الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
فن وثقافة

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ بركان، فكيك، غرسيف، تاوريرت، برغنت، والعيون.. مراكز طبية ومستوصفات منذ 1914 (ح. 21)

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ بركان، فكيك، غرسيف، تاوريرت، برغنت، والعيون.. مراكز طبية ومستوصفات منذ 1914 (ح. 21) من اليمين: د. فيلليب بوشريل الطبيب الرئيسي لغرسيف، د. ج. هود الطبيب الرئيسي لبركان، د. إدوارد كوما الطبيب الرئيسي لتاوريرت ولحسن العسبي

ما عاشته وجدة، منذ احتلالها من قبل القوات العسكرية الفرنسية سنة 1907، من تهميش صحي امتد حتى بداية العشرينات من القرن الماضي، لم تعشه البلدات الكبرى المحيطة بها بذات الحدة، خاصة تلك التي تكون جغرافيا عند نقط التماس مع الحدود الجزائرية، من بلدة السعيدية بالشمال حتى مدينة فكيك في الجنوب، مرورا ببركان، تاوريرت، برغنت (عين بني مطهر حاليا)، غرسيف. هل لأن أغلبها، بفضل ظروف مناخية مثالية متميزة وخاصة، على طول شهور السنة، لم تشهد تلك الموجات الهائلة للأوبئة الفتاكة والأمراض القاتلة؟. ربما يكون الأمر كذلك، تأسيسا على تقارير أطباء عسكريين عملوا بالمناطق المترامية الأطراف تلك، في الفترة ما بين 1914 و1936. وربما يكون أيضا بسبب الثقافة السلوكية لساكنتها من المغاربة (مسلمين ويهود) كانت شروط النظافة عندهم عالية منذ أزمنة غابرة، إذ كما قال في تقرير له الطبيب جون فريتز (الطبيب الرئيسي لبلدة برغنت): "هذه مناطق نظيفة هواء وأرضا وبشر".

 

بالتالي، فإن ما سأحاول أن آخذكم إليه في هذه الرحلة بالمناطق البدوية لشرق المغرب، الممتدة على كلمترات مربعة توازي مساحة بلاد مثل بلجيكا أو الأردن أو لبنان، يقدم لنا الدليل على المجهود الفعلي الذي بدلته فرنسا الاستعمارية لتبليغ خدمة الطب الحديث إلى كامل التراب المغربي، وصولا حتى إلى أعالي الجبال وتخوم الحدود ومناطق الرحل. فكانت تلك السياسة الهامة جدا في أدوارها الخدماتية، التي تحركها بالضرورة غايات سياسية (بالمعنى الذي سبق وقلناه عن تصور الماريشال ليوطي لدور الطب كوسيلة اختراق سياسية أهم وأقوى من وحدات الجيوش المسلحة)، قد لعبت دورا محوريا في تغيير وعي الفرد المغربي (بالمدن والبوادي) بذاته وبالآخرين وبالعالم. حيث مكنت المعلومة الطبية الحديثة، المجربة، من تغيير فهم ذلك الفرد للحياة، وهذا انقلاب سلوكي هائل أخذت صدمة الاستعمار المغاربة إليه. مثلما قدمت في مكان ما أيضا، الدرس على أن رسالة الطب هي رسالة إنسانية غايتها خدمة الإنسان أينما كان يدب فوق أديم الأرض، بالقليل المتوفر من الإمكانيات، لكن الراسخ الإرادة من خلال التضحية لإنجاز تلك الخدمة.

 

لنبدأ ببلدة بركان (لم تصبح مدينة سوى في نهاية الأربعينات)، التي شاء حظها أن يعين بها واحد من أهم أطباء فرنسا العسكريين، ذوي التجربة المهنية العالية، هو الدكتور هود، رفيق الدكتور كريستياني الشهير بفاس (الذي سبق وحكينا عن مكانته وأدواره وقيمته المهنية). كانت بركان في سنوات 1910/ 1920، بلدة صغيرة بتعداد سكاني لا يتجاوز 2500 نسمة (1200 مغربي مسلم ويهودي، و1300 أروبي وجزائري). وبسبب غلبة العنصر الأجنبي بها، منذ سنة 1911، بفضل اتساع النشاط الفلاحي بمحيطها القروي الممتد، الغني بموارده المائية من ملوية شرقا حتى رأس المرجة غربا، فقد أنشأ بها مركز طبي منذ سنة 1912، مقسم إلى جناحين صغيرين، واحد للمغاربة (مسلمين ويهود) والآخر للأجانب، وكل واحد منهما يضم 8 أسرة للعلاج، خصصت منها في الجناحين معا 3 أسرة في غرفة خاصة للولادات. ومما يؤكده تقرير صغير للدكتور هود، أن معدل الاستشارات الطبية قد انتقل سنويا من 5 آلاف إلى 17 ألف استشارة ما بين 1915 و 1930. وأنه في سنة واحدة، كمثال، هي سنة 1925 بلغ عدد الولادات بذلك المركز الصحي 17 مولودا مغربيا و 24 مولودا أجنبيا، فيما بلغ عدد الذين استفادوا من المتابعة الدقيقة داخله 238 مغربيا و60 أجنبيا، خضعوا لعمليات جراحية. ومما يذهب إليه ذلك التقرير أن خريطة الأمراض الخاصة ببركان ومحيطها شبيه تماما بمناطق وسط فرنسا الجنوبية القريبة من المتوسط. وأن الوباء الوحيد الذي سجل بها هو وباء الملاريا بسبب البرك المائية المتكونة على طول ست كلمترات من "راس المرجة" حتى نهر ملوية، وهي المجال الذي استهدفته عمليات معالجة من قبل مصالح حفظ الصحة العسكرية ببركان وقضت على كل البعوض فيه الذي اعتبر السبب الرئيسي في تفشي ذلك الوباء سنة 1921. مثلما سجل بها افتتاح مركز لرعاية الطفولة "قطرة حليب" سنة 1933، لعب دورا محوريا في ترسيخ أسباب الوقاية من الأمراض الخاصة بالأطفال، وكانت له أدوار حتى بالمحيط القروي لبركان، عبر برنامج زيارات دورية للقرى المتناثرة هنا وهناك، مما قلص من وفيات الرضع. حيث خلص الدكتور هود في تقريره الذي حرره سنة 1936، إلى القول "لقد انتصرت الحياة على الموت هنا، حيث يعيش 70 طفل من كل 100 طفل يولد. وهذا انتصار طبي كبير بالنسبة لنا".

 

في أقصى الجنوب، كانت مدينة فكيك من أول المدن بشرق المغرب التي أنشأ بها مركز صحي مدني منذ سنة 1914، يقدم خدماته لساكنة تبلغ 20 ألف نسمة بقصور المدينة (ضمنهم 200 مغربي يهودي)، و15 ألف نسمة من الرحل، نصفهم من الجزائر، القادمين من واحات توات وغورارة. فيما كان عدد الأجانب لا يتجاوز بها 50 أوروبيا. ومما يؤكد عليه الطبيب الرئيسي لذلك المركز الطبي الدكتور ألبير بونس (خريج كلية الطب بمونبولييه سنة 1910)، في تقرير حرره سنة 1935، هو الذي قضى هناك سنوات طويلة، فإن ميزة أهالي فكيك هي ارتفاع نسبة التعليم لديهم، واتساع علاقاتهم التجارية مع الشمال والشرق والجنوب، ما جعل الذهنية السلوكية هناك مختلفة تماما عن باقي مناطق المغرب. أو كما كتب يقول: "هي ذهنية أهل الحدود". مناخها صحي جدا، حيث إنه حار صيفا وبارد شتاء مع قليل من فصلي الخريف والربيع، وبها ثروات مائية دائمة الجريان، ما يجعلها أهم واحة تمتلك ما يزيد عن 200 ألف نخلة مثمرة. ومما يضيفه ذلك التقرير الطبي، أن الخدمات الطبية العسكرية كانت تقدم لساكنة المدينة ومناطقها المحيطة منذ 1904، قبل افتتاح مركزها الطبي سنة 1914، من قبل وحدات طبية عسكرية فرنسية متنقلة قادمة من الجزائر. مما سهل على ذلك الطبيب الرئيسي الدكتور بونس مهامه، كما كتب في تقريره، حيث لم يفاجئ بارتفاع عدد الاستشارات الطبية منذ سنة 1915، التي بلغت 9215 استشارة، وانتقلت سنة 1925 إلى 12120 استشارة، ثم إلى 58330 استشارة طبية سنة 1935. وإذا كانت ضعيفة نسب الأوبئة والأمراض المعدية بها عموما، بسبب الطقس ونظام الأكل وارتفاع منسوب النظافة (سجلت حالات من التيفويد سنة 1919 جرفت معها الطبيب الفرنسي أوكيي من الفرق الطبية المتنقلة)، فإن ذلك المركز قد قام بتقديم لقاحات عدة ضد تلك الأمراض والأوبئة، مكنت من فك العزلة على النساء اللواتي كن عادة لا يغادرن بيوتهن إلا نادرا وغير من ثقافة الصحة العامة عند الساكنة، خصوصا في ما يرتبط بأمراض النساء وأمراض الأطفال.

 

بني أيضا مركز صحي ببلدة غرسيف (التي ظلت دوما نقطة عبور بين تازة ووجدة)، ابتداء من سنة 1917، عند تقاطع نهر ملوية مع وادي ملولو، حيث بني مركز عسكري قار. كانت الساكنة لا تتجاوز 1500 نسمة حسب تقرير طبي للدكتور فيلليب بوشريل (خريج كلية الطب بمدينة ليل الفرنسية) الذي كان الطبيب الرئيسي بذلك المركز الطبي. وأن المجال الترابي الذي يغطيه يشمل أيضا الساكنة القروية المقدر عددها ب 32 ألف نسمة، تمتد إلى برغين بالمنطقة الجبلية على بعد 96 كلمترا من غرسيف، وصاكا على مشارف الريف، ومحيريجة (التي نصف ساكنتها من المغاربة اليهود). وأن المجال القبلي الشاسع الذي تشمله الرقابة الطبية لمركز غرسيف ضم قبائل بني بوياحي وقبائل بني واريان (الشرق). وكانت الأمراض الأكثر انتشارا تتمثل في الملاريا ومرض السل وأمراض العيون. وحسب تقرير الدكتور بوشريل، فإن خريطة الأمراض موزعة حسب الظروف المناخية لكل جهة منها، حيث الملاريا تظهر في التجمعات السكنية القريبة من الأودية والبحيرات الراكدة الصغيرة، بينما في السهل القاحل الممتد شرقا الذي تهب عليه رياح الغربي الباردة تسجل أمراض العيون وكذا أمراض السل. وبالأرقام، فإن مركز غرسيف كان يقدم في المعدل سنويا ما مجموعه 30 ألف استشارة طبية، فيما يقدم الفريق الطبي المتنقل عبر البوادي سنويا معدل 10 آلاف استشارة طبية.

 

في تقرير طبي آخر حرره الدكتور إدوار كوما (خريج كلية الطب بمدينة بوردو الفرنسية)، نقف على بعض من قصة دخول الطب إلى بلدة تاوريرت على وادي "زا"، التي تعتبر واحدة من أخصب مناطق الشرق الشمالي المغربي، المحاطة بمرتفعات "تالمست" و"نارغشوم" (1550 مترا عن سطح البحر) و "موسى وصلاح" (3100 مترا عن سطح البحر). لقد أنشأ بها مركز صحي سنة 1916، لمجموع ساكنة تصل إلى 30 ألف نسمة موزعة على مجال قروي شاسع، يشمل بلدة دبدو الصغيرة (نصف ساكنتها من المغاربة اليهود حينها) وبلدة العيون الشرقية. ومما يؤكد عليه ذلك التقرير بناء قاعات زيارة طبية أسبوعية ابتداء من سنة 1919 بكل من دبدو والعيون، كان الطبيب "كوما" يزورها أسبوعيا، حيث يباشر مهامه العلاجية تبعا للملفات والحالات التي يهيئها له ممرض مقيم ببلدة دبدو وممرض آخر مقيم ببلدة العيون. بل إنه سيؤكد بالحرف قائلا: "هنا في جهة تاوريرت، التغطية الصحية مجاليا شاملة وكلية". معتبرا أنها من المناطق الأولى بالجهة الشرقية التي تم فيها القضاء باكرا على مختلف الأوبئة (خاصة التفويد) والأمراض المعدية (خاصة السل) بفضل حجم التقليحات المنجزة ما بين 1917 و 1920، التي تجاوزت 87 ألف تلقيح شمل تلقيحات الجدري والتيفويد والسل والزهري. مثلما أجريت عدة عمليات جراحية بذلك المركز الطبي لتاوريرت، المجهز بالآليات التعقيمية اللازمة والمتوفر على آلة راديو إشعاعية، بلغت في سنة 1935، ما مجموعه 26 عملية جراحية، وأن 201 من المرضى قضوا أياما للإستشفاء والعلاج بغرف المركز الأربعة من ضمن 51 ألف استشارة طبية.

 

في تقريرين آخرين لكل من الدكتور دوفيرن (الطبيب الرئيسي للمركز الطبي مارتيمبراي – الكيس ببلاد بني يزناسن الشمالية على الحدود مع الجزائر)، والدكتور جون فريتز (الطبيب الرئيسي للمركز الطبي ببرغنت)، نجد ذات التفاصيل وذات الأرقام وذات النتائج العلاجية الهامة؛ التي كانت تغطي مجالات ترابية ممتدة تشمل السعيدية (التي بنيت بها باكرا محطة سياحية حديثة مجهزة منذ العشرينات)، وتشمل أيضا بلاد تندرارة وبوعرفة التي كانت بها أسواق أسبوعية، وكذا مناطق غفايت والتويلي ومريجة على الحدود الجزائرية، التي بلغتها الخدمة الطبية الحديثة منذ سنوات 1917 و1919.

 

(في الحلقة القادمة: مراكش وأول مستشفى عسكري في القصر الملكي "الدار البيضاء" بها سنة 1912)