السبت 26 سبتمبر 2020
سياسة

أريري: مأساة الدارالبيضاء ترتبط بعدم التقاط مدبري شؤونها للإشارات الملكية

أريري: مأساة الدارالبيضاء ترتبط بعدم التقاط مدبري شؤونها للإشارات الملكية عبد الرحيم أريري

خص عبد الرحيم أريري، مدير موقع "أنفاس بريس" وأسبوعية" الوطن الآن"، يومية "الصباح"، بحوار مطول حول أعطاب الدار البيضاء ومظاهر الاختلال بضاحيتها. الحوار الذي أجراه الزميل عصام الناصيري، نشر في العدد المزدوج للصباح 18/19 يوليوز2020.

"أنفاس بريس" تعيد نشر حوار أريري، إغناء للنقاش العمومي حول تدبير العاصمة الاقتصادية للمغرب.

ما هو تشخيصكم لوضعية هوامش العاصمة الاقتصادية؟

يصعب الجزم أن التهميش يقتصر على هوامش الدارالبيضاء وكأن وسط المدينة يرفل في النعيم ورغد العيش، إذ باستحضار مؤشرات التهميش ، نجد أن بؤر الحكرة توجد أيضا في قلب الدار البيضاء أيضا وربما بمستويات أبشع. وحسبي هنا التوقف عند حالة المدينة القديمة ودرب غلف وأحياء درب السلطان، حيث نسبة الهشاشة جد مقلقة والكثافة السكانية رهيبة في بيئة غير كريمة للأغلبية الساحقة من السكان، ناهيك عن الأرقام المفجعة بشأن الهدر المدرسي ووفيات الأمهات وارتفاع المهن الهامشية.الفرق بين السكان المهمشين القاطنين بأحياء وسط المدينة والسكان المهمشين القاطنين بضاحية المدينة، يكمن فقط في أن الفئة الاولى " دازت عليها الدكاكة" وتم تنويمها بخطاب خادع لكي لا تصطف في طابورالاحتجاج والضغط على السلطة العمومية للمطالبة بحقها في التوزيع العادل للثروة مجاليا وقطاعيا.

فلو أخذنا سكان المدينة القديمة ودرب غلف وعدد من الأحياء الفقيرة لدرب السلطان سنصل إلى كثلة ديمغرافية تبلغ حوالي 400 ألف نسمة(مثل عدد سكان مكناس تقريبا)، أما إذا أضفنا الجيوب الصفيحية التي مازالت موجود بقلب البيضاء، فسنصل إلى حوالي 500 ألف نسمة مقصية من رادار التنمية. وهذا الرقم يمثل حوالي 15 في المائة من مجموع سكان بلدية الدار البيضاء. أما سكان الهوامش من حي فرح السلام بعمالة الحي الحسني إلى حي الأزهر بعمالة البرنوصي، مرورا بليساسفة وسيدي معروف القديم ودوار تقلية وسباتة والشيشان ومجموعات مولاي رشيد والتشارك وأهل الغلام، فلا يختلف وضعهم عن سكان الأحياء التي ذكرت بوسط المدينة سوى البعد عن ساحة الحمام أو شاطئ عين الذياب.

وهذا يكشف أن المسؤولين على تدبير المدينة ( منتخبين أو إدارة ترابية أو مصالح خارجية) لا يتوفرون على لوحة قيادة تتضمن الخدمات المدينية الدنيا المشتركة الواجب توفيرها لكل سكان المدينة أيا كان المجال الجغرافي الذي يوجد فيه المرء. فكما أن هناك " سميك" إجباري في الأجر في قطاع الشغل، يجب أن يكون هناك " سميك حضري" أو " سميك في رفاهية العيش الحضري" بالمدينة المغربية، مثلما هو موجود في كل مدن العالم المتمدن. وأعني بذلك: سكن لائق، مرافق القرب من صحة وتعليم وترفيه...، أسواق بلدية، شوارع فسيحة ومشجرة، ساحات عمومية، حدائق الأحياء ومنتزهات كبرى لكل حوض جغرافي، نقل عمومي أدمي يغطي كل تراب المدينة، ولوج سلس لمجال الشغل، إلخ...

هل يمكن اعتبار إقصاء الهوامش من برامج التنمية والبنية التحتية تمييز بين مواطني المدينة نفسها؟

هناك أسباب تاريخية جعلت الأحياء الموجودة بهامش المدينة تتراكم فيها الاختلالات ويتفاحش فيها الخصاص على مستوى البنى التحتية.

السبب الأول مرتبط بالمرحلة الاستعمارية، حيث كان الاحتلال الفرنسي يركز في الإنفاق والتجهيز على المدينة الأوربية، ويهمش المدينة القديمة والكاريانات والأحياء العمالية التي كان يسكنها المغاربة(أو الأهالي بلغة الاستعمار).

ولما استقل المغرب ( وهذا هو السبب الثاني)، وقع اصطدام بين القصر والحركة الوطنية، خاصة في شقها اليساري، حول من يحكم وأي شكل من أنماط الحكم يجب أن يتم تقعيده بالبلاد: هل ملكية تنفيذية أو ملكية صورية أو نظام الحزب الوحيد، إلخ... ودخلت البلاد في دوامة من الهزات والمؤامرات استدعت جعل تثبيث الوضع وتأمينه على رأس الأولويات على حساب القضايا اليومية الاخرى. من هنا نفهم كيف أن عمال الدار البيضاء كانوا كلهم جنيرالات وكولونيلات في الجيش منذ استقلال المغرب إلى مطلع السبعينات من القرن العشرين (تاريخ آخر انقلاب عسكري ضد المرحوم الحسن الثاني)، والأولوية آنذاك لم تكن هي التخطيط لمدينة زاهية وبهية، بل كان الهاجس هو منع سقوط الدارالبيضاء في يد سلطة حزبية مناوئة للحكم المركزي. وبالتالي وقع تراخي في ضبط المدينة وتوسعها.

السبب الثالث مرتبط بتداعيات الانقلابين العسكرييين ضد المرحوم الحسن الثاني(1971 و 1972)من جهة، وخوض المغرب للحرب ضد الجزائروليبيا (اللذين كانا يمولان البوليساريو) لاسترجاع أقاليمنا الجنوبية من جهة ثانية. حيث وقع انفراج سياسي بين القصر وأحزاب الحركة الوطنية أثمر تنازلات متعددة من الطرفين معا. من ضمن ثمار هذه التنازلات إصدار ظهير 1976 الذي اعتبر آنذاك بمثابة ثورة في تدبير الشأن المحلي بما حمله من سلط وصلاحيات للمنتخبين لتدبير مدنهم. لكن سرعان ما تم الالتفاف على هذا التحول ببروزفاعل قوي يتجلى في إدريس البصري(وزير الداخلية القوي والخالد في العهد الماضي) الذي أفرغ هذا الظهير من فحواه وعزز بالمقابل سلطة العمال من جديد وقزم تدخلات المجالس المحلية وجردها من الأدوات التقنية الصانعة للمدينة ( من قبيل مرفق الماء والتطهير والنقل الحضري وغير ذلك)، ووضعها تحت قبضة الداخلية فضلا عن تحكمها في العقار والموارد المالية بشكل لم تعد معه المرافق العمومية والبنيات التحيتة والتجهيزات العمومية تنجز وفق حاجيات كل حي أو منطقة بالمدينة بقدر ما أصبحت الدار البيضاء مضخة " للهمزات"، مع ماتعنيه لفظة " الهمزة" من شحنة الريع والغنيمة.

وهذا ما يفسر كيف أنه مع مجئ الملك محمد السادس للحكم في صيف 1999 كان أول قرار قام به هو تفكيك امبراطورية إدريس البصري بالدارالبيضاء، وما تلا ذلك من إعفاء الوزير القوي من منصبه، وتعيين جيل جديد من العمال والولاة والتحضير لمونطاج مؤسساتي جديد للدار البيضاء وباقي المدن الكبرى تمثل في نظام وحدة المدينة بغاية تجميع التدخلات وتوحيد الرؤية والإمكانيات المالية.

تعرف هذه الهوامش هشاشة كبيرة سوء تلق الأمر بالمستوى التعليمي والخدمات الصحية والتأهيل المهني، برأيك كيف يمكن إدماج هذه الفئة في سلاسل الإنتاج والتنمية؟ 

فعلا تعرف أحياء هذه الهوامش نقصا كبيرا في مختلف الخدمات التي طرحتها في سؤالك. لكن كما يقول المثل الشعبي " دوي علي وجي علي". فالإرث الأسود الذي تركه العهد الماضي بالدارالبيضاء كان جد ثقيل يستدعي " مخطط مارشال" لمواجهته وهو ماكانت الدولة في كل مستوياتها( المحلي والجهوي والمركزي) عاجزة عن تدبره. لكن ما أن وقعت احداث 16 ماي الإرهابية عام 2003، حتى حدثث صحوة عمومية لدى السلطة العمومية بوجوب التحرك السريع لتجفيف منابع التطرف والفقر والجهل بضاحية البيضاء، فتم ضخ الملايير من الدراهم بالحزام الضاحوي للبيضاء منذ 2004 إلى اليوم، ولا يمكن للمرء أن ينكر المجهود المبذول لخلق سكن مقبول نسبيا لمائة ألف أسرة كانت تقطن باحياء الصفيح (أذكر أربع تجمعات صفيحية ضخمة ومشهورة: كاريان السكويلة وطوما وكاريان سنطرال وباشكو....)، كما علينا ان لا ننسى موردا رمزيا هاما ساعد في تلحيم ضاحية البيضاء مع باقي تراب المدينة بالرغم من استمرار الخصاص في المرافق العمومية، ألا وهو حرص الملك محمد السادس على زيارة دروب وأحياء هامش الدار البيضاء في كل مرة يأتي للمدينة: إما لتدشين مشروع او إعطاء انطلاقة انجاز مرفق معين أو الصلاة بأحد مساجد هذه الأحياء، إلخ...وهذه الزيارات الملكية المتكررة مسحت العار عن ضاحية المدينة التي كان يحتقرها المسؤولون ويغيبونها من أجندتهم.

تستمر الدولة في تأزيم الوضع عبر ترحيل مجموعة من الكاريانات إلى ضواحي المدينة، كيف تنظرون إلى هذا الأمر؟

لما اتخذ قرار إعادة إيواء ساكنة الصفيح كان هناك توجهين: توجه ينادي بإعادة إيواء المعنيين في نفس المكان الذي استقر فيه سكان الكاريان منذ سنين بمبرر أن الترحيل سيدمر اللحمة الاجتماعية ويخلق الغربة للمرحلين في الأحياء الجديدة. بالمقابل كان هناك توجه يقول أن إعادة الإيواء في نفس المكان ستكون صعبة إن لم نقل مستحيلة. ومبرر هؤلاء يكمن في أن أغلب الأراضي التي تحتضن الكاريانات ليست عقارا عاما تابعا للدولة، بل هو عقار خاص وثمنه جد باهض لا يسمح للخزينة العامة تحمل كلفة الإيواء وشراء الأرض، وبالتالي من الأنسب ترحيل هؤلاء نحو أراضي عمومية تابعة للدولة لربح كلفة العقار، خاصة وأن المستهدفين بإعادة الإيواء يشكلون 102 ألف أسرة ، أي حوالي 600 ألف نسمة، وهو عدد كبير جدا ليست للمغرب الإمكانيات المالية لإعادة إسكانهم في زمن معقول. فانتصر أصحاب الطرح الثاني، وهو ما أفرز هذه الأقطاب الحضرية الموجودة في الرحمة وبوسكورة وأولاد صالح والهراويين الجنوبية وزناتة وسيدي حجاج والشلالات، وهي أقطاب توجد خارج المدار الحضري للدار البيضاء وتقع تحت نفوذ وحدات إدارية أخرى مستقلة عن مدينة الدارالبيضاء.لكن للأسف المسؤولون الساهرون على تدبير الأمور اليومية تعاملوا مع هذا الورش ببرودة قاتلة وببيروقراطية إجرامية ولم يخرجوا ويواكبوا تنفيذ المشاريع المصاحبة (نقل، طرق، أسواق، مرافق تعليمية وصحية وترفيهية ، إلخ....). وبحكم أن المقال في هذا الحوار الصحفي لا يسمح بسرد كل الحالات يكفيني أن أستشهد بمثالين اثنين: المثال الأول يتعلق بالصندوق الخاص بربط المشاريع السكنية الكبرى بحي الرحمة مع دار بوعزة وبوسكورة بالطرق والشوارع الكبرى، وهو صندوق يمول من اقتطاع عن شقق المنعشين الذين استفادوا من تراخيص استثنائية لإنجاز وحداتهم السكنية، علما أن معظم المنعشين سددوا التزاماتهم. فالأموال موجودة والصندوق " عامر بالفلوس"، لكن الماكينة البيروقراطية قتلت مدينة الرحمة وقتلت أحلام السكان في التنقل في طروف ميسرة وسريعة وأمنة بسبب أن مسؤولا لم يسبق له أن تنقل إلى الرحمة ليعاين مشاكل المواطنين.

المثال الثاني ويهم ملائمة خدمات الماء والكهرباء والتطهير بين ضاحية البيضاء ووسط المدينة. ورغم أن الاتفاقية وقعها كل المسؤولون الحكوميون والمنتخبون المعنيون بالملف فضلا عن مدير المكتب الوطني للماء والكهرباء أمام الملك محمد السادس عام 2014، فلحد الساعة لم يتم تنفيذها لوجود حسابات" خاوية في عامرة" بين عبد العزيز العماري عمدة البيضاء ووزير الطاقة عبد القادر اعمارة، من جهة ووزارة الداخلية من جهة ثانية. والضحية هم حوالي ثلث سكان الدارالبيضاء محرومين من مزايا اتفاق وقع أمام الملك عام 2014، ولا احد انتفض وقال " لقد عيقنا بزاف"، علما أن تجميد اتفاق الملائمة نتج عنه تجميد مشاريع أهم وأنفع تتجلى في تعطيل إنجاز مشاريع الواد الحار والمياه المطرية بمدينة الرحمة التي سيصبح وضعها بعد خمس أو ست سنوات، مثل الوضع الحالي بمنطقة ليساسفة التي عانت عشرين سنة من الفيضانات قبل أن تباشر الأشغال حاليا لتمكين سكان ليساسفة من الحق في الربط مع الشبكة.

والأمثلة كما قلت عديدة، ولكن مأساة الدار البيضاء أن العديد من المسؤولين الذين تعاقبوا عليها (منتخبون أو رجال سلطة أو مدراء ومندوبو مصالح خارجية) كانوا إما من عيار خفيف، أو كانوا يفتقدون لحس يجعلهم قادرين على فهم العقل العام للدولة والتقاط الإشارات الكبرى للملك محمد السادس في علاقته بالدارالبيضاء .

فهم لم يلتقطوا الإشارة حين أصر الملك محمد السادس على أن تكون أول خرجة رسمية له بعد توليه الحكم هي زيارة البيضاء في شتنبر من عام 1999. ولم يلتقطوا إشارته حين تم استثناء الدارالبيضاء من مونطاج "مدن بدون صفيح" عام 2004 وإخراج البيضاء من هذا التصور مع تمتيعها بشركة خاصة تتولى العملية (أي إدماج سكن). ولم يلتقطوا الإشارة عام 2006 حين نزع الملك محمد السادس " مسمار جحا ديال الجيش" المتمثل في إخراج العسكر من مطار انفا، وأهدى عقار المطار للمدينة لخلق قطب مالي يتماشى مع التمطط المغربي نحو إفريقيا. ولم يلتقطوا الإشارة عام 2008 حين حرص الملك محمد السادس على أن يبارك بنفسه في القصر الملكي بحي الحبوس، أول مخطط مديري للتهيئة الحضرية للدارالبيضاء يصدر في عهده، وهو المخطط الذي قلب المعادلة بجعل ضاحية البيضاء هي المنقذ لمشاكل البيضاء فتم وضع معظم المشاريع المهيكلة واللوجيستيكية بحزام البيضاء. ولم يلتقطوا الإشارة عام 2011 حين ترأس الملك بالهراويين اتفاقيات التأهيل الحضري لكافة أحزمة البؤس بضاحية المدينة. ولم يلتقطوها عام 2013 حين خص الملك الدارالبيضاء بخطاب بالبرلمان. ولم يلتقطوا الإشارة عام 2015 حين أشرف الملك على أضخم برنامج حضري بالمغرب، تجلى في رصد حوالي 34 مليار درهم لبرنامج خماسي للبيضاء يمتد إلى سنة 2020، وهو مبلغ ضخم لم يسبق أن خصص لمدينة مغربية بهذا الشكل.