الخميس 1 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

عبد الجليل لعميري: النقد والإبداع.. من أجل حوار ديموقراطي

عبد الجليل لعميري: النقد والإبداع.. من أجل حوار ديموقراطي عبد الجليل لعميري

"إذا كان حوار خال من اختلافات سيميوطيقية، فإنه لا مبرر لوجوده، وحين يكون الاختلاف مطلقا إلى حد أن المشاركين يلغون بعضهم البعض، فإن الحوار يصبح مستحيلا. اللاتناظر يجب أن يشمل درجة دنيا من الثبات" (لوتمان "سيمياء الكون"، ص.63، ط1، 2011).

 

أنطلق من هذه القولة لالتقاط أمرين مهمين في هذه العلاقة الشائكة بين الإبداع والنقد وهما :

ـ العلاقة بينهما هي حوار بالمعنى العام وكل حوار يبنى على اختلاف.

ـ الحوار يتناقض مع إلغاء أحد الطرفين للآخر.

فبين الإبداع والنقد علاقة لا تناظر، وهي بدرجة دنيا من الثبات، أي لا يمكن نفي الاختلاف بشرط أن لا يصل هذا الاختلاف إلى درجة الإلغاء أو الإقصاء لأنه يلغي أي حوار بين القطبين.

العلاقة بين الإبداع والنقد: ولادة معارك أدبية.

 

حكاية أم جندب والشعر:

(من أوائل الأخبار التي رويت عن النقد في العصر الجاهلي حكم أم جندب الطّائية بين امرئ القيس وعلقَمة بن عَبَدة.

فقد رُوي أنَّ امرأ القيس لما كان عند بني طَئ زوَّجوه منهم أم جندب وبقي عندهم ما شاء الله، وجَاءهُ يوما علقمة بن عبدة التَّميمي وهُو قاعدٌ في خيمته، وخلفهُ أم جندب فتذاكرَا الشعر...

ـ فقالَ امرؤ القيس: أنَا أشعرُ منك !!

ـ وقال علقمة: بل أنَا أشعر منك !!

فقال امرؤ القيس قصيدته (من بحر الطويل) والتي مطلعها:

خَليلَىَّ مُرَّا بِى عَلى أُمّ جُنْدَبِ / نُقضِّ لُبَانَاتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ

ثم قال علقمة من نفس القافية والروي قصيدته التي مطلعها:

ذَهبتَ منَ الهُجرانِ فِي غَيرِ مَذهَبٍ / وَلــم يـَكُ حــقّاً كـلّ هَـذا التَّجَنّب.

واستطردَ كلٌّ منهمَا في وصف ناقته وفرسه، فلما انتهيا تحاكما إليها فحكمت لعلقمة بالجودة والسبق .

فقال لها امرؤ القيس: بم فضلت شعره علي شعري؟

قالت: لأن فرس ابن عبدة أجود من فرسك !

قال: وبماذا ؟

قالت: إنك زجرت ، وضربت بسوطك .

وهي تعني قوله في وصف فرسه :

فـللــساق ألـهـوب وللـسوط درة / وللــزجر منــه وقـع أخرج مهذب

أما علقمة فقال :

فـأدركــهن ثـانيــا مــن عنانه / يمــر كـــمر الــرائح المتـحلب

ففرسه أجود من فرسك؛ لأنه قد أدرك الخيل ثانيا من عنانه من غير أن يضربه بسوط أو يحرك ساقيه !!

فقال امرؤ القيس: ما هو بأشعر مني، ولكنك له وامقة فطلقها فخلف عليها علقمة؛ فسمي بذلك الفحل1).

ـ تنظر القصة في: الموشح للمرزباني، ص/ص: 26، 27. طبعة السلفية 1385 هـ .

 

نلاحظ من خلال هذه الحكاية أن أم جندب بنت حكمها على معطيات بلاغية من خلال لغة النص وتصويره للفرس عند الشاعرين. ولكن امرئ القيس رفض رأيها واتهمها بأمر لا علاقة له بالشعر (ولكنك له وامقة). وقد ورد معنى لفظة (ومق) في معجم (الصّحّاح في اللغة) كالاتي:

ـ المِقَةُ: المحبَّةُ. وقد وَمِقَهُ يَمِقُهُ بالكسر فيهما، أي أحبَّه، فهو وامِقٌ.

فالشاعر اتهم زوجته باستعمال العاطفة والميل إلى شخص خصمه لا إلى شعره. فحول الخلاف بينه وبين خصمه إلى أمر شخصي (الكرامة /الفحولة)، فكان رد فعله قاسيا أو عنيفا (التطليق). وتعاطفا مع أم جندب التي فضلته عن زوجها شعريا سيقوم علقمة بالزواج منها فيفوز بالشعر والعاطفة معا.

 

فامرؤ القيس جانب الصواب لأنه رفض نقد زوجته واتهمها بما هو غير منظور (الميل لعلقمة ومحبته)، في حين أن الزوجة بررت رأيها بمعطيات ملموسة من داخل الشعر.

 

وعليه نستنتج أن الزوجة مارست الخلاف بشكل صائب، أو على الأقل أقرب إلى الصواب (لأننا لا نحاكم النوايا كما فعل زوجها). في حين أن امريء القيس جانب الصواب لأنه ادخل اعتبارات شخصية وذاتية (الحياة الزوجية) وخلط بين الزوجة والناقدة وقام برد فعل سلبي و انتقامي (الطلاق).

 

ـ حكاية طه حسين:

معظم المعارك الأدبية التي تكون مبنية أساسا على أحكام مطلقة أو تحركها أسباب شخصية ضيقة يكون مصيرها الصدام وينعدم فيها الحوار الحقيقي وتنتهي بهزيمة أحد الطرفين. لكن للتاريخ قراءته الخاصة ومكره الخاص.

 

فمعركة طه حسين مع خصومه حول الشعر الجاهلي انتهت بالنيل منه ومعاقبته إداريا والتضييق عليه سياسيا وتراجعه أدبيا وفكريا عن بعض أفكاره. صودر كتاب (في الشعر الجاهلي) وعوض بنسخة معدلة (في الأدب الجاهلي).

 

كانت المعركة قاسية جدا لأنها استعملت فيها وسائل غير علمية واختلط فيها الشخصي بالسياسي والايديولوجي. لكن طه حسين لم ينهزم سوى هزيمة صغيرة قوت شخصيته -التي كانت صدامية وكان لها ضحاياها الكثر- وعاد إلى الساحة السياسية والثقافية فأصبح عميدا للأدب العربي ووزيرا للمعارف (التعليم) ويعود له الفضل في ترسيخ قرار مجانية التعليم لعموم أبناء الشعب المصري. وكتاب (في الشعر الجاهلي) مازال يطبع في طبعته الأصلية ويقرأ ويناقش أكثر من الكتب أو المقالات التي هاجمته ومنعته.

فماذا استفاد الشعر العربي من ذلك؟

بلا شك أن معركة طه حسين المؤلمة قد فتحت باب النقاش الواسع حول قضايا الشعر العربي وساهمت في بلورة الكثير من أسئلته الجديدة، ولم تتوقف معارك طه حسين مع معاصريه في مجالات مختلفة.

وحتى بعد وفاته - رحمه الله- لم يتوقف عن إثارة المعارك....تلك هي المعارك التي تحقق الفارق.

 

ـ حكاية العقاد والشعر الحديث :

ومن أغرب المعارك موقف عباس محمود العقاد من الشعر الحر. إذ يحكى أن وفدا ثقافيا ضخما يمثل مصر شارك في ملتقى ثقافي كبير بسوريا أيام الوحدة بين القطرين. وكان رئيس الوفد المصري هو العقاد. وقد برمجت عدة أنشطة شارك فيها أعضاء الوفد المصري مع زملائهم السوريين وضيوف آخرين. ومن ضمن الأنشطة المبرمجة كانت قراءات شعرية. وهنا وقعت الواقعة التاريخية: اعترض العقاد بشدة على برمجة اسمين مصريين هما: أحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور(اللذان شاركا في الوفد بدعوة من يوسف السباعي). وحين تدخلت بعض الأطراف لتليين موقف العقاد رفض بقوة وهدد بالاستقالة من المجلس الأعلى للأداب. وهكذا حرم هذان الشاعران الشابان من قراءة قصيدة شعرية في مناسبة ثقافية كبيرة.

