الأحد 9 أغسطس 2020
كتاب الرأي

جمال المحافظ: في ذكرى رحيل العربي المساري.. أسئلة الإعلام الحارقة 

جمال المحافظ: في ذكرى رحيل العربي المساري.. أسئلة الإعلام الحارقة  جمال المحافظ

منذ أكثر من 15 سنة كتب المهدي المنجرة ( 1933- 2014 ) ينبه، إلى أن ثورة الأمم، لن تعود تعتمد على المواد الأولية، وأن الاستثمار في الإعلام وأدوات الإعلام ينبئ عن ثورة قوامها، أن الثروة ستعتمد على اللامادة، وهذا اتجاه يتكرس الآن في اقتصاديات الدول المتقدمة، حيث يحتل إنتاج الإعلام مكانة ثنائية في المداخيل وأحيانا المكانة الأولى في التصدير.

 

إن الإعلامي المسلح بالكفاءة والنزاهة الفكرية، يمكن أن تكون له مساهمة رئيسية في بلورة ثقافة جديدة في مغرب جديد ناهض مؤهل لربح رهانات المستقبل، لكن هذا يتطلب أن يأتي الشباب إلى هذه المهنة وهم واثقون من أنها تضمن لهم عيشا كريما ومستقبلا مضمونا، هنا تنتهى الاستعارة من عالم المستقبليات.

 

بهذا التمهيد بدأ محمد العربي المساري (1936- 25 يوليوز 2015) الكاتب العام للنقابة الوطنية للصحافة المغربية تلاوة التقرير الأدبي الذي قدمه، أمام الجمع العام الثالث للنقابة، سنة 1996 والذي كان الأخير له، قبل تعيينه وزيرا للاتصال في حكومة ما دأبت الكتابات السياسية والاعلامية على تسميتها ب"حكومة التناوب" ما بين 1998 و2002 والتي غادرها المساري مكرها سنة 2000.

 

الإعلامي المسلح بالكفاءة والنزاهة الفكرية، يساهم في بلورة ثقافة جديدة

لقد ربط المساري وزير الإعلام ما بين 1998 و2000، قيد حياته دوما الأداء المهني الإعلامي، ربطا جدليا بالسياقات السياسية والاجتماعية، إذ يقول في ذات التقرير الأدبي للجمع العام الثالث الذي ترأسه كبير آخر هو الصحفي والكاتب عبد الجبار السحيمي (1938-2012 ) بالقاعة الكبرى لمندوبية وزارة الشبيبة والرياضة بحي أكدال بالرباط "فعلى الرغم مما يطفو أحيانا من ممارسات راجعة إلى قوة عقليات وضغوط تشد إلى الماضي -يقول المساري بتفاؤل كبير- ستعزز الاتجاه نحو توطيد الحريات وتكريس دولة القانون، ونشوء نمط جديد للعلاقات بين الجماعات والأفراد وبين المجتمع والدولة، وسيعتمل كل هذا عبر وسائل الإعلام برمتها، وليس الصحافة المكتوبة وحدها، بل في الإعلام المسموع والمرئي الذي سيتصدر حقل الإعلام".

 

وليس محض خيال، توقع كسر احتكار الدولة للسمعي البصري، وتكريس مفاهيم التعددية، وتحول الصحافي من ناطق، كما كان خلال الستين سنة الماضية من التجربة السياسية، إلى فاعل وسيكون على الصحافي أن يتسم بالاستقلالية، وأن يخوض ممارسة إعلامية، تتبلور في ظل الشفافية فكريا وماليا وسلوكيا، مما سيعطي وزنا خاصا لضوابط أخلاق المهنة ـ وسيتطلب كل هذا التهيء لاستيعاب المتغيرات، هكذا يتحدث المساري بنظرة استشرافية، نفتقدها كثيرا في الزمن الراهن، ولازالت أسئلتها الحارقة وبعنفوانها مطروحة علينا.

 

النهوض بالإعلام رهين بعصرنة المقاولات، وترسيخ الاحتراف

وهذا ما يتطلب منا -يقول المساري الذي كانت لديه دربة في التفاوض- إقناع السلطات العمومية، وأصحاب القرار في الأحزاب والنقابات، بان النهوض بالإعلام رهين بعصرنة المقاولات، وهذا يقوم على ترسيخ الاحتراف وقبول التحديات التي تصنعها غزارة العرض وتنوعه، إذ حررت التكنولوجيا الإنسان من التوجيه الواحد ومن المنع أي من الوصاية.

 

وفي نظره، تقوم العصرنة على مقاولات إعلامية قوية، أي قادرة على إشباع المتلقي بمعطيات، تمكنه من التفاعل مع بيئته، معتبرا أن عدم الأخذ بذلك "يؤدي بنا إلى أن نهدي جمهورنا للإعلام الوافد عبر الأقمار الصناعية، حيث لن نجد من يستهلك المادة المحلية، إذا لم ننشئ إعلاما متحررا ديناميكيا معانقا للواقع".

