الخميس 1 أكتوبر 2020
فن وثقافة

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ أكبر مستشفى عسكري بمكناس -27 هكتارا و556 سريرا-، منذ سنة 1915 (ح. 18)

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ أكبر مستشفى عسكري بمكناس -27 هكتارا و556 سريرا-، منذ سنة 1915 (ح. 18) المستشفى العسكري بمكناس سنة 1915 الذي تشمل مساحته العامة 17 هكتارا (وفي الإطار لحسن العسبي)

ننتقل الآن إلى مدينة استثنائية في تاريخ المغرب، هي مدينة مكناس (ظلمها الاهتمام التاريخي كثيرا، بسبب جوارها مع فاس التي حجبت عنها تماما شمس ذلك الاهتمام). والحال أنها واحدة من المدن الإمبراطورية بالمغرب، شكلت عاصمة ملك على عهد السلطان العلوي مولاي اسماعيل لأكثر من 50 سنة، وهي مرحلة الحكم التي برزت فيها لأول مرة بالمغرب ملامح بنية تدبيرية جديدة للدولة، بجيش نظامي محترف في القرن 17، بتنظيم مالي وتجاري وفلاحي يتأسس على أولوية "حاجة السوق" لضمان الأمن الغذائي ومنع كل أسباب القلاقل والتوترات كلما كانت هناك فوضى في السوق لهذا السبب أو ذاك (العديد من الدراسات التاريخية الأجنبية الناتجة عن سفريات أوروبية إلى المغرب وعاصمته مكناس حينها، تؤكد أنه في عهد ذلك السلطان تحقق فعليا معنى ملموس شامل للأمن بالمغرب).

 

في الأدبيات الاستعمارية (في مقدمتها كتابات ومذكرات وخطب الماريشال ليوطي)، هناك دوما تركيز على الموقع الاستراتيجي لمكناس في مجال جغرافي ممتد بين الأطلس المتوسط وجبال الريف وسهل الغرب والعاصمة الرباط. فهي مجال محوري استراتيجي هام في ممرات العبور بين شمال المغرب وجنوبه، شرقه وغربه. لهذا السبب اختيرت باكرا كمجال جغرافي لبنية عسكرية مركزية من قبل المعمر الفرنسي، وأيضا مجالا لإنضاج صناعة فلاحية جد متقدمة ونوعية، بفضل ما تتوفر عليه من ثروات مائية كبيرة ودائمة الجريان على طول السنة بفضل واد بوفكران (الصناعات المرتبطة بغابات الزيتون، وكذا تلك المرتبطة بحقول الكروم والعنب الشاسعة بها). بالتالي ظلت مكناس رهانا استعماريا كبيرا ضمن الخطة الفرنسية لإعادة هيكلة المغرب أمنيا واقتصاديا ومؤسساتيا.

 

لهذا السبب نجد أنها من المدن المغربية الأولى التي أنشأت فيها مصالح طبية عسكرية ومدنية منذ 1911. وكانت البداية مع إنشاء المستشفى العسكري "لويس" في آخر سنة 1911، داخل القصر الملكي قبالة ساحة لهديم، قبل أن ينتقل إلى منطقة فلاحية ممتدة سنة 1915، حيث شيد مستشفى جديد على مساحة ضخمة تصل إلى 27 هكتارا، مما يجعله أكبر مستشفى عسكري ومدني بالمغرب حينها على الإطلاق. ضم حسب وثيقتين لكل من الطبيب العسكري الرائد آبادي والطبيب العسكري الدكتور سانغاي، منشورتان ضمن كتاب "حفظ الصحة والجراحة بالمغرب" سنة 1937، 556 سريرا (ضمنها 56 سريرا للمدنيين المغاربة المسلمين واليهود)، وأن معدل ما ظل يستقبله من مرضى للعلاج والتطبيب الجراحي سنويا أكثر من 5 آلاف مريض.

 

كانت هندسته المعمارية الجديدة، غاية في الإبداع، زاوجت بين المعمار التقليدي المغربي (القباب) وبين الشساعة المجالية للهندسة الهوسمانية الفرنسية والأوروبية (نسبة إلى المعماري الفرنسي الشهير هوسمان على عهد نابليون بونابارت الذي أعاد تنظيم المجال العمراني بباريس). مثلما أن هندسة الحدائق الشاسعة داخله، قد جعلت من الجانب النفسي واحدا من الوسائل الحاسمة للشفاء، حيث يقضي المريض فعليا فترة نقاهة في جو رائق جدا. فيما كانت أقسامه موزعة بشكل مستقل بين جناح الجراحة، جناح الطب العام، جناح الأمراض المعدية، جناح الطب المدني، جناح الأمراض الجنسية، جناح الولادة، جناح الصيدلية ومختبر التحليلات، جناح الأشعة والراديولوجي، جناح مختبر التحليلات البكتيرية والوبائية. تحت إشراف ثمانية أطباء مركزيين وطبيب صيدلي و18 ضابط من رتب عسكرية مختلفة للشؤون الإدارية والرعاية الطبية، 7 ممرضين أجانب، 6 ممرضين مغاربة، 6 ممرضات أجنبيات، 40 مساعدا مغربيا. ولقد لعب ذلك المستشفى دورا حاسما في مواجهة أوبئة فتاكة مثل الملاريا والجدري وأمراض معدية مثل السل والزهري، بنسب جد عالية، شكلت واحدة من أهم المعدلات الطبية في المغرب كله ابتداء من سنة 1918. مع الإشارة إلى أن إطلاق اسم "لويس" على المستشفى العسكري، كان فيه تكريم للطبيب العسكري الفرنسي الدكتور لويس (ملازم أول)، جرفه مرض التيفويد بالمدينة شهر أكتوبر من سنة 1911. وشمل مجال خدمات ذلك المستشفى الصحية كلا من مكناس وميدلت وخنيفرة وصولا حتى مدينة أرفود البعيدة بأكثر من 350 كلمترا عن مكناس (قسم اليوم هذا المستشفى الكبير، وأصبحت بنايته القديمة ذات القباب مستشفى مدنيا إسمه مولاي اسماعيل، وغير بعيد عنه أنشأ المستشفى العسكري مولاي اسماعيل، وفي باقي مساحته الشاسعة أنشأت ثكنات عسكرية).

 

بالتوازي تم إحداث مصلحة مستقلة للرقابة الطبية ضد الأمراض الجنسية، بالحي الجديد المخصص للدعارة الذي تم إحداثه بالمدينة سنة 1919 (حي المرس)، مما مكن من التغلب على تفشي الأمراض الجنسية بمكناس في سنتين فقط، بسبب الصرامة الكبيرة في مواجهة الانفلات الأمني الذي كان سائدا من قبل في مجال الدعارة. مع تسجيل معطى مهم، هو تواجد نواة كبيرة للدعارة الأجنبية بمكناس من خلال شبكة من "بنات الهوى" الأوروبيات اللواتي كان زبائنهن من كبار الضباط ومن عناصر الجيش بالمدينة، وهي الشبكة التي تم التعامل معها بشكل مستقل عن التعامل مع الشبكة المغربية. حيث تم تلقيح أكثر من 82 ألف مواطن مغربي وأجنبي ضد مرض الزهري في الفترة ما بين 1917 و1920. فيما قدمت علاجات طبية لأكثر من 1700 بائعة هوى بالمدينة مغربيات وأجنبيات في ذات الفترة الزمنية.

 

مثلما تم إنشاء المستشفى المدني للمغاربة المسلمين واليهود، ابتداء من سنة 1917 (أطلق عليه اسم مستشفى سيدي سعيد، لا يزال قائما إلى اليوم)، عند مدخل المدينة القديمة لمكناس، على مساحة كبيرة توازي 5 هكتارات، متضمنا لأجنحة طبية متعددة، من ضمنها أجنحة الأمراض الصدرية والسل، والأمراض الجنسية والزهري، والأمراض الباطنية، والجراحة، والراديولوجي. حيث كانت تجرى به، في المعدل سنويا إلى حدود سنة 1930، أكثر من 190 عملية جراحية، فيما يتجاوز معدل الاستشارات الطبية سنويا ما مجموعه 115 ألف استشارة. وهو المستشفى الجديد حينها الذي جاء ليعزز دور مركز طبي مدني صغير مخصص للمواطنين المغاربة المسلمين واليهود، أنشأ سنة 1913، هو المركز الصحي "بولان" بدار الباشا التي كانت السلطات الاستعمارية قد أخذتها منه بالقوة. ولقد أصبحت مهامه الطبية، بعد بناء المستشفى المدني، محصورة أكثر في طب العيون وفي تتبع حالات الإصابة بمرض الزهري، على مستوى تقديم الأدوية واللقاحات بالمجان، قبل أن يفتتح فيه قسم خاص بمعالجة مرض السل سنة 1918، تابع للعصبة المغربية لمحاربة داء السل حينها. ولقد أطلق عليه اسم  "بولان" تكريما للطبيب العسكري الفرنسي "بولان" الذي توفي بسبب إصابته بعدوى التيفويد في نونبر 1921.

