الجمعة 27 نوفمبر 2020
فن وثقافة

رقصة الكدرة بالرحامنة توأم روح الرقصة الكامنة بالصحراء المغربية

رقصة الكدرة بالرحامنة توأم روح الرقصة الكامنة بالصحراء المغربية عبد العالي بلقايد مع ناقر على آلة الكدر وراقصة من مجموعة موسيقية حسانية

الترافع عن الموروث الثقافي الشعبي بمنطقة الرحامنة في علاقة ببعده الصحراوي والإفريقي يعتبر قضية وملف آني لا يتطلب التأجيل، خصوصا لما يتعلق الأمر بلون فني نابع من الأصول وله جذور وامتدادات تاريخية وحضارية وثقافية وإنسانية. هكذا يتحدث الباحث الأستاذ عبد العالي بلقايد، حينما يغوص في كنه "ذخيرة وذاكرة المغاربة" ويحول صفحات "العيطة بمختلف أنماطها" على منصات مواقع التواصل الاجتماعي إلى منبر إعلامي جاد ومسؤول (صفحة العيطة الحوزية/ صفحة الحصبة ولافة/ صفحة محبي العيطة) و يسلط كشافات الضوء على جواهرنا "المنسية" و"المعرضة للانقراض"، والتي تعكس كنوز الوطن الذي راكم الكثير من التنوع على مستوى الفنون الشعبية لتحصين وجوده/ الذات/ الجماعة.

في هذا السياق وارتباطا بثقافة الاعتراف يستحضر الباحث عبد العالي بلقايد بتواضع كبير، رفقة رفاقه (أمينة الرمحاوي وأمين عبد اللطيف) خلال كتاباته ونبشه، وترافعه، كل الفعاليات والأسماء (الرحامنة واليوسفية) التي تجتهد من أجل صون تراث فن حمادة وتحصينه ضد النسيان.

"أنفاس بريس" ارتأت التعاطي مع منسوب كتابات ثلة من أبناء بن جرير لتوثيق ذاكرة مجموعة حمادة (يتقنون رقصة الكدرة) الممتدة جذورها وروابطها من الرحامنة إلى القبائل الصحراوية.

 

المعاني والدلالات في رقصة الكدرة الرحمانية

الراقصة بهذه الرقصة بالرحامنة لا تكون إلا قريبة للعروس ، وهي من عذارى الدوار. وأثناء الرقص تكون محجوبة عن الأنظار، فلعبة الاختفاء والإخفاء يعطي للعروس حضورا رمزيا عبر الاستبدال. فالعروس حاضرة عبر قريبتها، وبذلك يكون حضورها حضورا رمزيا، وعندما يحضر الرمز تتوالد المعاني والدلالات، وهو توالد يتم عبر مواضعات واتفاقات اجتماعية .

 

وأولى المعاني والدلالات تتم عبر اللباس، الذي تظهر به الراقصة والمتمثل في اللون الأبيض. وحسب تقديرنا هذا اللون تختص به قبائل سلام، وهي قبائل عرفت بورعها وعلمها وبكثرة حفظة القرآن بها. عكس القبائل الموجودة بالبحيرة والتي يغلب عليها العنصر الركيبي، والقبائل الوافدة من صحراء القبلة، ومعظمها من الشرفاء الأدارسة ما جعلها مفتونة باللون الأسود. فأغلب النساء هناك يرتدين (ملحفات) باللون الأسود، عكس سكان سلام، وخاصة النساء اللواتي يفضلن الأبيض بالمناسبات وفي الأفراح، وهو ما تظهر به الراقصة في رقصة الكدرة. وهو لون يحيل على الفطرة ، وعلى السليقة والطبيعة، مما يشي بحسن العقيدة والمعتقد.

 

كل ما يحوي الحفل منظم بالعرف والتقاليد الناظمة للحياة ومظاهرها. فالآلة الموسيقية هي نتاج محلي، "فالقدر" صنع من طرف حرفيين وصناع محليين، لأن صناعة الخزف (الطين) من الصناعات التي اشتهرت بها منطقة بوشان ، وإن أضحت من الفعاليات التي طالها هي كذلك المحو. أما الجلد فهو في الغالب للذبيحة التي قدم لحمها للمدعوين. والناقر على الآلة الموسيقية هو واحد من ناس الدوار، وليس موسيقيا محترفا، وكذلك المجموعة المصاحبة للنقر بالتصفيق لتعطي للنقر إمكانية التركيب معه، ليتكون الإيقاع المانح للراقصة إمكانية التفاعل معه بلغة الجسد/ الرقص.

 

الموسيقى من الأشياء التي تصنع الفرح بالجماعة عبر أعرافها التي تتم عبر مؤسسة (تكادة)، وهي مؤسسة عرفية، لازالت في كثير من الدواوير المغربية فاعلة تضم جل الشباب غير المتزوج، وتقابلها مؤسسة أخرى تسمى بـ (لكواشيش) وهي مؤسسة من الرجال حديثي العهد بالزواج. وتتنافس المؤسستان وخاصة في التظاهرات الرياضية كالكرة، أو تكورت . ولكن مؤسسة تكادة كانت أكثر المؤسسات فعالية في إعداد مستلزمات الأفراح، وخاصة ما يتعلق بالتنشيط الموسيقي.

 

الموسيقيون يقومون بنشاطهم بشكل يعطي لحياة الجماعة معنى، بعيدا عن التأجير الذي لم يظهر إلا مع ظهور الأجواق، وهو ما أثر سلبا على موسيقى الجماعة مثل حمادة التي بدأت تتجه نحو شكل عبيدات الرما، وإن كانت مطبوعة بخصيصة مدح الرسول عليه الصلاة والسلام. لتحاول أن تكون لونا سماعيا بحوز مراكش.

 

حين نتعرض لهذه السياقات فلغاية إظهار الوشائج الثقافية بين مكونات الشعب المغربي والتي توطد اللحمة بينها، فالثقافة هي المكون الأساسي الذي يوحد الأحلام كما يوحد النظرة للوجود وجل التصرفات والسلوكيات سواء الاجتماعية أو الأخلاقية.

 

إن إبراز دلالات الرقصات لا يمكن أن يتم إلا من صميم الثقافة المغربية ولا مجال للتعاطي معها انطلاقا مما توحي به الثقافات الأخرى، كأن نشبه رقصة الكدرة بالرقص الهندي، أو القول مع من يقول بأن الراقصة تشبه لتلك التي تصارع ثعبانا.

 

إن ثقافتنا هي ثقافة واقعية واجتماعية، وإن كان هذا لا يستبعد الميثولوجي الذي يدل حاضرا بقوة من خلال رقم سبعة الذي يتم به ختم العرس ليكون فاصلا بين أيام العرس وبداية (حزام العروس) الذي يكون في اليوم السابع وهو مدخل للأشياء التي تتطلب الحزم وهو ما تدل عليه المغالبة التي تقوم بها الراقصة للصعوبات، وتشجيع المجموعة بالرش والتصفيق وفي حالات معينة بالصلاة على النبي لتدليل الصعاب.

 

إن إحياء وبعث هذا الكنز الثمين مهمة المجتمع قبل المؤسسات ذات الصلة، هذه المقدمات التي قمنا بها مع مجموعة من الأصدقاء هي بداية مهتمين بتراث محلي للإشارة بأن هناك أشياء جميلة تستحق الاهتمام.