 

ـ ماذا نستنتج من هذا؟

بغض النظر عن الكواليس أو الخلفيات الخفية، وحسب الوقائع المتاحة لنا نلاحظ بأن السبب وراء رفض العقاد لحجازي وعبدالصبور هو اختلافه مع الشعر الحر وانتقاده له ورفضه. لكن العقاد وظف سلطته الإدارية وربما الثقافية للإضرار بالشاعرين الشابين. وهو أمر مؤسف وغير مبرر أخلاقيا و أدبيا. فالإقصاء هو أسلوب قاس جدا وعدواني. قابله سلوك عنيف من طرف حجازي خصوصا (هجاء العقاد بقصيدة عمودية ليظهر له أنه قادر على الكتابة بالطريقة التقليدية، وندم حجازي لاحقا عن ذلك). ولكن هل انتهت رحلة الشاعرين بسبب هذا؟

 

كم من مبدع سحقته عمليات الإقصاء والإلغاء؟ وكم من مبدع صمد في وجهها؟

 

نجح كل من حجازي وعبد الصبور في تخطي هذا الإقصاء القاسي وأصبحا من أعلام الشعر الحديث في مصر والعالم العربي. وأشرفا على أهم المجلات المصرية. وأنتجا تراكما شعريا ونقديا مهما. لكن صلاح عبد الصبور ستقتله قسوة المعارك المسمومة. حيث تعرض لحملة تشهير بسبب عمله الرسمي في دواليب حكم السادات، وفي جلسة خاصة مع بعض الأدباء والفنانين المقربين منه، بمناسبة عيد ميلاد طفلته، هاجمه أحدهم (يقال إنه فنان تشكيلي) ونقل له كل ما يقال ضده وتطور النقاش إلى شجار حاد أصيب على أثره عبد الصبور بأزمة قلبية نقل بعدها إلى المستشفى حيث توفي وهو في الطريق! من بين الحضور كان الشاعر أمل دنقل المبدع الذي قتله شعر المواقف والإهمال...

 

ما الذي استفاده قاتل عبدالصبور؟ هل كان من الضروري كل هذه القسوة؟

وهل ظل ذلك الفنان ملتزما بما قتل من أجله الشاعر أم أنه اندمج في اللعبة ونسي المقولات السالفة؟

 

ماذا نستنتج من هذا؟

نعم للمعارك الأدبية التي تطور المشهد الثقافي، لا للتناحر والتقاتل المبالغ فيهما.

 

ـ من أجل تأسيس حوار ثقافي جاد:

ـ من حق كل مبدع أن تكون له آراء نقدية ورؤية فنية لتجربته. ولا حق لاحد بان يصادر هذا المكسب الذي ترسخ عبر التجربة الإنسانية تاريخيا.

ـ من حق كل ناقد أن تكون له رؤيته النقدية التي تعتمد على رؤية منهجية معينة. ومفاهيم إجرائية.

ـ الناقد لا يكتب تحت الطلب والمبدع كذلك.

ـ الاختلاف أساسي بين الإبداع والنقد، ولكنه اختلاف يبني ولا يهدم، وان هدم فيكون ذلك من أجل البناء (إعطاء البديل).

ـ العمل الأدبي يحرس نفسه بنفسه ولا يحتاج للدفاع عنه مباشرة (العمل يعيش أكثر من صاحبه وبعيدا عنه). والإبداع الذي لا يدافع عن نفسه يضيع.

ـ الصراع الأدبي مثل لعبة الشطرنج علينا أن نحترم قواعدها لضمان الفائدة والمتعة.

ـ اللغة العدوانية أو المعادية أو العنيفة تهدد اي اختلاف بناء.

ـ على اللغة النقدية (عند المبدع والناقد معا) ان تكون موضوعية واصفة علمية مخففة من المشاعر القاسية.

للقول عدة طرق: (أنت فاشل) جملة لها حمولة قاسية حتى وإن كانت صحيحة. و(أنت تحتاج إلى مراجعة هذا الأمر) جملة فيها مرونة وبلا قسوة. فالرأي أو الحكم يقال بلغة مرنة فيها الكثير من النسبية والقليل من الإطلاقية مما يجعله مقبولا. على عكس إذا قيل بعنف فإن النفس تنفره وتعاديه وإن كان أقرب إلى الصواب.

 

هل معنى هذا أننا ندعو إلى مصالحة طوباوية؟ وإلى علاقات مبنية على المهادنة والتعايش المفتعل؟

أكيد أن علاقة الإبداع بالنقد هي علاقة المبدع بالناقد، أي علاقة الأنا بالآخر أو الغير وهي علاقة إشكالية بحثت فيها الفلسفة وعلم النفس والسوسيولوجيا... ومن الصعب اختزالها في أي وصفة من الوصفات. ولكن هذا لا يمنع من التفكير بجدية في آداب المعركة وقواعدها أكثر من المعركة نفسها. فالصراع قائم بين الطرفين وبين منتجيهما، والأهم هو تدبير هذا الصراع من أجل تطوير الابداع والنقد معا.

 

- عبد الجليل لعميري، ناقد