أن يتحاور المغاربة في الندوات التلفزيونية، خيرا من أن يتحاوروا بالسكاكين والكلاشينكوف.

إن إعلاما من هذا القبيل هو الكفيل "بأن يجنب البلاد الكوارث التي نراها صباح مساء هنا وهناك، فان يتحاور المغاربة في الندوات التلفزيونية المفتوحة والمباشرة حول مشاكلهم، خير من ان يتحاوروا بالسكاكين والكلاشينكوف".

 

فرغم الانفتاح الذي عرفه المغرب والتطور الذي لا رجعة فيه نحو الديمقراطية، أدى إلى الهشاشة والخصاص، وهو وضع شاذ يمثله المغرب الذي يتميز بحياة سياسية نشيطة وناضجة، وبإعلام ليس في مستوى ذلك النشاط والنضج، من بين بلدان تماثله في المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية.

 

لقد عودنا العربي المساري، خلال الفترة التي قضيناها الي جانبه بنقابة الصحافة انحيازه الكلي وبدون تحفظ لقواعد النزاهة الفكرية والاستقلالية، وتغليب الهواجس المهنية، لكن بربطها بالنضال من أجل توسيع هوامش الحرية والديمقراطية.

 

الإعلام الوطني، مطالب بأن يقوم بدور بارز، إسوة بما يعتمل في البلدان الآخذة بالديمقراطية

فالإعلام الوطني، مطالب بأن يقوم بدور بارز، إسوة بما يعتمل في باقي البلدان الآخذة بالديمقراطية، خاصة وأن إقبال المغرب على الجهوية (في أواسط التسعينات من القرن الماضي)، ينجم عنه إحداث أقطاب جديدة للفعل السياسي والاقتصادي والثقافي في مراكز أخرى غير قطب القنيطرة الدار البيضاء.

كما أن إقبال المغرب على التهيء لمنطقة التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، يعد اختيارا استراتيجيا للانخراط في الدورة الاقتصادية الدولية، وهو ما ينسجم مع تكريس لتماثل لابد أن يفرض نفسه في أجهزة التبادل والتعاون وفي المقاييس المتعارف عليها عالميا، الأمر الذي من شأنه أن يحدث انعكاسات سياسية وثقافية، ستجبر البلاد على مراجعة كثير من الخطط، ومن ذلك أساليب التسيير والتدبير وتكسير عدد من الاقتناعات.

 

التغيير في الإعلام، ينطلق أولا من مصالحة المواطنات والمواطنين مع وسائل إعلامهم

فالتغيير في الإعلام، يتعين أن ينطلق أولا من مصالحة المواطنات والمواطنين مع  وسائل اعلامهم التي تزيد من أهميتها ما يعتمل من تحولات في ميدان الإعلام والاتصال وطنيا ودوليا وتحديات الثورة الرقمية، وهو يتطلب التأسيس لإعلام متحرر ديناميكى معانقا للواقع.

 

إن إعلاما من هذا القبيل -كما كان يردد المساري على مسامعنا وباستمرار، حينما كنا نتلمس طريقنا الشاق في مهنة الصحافة في بداية التسعينات، إن تطوير صناعة إعلامية، لا يمكن أن يتحقق الا إذا تم استيعاب كل حلقات انتاج المنبر الاعلامي ابتداء بالعنصر البشرى الذى يتطلب تكوينا مستمرا وضمان الحد الادنى من الكرامة المادية والتوجه إلى القارئ والمستمع والمشاهد كمستهلك لمادة ثقافية.

 

وإذا كان المساري الذي كان يدبج مقالات بعدد من المنابر العربية والأجنبية، قد رحل عنا جسدا فإن القيم والمبادئ التي آمن بها لا زالت تساءل اعلامنا، وتشكل نبرسا يمكن الاهتداء بجوانبه المشرقة، في الومن الراهن.

 

لقد أثبت التحولات في الاعلام المغربي على ضوء الثورة التكنولوجية، إن الحاجة ما زالت قائمة لاستعادة فكر العربي المساري والتشبث بالقيم التي ناضل من اجله، فتصوراته لازالت تساءل مكونات المشهد الصحفي والإعلامي؛ فالنهوض بالإعلام رهين بالعصرنة وسائل وضمان والاستقلالية المهنية لمواجهات مختلف التحديات التي يفرضها القرن 21

.

ملحوظة: جانب من مداخلة القيت في ندوة "أخلاقيات الصحافة في الزمن الرقمي" بمناسبة الذكرى الخامسة لوفاة العربي المساري نظمها في 24 يوليوز 2020 كرسي العربي المساري لأخلاقيات الإعلام والاتصال بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط.