الأربعاء 5 أغسطس 2020
فن وثقافة

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ مراكش وأول مستشفى عسكري في القصر الملكي "الدار البيضاء" بها سنة 1912 (ح. 22)

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ مراكش وأول مستشفى عسكري في القصر الملكي "الدار البيضاء" بها سنة 1912 (ح. 22) قصر الدار البيضاء بمراكش الذي كان مقرا للمستشفى العسكري بمراكش سنة 1912 - ولحسن العسبي

يطول الحديث كثيرا عن مراكش، وقصة دخول الطب الحديث إليها، ليس فقط لأن تاريخها عال علو وسمو قمم جبال الأطلس الكبير التي تحرسها (وتزودها بالماء الزلال)، بل لأن جزء من الاحتلال العسكري الفرنسي للأرض المغربية من الشرق (احتلال وجدة من قبل قوات عسكرية قادمة من وهران بقيادة الجنرال ليوطي، سنة 1907)، قد تم بسبب مقتل طبيب فرنسي بمدينة صومعة الكتبية يوم 19 مارس 1907، الدكتور موشان، الذي سيحمل أول مستشفى مدني كبير بالمدينة اسمه سنة 1913. ليس هذا فقط، بل مراكش هي أساسا الفضاء المديني الذي أبدع فيه المغاربة في مجال الصحة العامة، منذ العهد الموحدي، من خلال إنشاء أول مستشفى متعدد التخصصات (ضمنها حتى الطب العقلي والنفسي) بالعالم، سنة 1184 ميلادية، بمنطقة سيدي إسحاق، بقرار من السلطان أبو يوسف يعقوب المنصور، والذي تم مؤخرا هدم ما تبقى من سور قديم له بالمدينة وإزالة لوحة تذكارية به، بدعوى توسعة طريق ما وتعبيدها.

 

بالتالي، فإن لمراكش ذاكرة طبية راسخة، قديمة وعتيقة، حيث برز فيها فطاحلة من الأطباء مغاربة ومغاربيون وأندلسيون، مثل محمد الشريف الزكراوي، أبو إسحاق الداني البجايي، محمد المالقي الغرناطي، عبد الملك ابن زهر الإشبيلي،  وعبد الله المالقي ابن البيطار. وبسبب ماضيها السياسي والعلمي والتجاري الكبير، وبسبب أيضا من موقعها الجغرافي الاستراتيجي للتحكم في كامل الجنوب المغربي، فقد كانت رهانا هائلا عند المستعمر الفرنسي، بذات القوة التي كان محور فاس - تازة رهانا كبيرا آخر عنده. هكذا، فإنه بالتوازي مع اندلاع مواجهات فاس العنيفة في شهري أبريل وماي 1912، كانت مراكش والجنوب المغربي الأمازيغي والصحراوي مشتعلان أصلا منذ شهور، حيث برزت حركة مقاومة مسلحة صاعدة من تلك الجغرافيات المغربية، بقيادة الشيخ الهيبة ماء العينين (واحد من أبناء الشيخ ماء العينين الشنقيطي الموريتاني، مؤسس مدينة السمارة بالصحراء الغربية للمغرب ومؤسس الزاوية المعينية بتزنيت وبها توفي ودفن سنة 1910)، وهي حركة تمكنت من احتلال مراكش وبدأت الزحف نحو الدار البيضاء والرباط في بداية شهر شتنبر 1912. لكنها ستتلقى ضربة قاصمة بمنطقة سيدي بوعثمان عند مشارف الرحامنة، يوم 7 شتنبر 1912، حين انهزمت قوات الهيبة ماء العينين (بسبب خدعة عسكرية وظفت فيها فرقة من الكَوم السينغاليين المسلمين) أمام القوات الفرنسية القادمة من الدار البيضاء بقيادة العقيد موجان.

 

حين دخلت تلك القوات الفرنسية إلى كامل مراكش يوم 10 شتنبر 1912، بقيادة القائد سيمون، الذي هو من ضباط العقيد موجان، كان من أول قراراتها إنشاء نواة لمستشفى طبي عسكري، اختير لها فضاء تاريخي هام، شمال غرب حدائق أكدال العريقة (لا تزال قائمة منذ 8 قرون وتعتبر أقدم حديقة حية بالعالم من قبل منظمة اليونيسكو، وهي تراث عالمي)، هو قصر "الدار البيضاء" الذي بناه السلطان مولاي الحسن الأول سنة 1879، وقد كان قصرا فخما وكبيرا، شكل مقر القيادة المركزية للهيبة ماء العينين. ومما تؤكده وثيقة رسمية للطبيب العسكري الفرنسي ريمري، فإنه قد افتتح ذلك المستشفى يوم 27 شتنبر 1912، أي أسبوعين فقط بعد احتلال القوات الفرنسية للمدينة، وعين مديرا له الطبيب العسكري الملازم أول الدكتور ديلماس. وحين زاره الماريشال ليوطي سنة 1915، أصدر قرارا إداريا بصفته المقيم العام بالمنطقة التي تحتلها فرنسا من الأراضي المغربية، يحول ذلك القصر الملكي إلى مستشفى عسكري بصفة رسمية ونهائية. فكان بالتالي، أول مستشفى عسكري فرنسي افتتح بالمغرب داخل بناية جميلة، كبيرة، بحدائق واسعة غناء، بقاعات فسيحة ونظيفة، عكس باقي المستشفيات العسكرية الفرنسية الأخرى بمدن الدار البيضاء وفاس والرباط ومكناس، التي ولدت في خيام أو بنايات خشبية في البداية أو قصبات قديمة. مما منح له أن يتوفر منذ انطلاقته على أجنحة طبية متعددة، تطلب تجهيزها جهدا يسيرا، مما سرع من انطلاق خدماته الاستشفائية، منذ شهر أكتوبر 1912، مع مواصلة تجهيزه بآليات حديثة في المسافة الزمنية بين 1915 و1917، بعد صدور قرار الماريشال ليوطي المشار إليه.

 

سيطلق عليه، منذ شهر أكتوبر 1912 اسم "مستشفى ميزون نوف" تكريما لذكرى الطبيب العسكري الفرنسي "ميزون نوف" الذي سقط صريعا بمراكش، بعد إصابته بعدوى التيفويد يوم 6 أكتوبر 1912. ولقد تم تجهيزه في بحر 5 سنوات فقط بأحدث الأجهزة الطبية حينها، مكنت من التوفر على قاعات جراحة حديثة ومعقمة، قاعات للتحليلات المختبرية، قاعة مختبر تحليلات بيولوجية وكيميائية، قاعة الراديولوجي، وقاعة الأشعة فوق البنفسجية، مع أجنحة تخصصية متعددة، شملت الطب العام والطب الباطني والأمراض الصدرية وطب العيون وطب العظام وطب الأسنان. أي أنه أصبح في فترة زمنية قصيرة مستشفى مركزيا شاملا لكل التخصصات، بفريق طبي ضخم ووازن، ضم 9 أطباء عسكريين رئيسيين و25 ممرضا و46 مساعدا. وأصبح مجاله الجغرافي يغطي كل الجنوب المغربي، من الرحامنة شمالا حتى ورزازات جنوبا ومن دمنات شرقا حتى الصويرة وأكادير غربا (للإشارة لم يعد هذا المستشفى العسكري موجودا اليوم بمراكش، بعد قرار الملك الراحل المرحوم الحسن الثاني استعادة القصر الملكي "الدار البيضاء"، وبني مستشفى عسكري جديد أطلق عليه ابن سينا جنوب محطة القطار في الطريق إلى منطقة تارغة).

 

كانت مراكش حينها تضم ساكنة كبيرة، تعتبر الأكبر بين كل المدن المغربية (أكثر حتى من فاس)، بلغت في سنة 1915، ما مجموعه 165 ألف نسمة، ضمنهم حوالي 142 ألف مغاربة مسلمون وأكثر من 19 ألف مغاربة يهود و2120 أوروبيا، يضاف إليهم 1115 عسكريا فرنسيا. فتم بالتوازي مع افتتاح أول مؤسسة طبية عسكرية بها، إنشاء سنة 1913 مصلحة "حفظ الصحة العامة"، التي عملت مع نواة إدارية جنينية للمصالح البلدية على مواجهة الكثير من أعطاب النظافة بالمدينة، والشروع في خلق بنية تحتية للخدمات الصحية العامة، من أجهزة رقابة صحية ومؤسسات للتعقيم عمومية، وشبكة جديدة للماء الشروب وشبكة للصرف الصحي، بغاية مواجهة كل مصادر تفشي الأوبئة والأمراض المعدية. كانت مراكش حينها تسجل دوريا موجات من أوبئة الملاريا والجدري والتيفويد، مثلما بها نسب عالية جدا من مرض السل (خاصة السل اللمفاوي وسل العظام) وأيضا من مرض الزهري الجنسي، بسبب النسبة العالية بها من دور الدعارة و"النزاهة".

 

كانت الآلية التدبيرية الإدارية الخاصة بمراكش مختلفة عن باقي المدن المغربية، من خلال قرار الإقامة العامة بالرباط التعاون مع واحد من كبار قواد الجنوب والأطلسين الكبير والصغير، المدني لكلاوي وشقيقه التهامي لكلاوي (وهما من قبيلة كلاوة الأمازيغية الوزكيتية بشرق الأطلس الكبير). وهو التعاون الذي سيخلق بنية إدارية مزدوجة مدنية وعسكرية، فرنسية ومغربية، وفرت اليد العاملة المطلوبة لتنفيذ كل مشاريع "حفظ الصحة العامة" بالمدينة. وهي المشاريع التي ستلعب دورا مؤثرا في مواجهة الكثير من الأمراض بها، مثلما ساهمت في الوصول إلى امتلاك خريطة صحية للمدينة والجهة بكاملها، في بحر 5 سنوات، كانت جد مهمة في الاستراتيجية الطبية التي تم تنفيذها هناك، ابتداء من سنة 1913، أدت إلى ميلاد شبكة واسعة من المستشفيات والمراكز الصحية والمستوصفات، بتخصصات متعددة، في المسافة الزمنية بين 1913 و1919.

 

مثلا، في مجال الماء الشروب وحده، وجدت القوات الفرنسية المحتلة، حسب وثيقة للدكتور آدريان بورتو (مدير مصلحة حفظ الصحة والطبيب الرئيسي لمستوصفي محاربة داء السل ومرض الزهري الجنسي)، أن مدينة مراكش تتوفر على تقنية لتوزيع الماء الشروب ضاربة في القدم منذ قرون، فعالة وهامة، لكنها في الكثير من الحالات غير محمية دون تسرب بعض الأوبئة والأمراض إليها (خاصة التيفويد). فقد كانت المدينة تتوفر على مصادر مياه قادمة من أعالي الأطلس الكبير على مسافة 11 كلمترا جهة أكدال، عبر 3 خطارات كبيرة، تزود 77 مسجدا بالماء و24 حماما عموميا و98 نافورة ماء موزعة على كامل أحياء ودروب المدينة. وكانت تلك المياه تعبر العديد من الحفر (آبار لخلق قوة الدفع)، لم تكن جميعها تتوفر على شروط السلامة الصحية. فكانت من المعارك الكبرى التي انخرطت فيها مصالح "حفظ الصحة" بمراكش، هي أخد زمام المبادرة التدبيرية لتلك الشبكة الهائلة من توزيع الماء الشروب، التي كانت تابعة للأحباس، بكل ما كان يصاحب ذلك من توترات بتأويلات تفسيرية دينية تقول بتحريم اقتراب الأجنبي غير المسلم من ماء الخطارات الذي يزود المساجد ويكون ماء طاهرا للوضوء (فاقتراب الأجنبي غير المسلم منه يكون سببا لنجاسته). فكان ذلك معركة تدبيرية، لعبت فيها اليد الإدارية المحلية الجنينية للقائد المدني لكلاوي وشقيقه التهامي لكلاوي الدور الحاسم بمنطق القوة والإكراه. لكنه شكل المقدمة الإيجابية صحيا لمراقبة الماء الشروب بكامل المدينة من خلال تنظيف كلي للخطارات وللآبار المرتبطة بها وللسواقي الحاملة للماء. ومع اتساع الأحياء الأوروبية الجديدة خارج أسوار مراكش العتيقة، شرع في البحث عن مصادر مياه جديدة تحت الأرض، حيث تمت عمليات حفر 25 كلمترا جنوب المدينة على طريق أكادير (بمنطقة بوزوغار ومدشر غريش)، مكنت من اكتشاف فرشة مائية عززت من الصبيب المائي للمدينة الذي وفر لها 300 لترا في الثانية من الماء الشروب الصحي بينما هي لا تستهلك أصلا في سنة 1925 سوى 65 لترا في الثانية.

 

سيتم أيضا بالتوازي، في المسافة الزمنية بين 1913 و 1925، إنجاز 82 كلمترا من مجاري الصرف الصحي (وهو رقم ضخم)، و 56 كلمترا من شبكة الماء الشروب، وتم القضاء نهائيا على كل المزابل العمومية المنتشرة بالمساحات الفارغة داخل وخارج أسوار مراكش، وإنشاء مطرح عمومي للأزبال مراقب من قبل المصالح البلدية. مثلما تم تحديد خريطة كل البحيرات المائية الراكدة، وتمت معالجتها لمحاربة أسباب الأوبئة المتسببة فيها.

 

(في الحلقة القادمة: ميلاد أكبر مستشفى مدني بالمغرب بمراكش "مستشفى موشان" سنة 1913)