 

من الأرقام التي تقدم الدليل على تقدم الخدمات الصحية الحديثة بمكناس، التي ازداد تعداد سكانها في عشر سنوات بالثلث، في المرحلة ما بين 1915 و1925، حيث بلغ تعداد سكانها 65 ألف نسمة، هو عدد العيادات الطبية الخاصة التي افتتحت بها ما بين 1913 و1925، الذي بلغ 14 عيادة طبية عامة وخاصة (أشهرها عيادات الأطباء فيدال، دولوك، غيغي، بولان، سانغي، غليلمي، باتو). بينما افتتحت بها 6 صيدليات (من ضمنها الصيدلية الحديثة للطبيب الصيدلي السيد غيران بشارع فاس، والصيدلية الجديدة لوالدته مدام غيران، وصيدلية الدكتور شوميناد بزنقة الجمهورية بوسط المدينة الجديدة). وافتتحت بها 6 عيادات لطب الأسنان (من ضمنها عيادات  آلير بساحة السوق، آرغو بزنقة الجمهورية، مدام كانتالو بشارع مزرك، مارثي بزنقة فيرساي).

 

من المناطق القروية الجبلية التي افتتحت بها نقط طبية حديثة منذ العشرينات، منطقة آزرو، التي كانت صعبة التضاريس (خاصة في فصل الشتاء)، حيث يستعرض تقرير طبي منجز سنة 1936، من قبل الطبيب العسكري الفرنسي الدكتور آندريو، الذي سيعين طبيبا رئيسيا ببلدة آزرو حينها، منذ 1925، الظروف القاسية التي كانت تقدم من خلالها الخدمات الصحية بالجهة الجبلية تلك والمترامية الأطراف، خاصة عند تراكم الثلوج التي يؤكد أنها تصل إلى أكثر من مترين من العلو، وتبقى مجللة تلك الأعالي لثلاثة أشهر كاملة. ورغم ذلك فإنه قد تم إحصائيا تقديم خدمات طبية بلغ عددها 22 ألف استشارة طبية، و تم أيضا تقديم 4 آلاف تلقيح من دواء الكينوديل و9565 تلقيحا ضد مرض الزهري، ضمن ساكنة ممتدة قرويا تقدر ب 35 ألف نسمة.

 

كانت المصالح الصحية القارة تلك تضم مركزا طبيا ببلدة أزرو، به طبيب رئيسي، ومستوصفات دائمة بكل من عين اللوح، الحمام، مريرت. وكانت كلها تضم ممرضين قارين، يقدمون الإسعافات الأولية ويتتبعون دواء الحالات التي يكون الطبيب الرئيسي لآزرو قد عالجها في زياراته الأسبوعية. مع وحدة طبية متنقلة كانت تجوب مناطق إيتزر (في اتجاه ميدلت)، حيث يسجل تفشي كبير لمرض الزهري ومرض الجدري بمناطق بومية، آغبالو، سردان، التي كانت تنظم بها زيارات طبية أسبوعية متوازية مع أيام أسواقها الأسبوعية.

 

بينما في الاتجاه الشمالي للإقليم (جنوب فاس بحوالي 27 كلمترا) كان تمة مركز طبي عسكري هام بمدينة صفرو، أنشأ سنة 1911، لفائدة ساكنة تتكون من 7 آلاف مغربي مسلم و 4 آلاف مغربي يهودي و350 أجنبيا أوروبيا. ولقد بقي تابعا للطب العسكري الفرنسي حتى سنة 1925، حيث تم إلحاقه بمصالح "الصحة العمومية المدنية بالمغرب". ولقد ظل يقدم خدماته الطبية في المعدل ل 6 آلاف مريض سنويا، كما يؤكد ذلك تقرير طبي للدكتور غابرييل بالافير (الطبيب الرئيسي لصفرو سنة 1922). وكانت تجرى به بضع عمليات جراحية، خاصة في حالات الكسور أو جروح حوادث الشغل،  بفضل توفره على راديو إشعاعي حديث وجديد منذ سنة 1918. ولعب دورا محوريا في عمليات التلقيح ضد الأوبئة الفتاكة خاصة الجدري والتيفويد، ومعالجة الملاريا، وأمراض الجلد والزهري، حيث بلغ عدد التلقيحات المقدمة من خلاله أكثر من 137 ألف تلقيح، في المرحلة ما بين 1911 و1925.

 

(في الحلقة القادمة: تازة وأول مستشفى عسكري بها سنة 1914، وثاني طبيب مغربي بها الدكتور عبد المالك فراج سنة 1935)