الأحد 9 أغسطس 2020
كتاب الرأي

خديجة يكن : بورغواطة ..تاريخنا المنسي ل 300 مدينة و 44 قصرا

خديجة يكن : بورغواطة ..تاريخنا المنسي ل 300 مدينة و 44 قصرا خديجة يكن

طلب مني أحد الأصدقاء الكتابة عن الدولة البورغواطية، كانت لدي فقرات كتبتها وتركتها في لائحة المسودات. ثم جاء هذا الطلب، الذي حفزني لإضافة فقرات اخرى ونشرها. على أمل أن تتنفس قلوبنا هذا الهواء البورغواطي.
هواء بورغواطي:
يقول البكري المؤرخ العربي انه في رحلته الى بلاد البربر، سار الى المملكة البورغواطية، فوجد فيها 300 مدينة و 44 قصرا.
أين هي الآن!؟.
تمتد الدولة البورغواطية في منطقة الشاوية ودكالة والرباط، وزعير،وأبحاث جديدة تقول أنها تمتد إلى الأطلس المتوسط.
وصف البكري تلك المدن انها اهلة بالسكان المتميزين بطول القامة والبنية القوية. نفسها الاوصاف المنطبقة على سكان هذه المنطقة اليوم، الشاوية وعاصمتها الدارالبيضاء، ودكالة وعاصمتها مازكان او الجديدة.
غالبا ما يتم الحديث عن المملكة البورغواطية في تاريخها الماضي، عن زعمائها ومذهبها وعلاقتها بالممالك الاخرى المجاورة.
لكني أود ان اكتب عن الموضوع باسلوب مغاير.
إني أتساءل عن هذه المملكة اليوم. أين هي؟..وهل يوجد اثر لها؟.
أين هي المدن 300 والقصور 44. اين هي الأسوار والاعمدة وهل هناك مدن بلا حصون وقلاع!!.
يستغرب المؤرخون كيف تندثر مملكة دون ان تترك اثرا حجريا!. يعوزون ذلك الى ضراوة الحروب التي دارت بين البورغواطيين والمرابطين، هؤلاء الذين في سعيهم لتكوين الدولة المركزية اجثثوا الممالك الامازيغية الاخرى كمملكة النكور في الشمال وبورغواطة في الوسط.
كانت عاصمتها تامسنا وهي الرباط ونواحيها حاليا.
كانت لديها قبائل قوية كقبائل ماديون وزناتة المذكورتين في كتب التاريخ، واللتين تعيشان في الذاكرة الجغرافية اليوم.
ما حصل لهذه المملكة قاسي من جهة المرابطين، ومن جهة التاريخ الرسمي الذي يغفل ذكرها رغم شانها العظيم. ومع ذلك فبورغواطة تغطي كل منطقتها بهالتها الغامضة. انك تشعر بوجودها في كل مكان.
وكأن ما نريد ان نجعله اسطورة تدعم الاسطورة حضوره باقوى مما نتخيل.
في كل مكان في الشاوية ترى الحضور البورغواطي، في غابة بوسكورة، فاسمها امازيغي ويعني الحجلة.
في وادي مرزك والذي يعني الوادي المالح.
في مديونة الطريق الشهير والذي يحفظ بقوة اسم القبائل القوية في الدارالبيضاء، قبائل ماديون.
ماذا حصل لماديون اليوم!..أين هي؟..
ما حصل لتاريخ الدارالبيضاء البورغواطية فظيع. ليست دعوة للاسف والدموع، بل هي دعوة للاحياء والانبعاث. فانا لا احب الاسف ولا احب الدموع..لكني احب ان اكتب حبنا الخالد على صفحات الاوراق. لقد احتفيت في نصوص شعرية امازيغية بالمملكة البورغواطية، فان كتب لها الاصدار ستقراون أسلوبا آخر في حكاية وجودنا البورغواطي المنيع.
سيجعلك كتابي تعشق الدارالبيضاء لان كتابي سيعلمك ان ترى الدارالبيضاء كما لم ترها من قبل.
واين اذن اثار المدن والقصور البورغواطية!؟ ...هل غرقت في الوادي المالح، ام دفنت تحت الاسفلت.
اني استقرىء التاريخ من صفحاته المكتوبة والمروية والمحسوسة بالروح.
في عين الجمعة في الدارالبيضاء، الكائن بمنطقة عين الشق، وجد شاهد قبر ضخم مكتوب بتيفيناغ، اخذ الى المتحف الأركيولوجي بالرباط، كذلك في تيط مليل بضواحي الدارالبيضاء، وشاهد ضخم بتفيناغ وجد في سيدي بليوط لكنه أتلف بشكل ما،ا ولم يبق له سوى صورة لصحفي فرنسي التقطها في عهد الحماية.
السؤال المحزن والمقلق والجريء الذي لا يساله المثقفون البيضاويون ولا يطرق اذهانهم ولا حتى في الخيال:
اذا كانت تلك شواهد قبور فهي بنيت على مراقد اجساد، فأين تلك القبور؟.
لقد صارت المراقد كلها شوارع اسفلت.
ما حصل لتاريخ الدارالبيضاء البورغواطي يندى له الجبين. لا أملك ككاتبة ابنة الدارالبيضاء، إلا أن أحكي حكايتها القديمة على الصفحات، لعلها تثير عشقا قديما لا زال تاءها في اعماق الغابة البورغواطية ينتظر ان يسمع ذاك العزف الذي سينتشله من البئر الصامت العميق.
ليس سهلا أن تسمع صوت البورغواطي المكتوم بقوة الاسمنت والحديد والاسفلت.
عليك ان ترهف الحس إلى أبعد ما يستطيع الإرهاف ان يصل إليه، تلك الشفافية التي تشبه نسمة الروح الناعمة والمتقدة دوما.
تحكي كتب التاريخ عن المدن 300 والقصور 44. وتحكي صور القرن 19 وبدايات القرن 20 عن تلك الأعمدة الضخمة والماثر الكبيرة التي كانت في الدارالبيضاء. أين هي الآن..الصور في المتاحف لكن وجودها لم يعد موجودا، هل هناك بلد يتلف مآثررذ!!!!.
تحكي الجدات المعمرات في الدارالبيضاء ان وسط المدينة المعروف اليوم بحديقتها الخضراء الجميلة، هناك كانت ماثر عبارة عن حجارة وأعمدة كبيرة يسكن فيها رعاة نصبوا بين خراب اعمدتها خيام. اين هي الاعمدة الان!؟..واين كل تلك الماثر!؟.
لقد اتلفت..ولماذا اتلفت..ومن اتلفها؟..قالوا ان الجنرال ليوطي فعل ذلك. وقالوا ايضا انه فعل ذلك بايعاز وقبول من الباشا المغربي للمنطقة انذاك.
انا ذهبت ابحث عن مآثر البورغواطية، اخبرني صديق اني سأجد ما تبقى منها في اعمدة قليلة في الحديقة المسماة بحديقة جامعة الدول العربية. وجدت الاعمدة فعلا..لمن هي تلك الاعمدة...لماذا لهذه الدرجة مسكوت عنها...ولهذه الدرجة الدارالبيضاء فقدت أسلافها وصارت فقط قطبا اقتصاديا عظيما.
.
يقول التاريخ الشفوي ان باقي الاعمدة اقتلعت او خربت..و حجارتها بنيت بها مباني اخرى....هل هناك من يتلف اثار مملكة قوية كالمملكة البورغواطية!....حصل شىء فظيع لتلك المملكة بحيث لا نجد لما حصل وصفا في المعاجم.
اعمدة البورغواطة وماثرها خربت وبنيت على خرابها العريق، على عطرها القديم، حديقة جامعة الدول العربية.
لكن الحكاية البورغواطية تنبعث كاكسير خالد من تحت الاسفلت..تهمس في روابي قبائل اولاد زيان، وعلى الشاطىء الشاسع لقبائل زناتة التي لازال اسمها راسخا على الشاطىء..وترحب بك قبائل ماديون في مدخل الدارالبيضاء عبر طريقها الشهير مديونة.
انها الروح البورغواطية العزيزة على الله.
هذه الشاوية العظيمة، لا يعرفها حق معرفتها الا من اطلع على تاريخها البورغواطي.
اليوم، انا التقي ببعض المناضلين الامازيغيين الذين يصفون سكان الدارالبيضاء باعرابن. وقد سالني مرة احدهم قائلا : متسكارت د تعرابينا؟.
فهمت حينها إننا أبعد بكثير عن الحلم المأمول. فهمت كم هي الدارالبيضاء موؤودة حتى ممن من المفروض ان يعيدوا اليها ولو بكلمة، ولو بهمسة، ولو باغنية تاجها البورغواطي.
اذن، لم ارغب الكتابة عن بورغواطة بطريقة تقليدية، لان تاريخها ليس تقليديا. هذه المدينة لها مؤسسوها البورغواطيون، وان يتم تجاهل وجودهم التاريخي، يطرح تساؤلات هي نفسها المطروحة حول التعاطي مع الهوية الحضارية الامازيغية برمتها.
لا زالت الابحاث التاريخية تبحث وتتقصى تاريخ البورغواطة، مملكة عظيمة وفريدة، اتلفت اثارها المادية، وبقيت روحها عالقة غي الغابة، وهمسها تحت الاسفلت ينتظر من يسمعه.
انا سمعته، وساحكي عنه، هذا الصاعد من النسيان على جناح حفيدة، أات جدتها البورغواطية تنسج ذاكرة الأرض بأوتار الروح.
ساحكي عنه، هذا الصوت الآتي.

خديجة يكن، شاعرة وقاصة بالأمازيغية وبالعربية