك ربما لهذا السبب انهزم في داخلي الفاعل الحزبي وربما كان ذلك أفضل".

بتعبير الشاعر والكاتب أضاف نجمي مفسرا بأن: "سيرورة الكتابة نفسها وكيمياء الكتابة التي انتصرت بداخلي ربما كان أفضل أن تتنفس في أفق أوسع وأرحب... وكلما عدت إلى الحزب كلما أحسست أن السقف خفيض وأن الأدرع الأمنية (إذا صح التعبير) تحيط بي من كل مكان.. الشاعر لا بد أن يكون منطلقا، منشرحا، منفتحا، ممتدا، في الزمان والمكان لكي يتيح لكتاباته أن ترفرف عاليا، وأن تعثر على أجنحتها الحرة في فضاء حر".

 

شخصيات وأسماء وازنة للتأمل

"لذلك لا أزعم أن الممارسة السياسية والممارسة الحزبية تتناقض مع مشاريع الكتابة والإبداع والإنتاج الجمالي، ولكن في النهاية لا بد على المرء أن يختار.. وعندما أتأمل تجارب عدد من كبار شعراء العالم (لا أضع نفسي في مستوى رفعتهم ولكن فقط لاستحضرهم كنماذج للتأمل وللاختبار).. عندما أتأمل تجربة محمود درويش على سبيل المثال رحمه الله، عندما أتأمل تجربة شاعر الشيلي العظيم بابلو نيرودا، تجربة يانيس ريتسوس اليوناني، وتجربة جين كييفيك الفرنسي...هؤلاء انتسبوا وتحملوا مسؤوليات قيادية في أحزاب يسارية، ولكنهم في النهاية عثروا على أنفسهم في الكتابة في الإبداع والإنتاج الجمالي، وبما خدموا مشروعهم وانتسابهم وأفقهم النضالي من خلال مشاريع الكتابة التي تفوقوا فيها، وهذه الكتابة والإنجازات الإبداعية والشعرية والجمالية هي ما يبقى في النهاية، هي ما يبقى للقراء، وما يبقى لذاكرة الناس، وما يبقى للشاعر نفسه في ذاكرة ووجدان الناس.."

 

نجمي والمزاوجة بين الكتابة الأدبية والكتابة الصحفية

يوضح حسن نجمي في هذا السياق "بكل صدق لم استشعر في أي لحظة من اللحظات أنني انتقل من مكان إلى مكان كلما انتقلت من الكتابة الأدبية أو الفكرية إلى الكتابة الصحفية، لأنني استشعر أن الأمر يتعلق بأنواع وأجناس كتابية، وأن الأساس أن هناك كاتب.. أنك تعرف كيف تشيد نصا، وكيف تبدأه وكيف تنهيه.. لم أستشعر في جسدي ولا في كياني وأفقي الفكري ولا في ممارستي اليومية لأنواع متعددة من الكتابة أنني أعيش لحظة من المفارقة أو التناقض أو الفصام بين جنس إبداعي أو نوع من الكتابة أو نوع آخر، لأنه في النهاية الأجناس في الكتابة تتكامل".

واستعمل الشاعر نجمي استعارة لوصف حالته قائلا: "ربما إذا سمحت لنفسي بنوع من الاستعارة، كأن الشخص يقف في المحطة نفسها، محطة القطار نفسها، ربما ينتقل من رصيف إلى رصيف، ولكن في النهاية الأفق واحد، والمحطة التي يقصدها تظل هي هي. وبالتالي عندما أكتب أو عندما كنت أكتب بعض الزوايا والمقالات الإعلامية أو بعض البورتريهات ..كنت أمارسها كمهني، كصحفي..ولكن أيضا ككاتب وكشاعر".

من هنا كان حرصه على انتقاء لغة الكتابة "أحرص أن تحقق مثل هذه المقالات نوع من التلذذ لدى القراء، لا ينبغي أن تكون كتابة مباشرة، وكتابة عادية، بايتة وجافة ويابسة.. لا بد أن يكون فيها قدر من الماء كما هو الشأن بالنسبة لحرصي بالنسبة لما أكتب القصيدة أو قطعة سردية معينة.. في النهاية الأمر يتعلق بخبر".

وللتوضيح أكثر قال ضيف "مدارات": الكتابة بشكل عام مهما تعددت أجناسها تظل ممارسة إخبارية، أنت تخبر الناس في الصحافة وتخبرهم في الرواية، ولأن الكتابة الروائية والسردية بشكل عام هي كتابة خبرية وأيضا في الشعر.. عندما أتأمل كتاباتي الشعرية فيها قدر كبير من الروح السردية والروح الحكائية وفيها قدر كبير من الإخبار. أنت تخبر ذاتك وتخبر عن لحظتك التاريخية وتخبر عن أمكنتك وأزمنتك التي تتحرك وتعيش وتتعايش فيها.. تكتب عن الآخرين وتكتب عن نفسك وتكتب عن لغتك وعن ما تتأمله وما تستشعره.. وما أنت في حاجة إليه.. لأن في الكتابة دائما هناك إحساس بالنقص الخاص في تجاربنا وفي آفاقنا المختلفة.. الكتابة أيضا فيها نوع من التعويض، نوع من التعبير عن وجود ما في لحظة ما في زمن ما.. الكتابة نوع من السفر. أنت نفسك عندما تكون في كتابة صحفية. أنت نفسك عندما تكون في كتابة شعرية. ولذلك لا ينبغي أن نستخف بجنس من أجناس الكتابة فتقول أن الرواية أجمل وأهم من الكتابة الصحفية، لا.. ينبغي أن نكتب بحس المسؤولية، مسؤولية الكاتب بضميره، بأخلاقه، بقيمه، بما يؤمن به من أفكار ومن قضايا إنسانية...

ويخلص الكاتب والشاعر إلى أن المسألة تقتضي "نفس الانخراط، نفس الحرص.. أخلاق المسؤولية نفسها في ممارسة الكتابة المتعددة، سواء كنت تتصرف كصحافي أو كشاعر، أو كروائي أو كناقد.. ينبغي أن تحافظ على نفس الحس".

 

(يتبع)