الاثنين 13 يوليو 2020
كتاب الرأي

لحسن زهور: هل آن الأوان لرجوع البيجيدي إلى هويته وتدينه المغربي؟

لحسن زهور: هل آن الأوان لرجوع البيجيدي إلى هويته وتدينه المغربي؟ لحسن زهور

هل آن الأوان للجيل القديم من إسلاميي العدالة والتنمية التنحي عن الحياة السياسية والإيديولوجية وترك المجال لفئة الصف الثاني من القيادة الشابة الاصلاحية لقيادة المرحلة؟

هل الفضائح الأخلاقية والقيمية والمالية التي تلطخ بها الجيل المؤسس تساعد على هذا التغيير؟

هل الفكر الإخواني الذي نشأ فيه وتأثر به هذا الجيل المؤسس سيرتد إلى منبعه الشرقي تاركا الفرصة للفكر الإسلامي المغربي ليتبوأ مكانته في الايديولوجيا الإسلامية لحزب العدالة والتنمية؟؟

 

أسئلة سنحاول الاقتراب منها من خلال بعض المظاهر التي يعرفها المجتمع المغربي، والمتعلقة بهذا الحزب الإسلامي الذي غرق في الفضائح وانكشف زيف طهرانيته الايديولوجية التي تدثر بها، خصوصا وأنه ركز خطابه السياسي الانتخابي على القيم الطهرانية والدينية التي جعل منها محور خطابه الايديولوجي والذي رأت فيه بعض الفئات المتضررة الشعبية منها والمتعلمة وسيلة لتحقيق مجتمعها المثالي الذي تحلم به، مع أن القيم لا تصنع المثالية إذا لم ترتكز على ركائز المجتمعات الحديثة؛ وهي الديموقراطية بما فيها من حريات شخصية وفردية وسياسية وفكرية ودينية...

 

فمع توالي الفضائح بدأت بعض الأصوات من قيادات الجيل الثاني لهذا الحزب تطل علينا بفيديوهات تتبنى فيها القيم الديموقراطية التي يسميها التيار الاسلامي بـ "القيم العلمانية". وهنا لا بد أن ننوه بهذا التحول الذي تدعو إليه بعض هذه القيادات مثل النائبة البرلمانية السيدة ماء العينين في فيديوهاتها الأخيرة المتعلقة بالحريات الشخصية، والتي تدخل ضمن المراجعة الايديولوجية والفكرية التي وصلت اليها هذه القيادية بعد تجارب مرة علمتها قيمة ما تدعو إليه اليوم.

 

لكن هل تستطيع هذه المراجعات الايديولوجية التأثير على الجيل الثاني من القياديين؟ وهل سيتركها جيل القيادة القديمة أن تصدع بهذه المراجعة وسط الحزب؟ ونحن نعرف الصراع بين هؤلاء الزعماء الذين أطاحوا بزعيمهم الانتخابي السيد بن كيران لأنه استنفذ مرحلته التاريخية أي مرحلة تثبيت الحزب في السلطة، لأن الحفاظ على المكتسبات تتطلب الإطاحة بالسيد بن كيران الذي استنفذ مهمته. والآن تطل علينا المرحلة الثالثة للحزب والتي تظهر بعض ملامحها الآن بضرورة التضحية ببعض القيادات القديمة التي استنفذت بدورها مهمتها بسقوطها في الفضائح المدوية، مما يتطلب بروز القيادات الشابة في الحزب ذات التوجه الإصلاحي الفكري التي يمكن لها أن ترجع الحزب إلى هويته المغربية وأن تمد الجسور نحو التيارات الديموقراطية والمدنية التي كانوا يسمونها سابقا بالعلمانية؟

 

الأفكار الجديدة للقيادية ماء العينين توحي بهذه المرحلة الثالثة، وهي تنبئ بمراجعة فكرية متقدمة تظهر تجلياتها في إحدى فيديوهاتها الأخيرة التي قالت فيه بالحرف: "أنا مقتنعة بأنه يجب الفصل المنهجي والقطعي ما بين المجال الخاص الشخصي وبين المجال العام... الدين علاقة بين العبد وربه، لم أومن قط بأن الدين اكراه، فالدين إذا لم يكن قناعة واختيار فلا يساوي شيئا" و"هل العلاقة الجنسية الرضائية خلال أم حرام؟ أنا لا أدخل في هذه الأشياء" و"القانون الجنائى المغربي يعتدي على الحياة الخاصة للناس يفرض عليهم أشياء بالإكراه".

 

من يستمع إلى هذه الفيديو، وهو لا يعرف السيدة البرلمانية، سيظن أن المتحدثة مثقفة ديمقراطية من التيار العلماني بمفهومه الإسلاموي الذي يرى في كل من يدعو الى قيم الديموقراطية بما فيها الحريات الفردية بأنه علماني.

 

لنبدأ بما قالته القيادية الشابة في العدالة والتنمية بأن: "الدين علاقة بين العبد وربه، لم أومن قط بأن الدين إكراه، والدين إذا لم يكن عن اقتناع واختيار فلا يساوي شيئا". هذه الفكرة هي نفس ما يدعو إليه التيار المدني المغربي بكل مختلف اجنحته والذي يدعو إلى القيم الكونية انطلاقا من القيم المغربية الأصيلة التي لها الصبغة الكونية، وفي نفس الوقت الرجوع الى التدين المغربي المتمدن الذي يفصل بين دور الفقيه ودور "امغار" أو "مجلس إنفلاس"، أي بعبارة معاصرة الفصل بين الدين والسياسة أي الدولة. فالدين هو حمولة من القيم الانسانية لا يساوي شيئا إذا لم يتم توظيفه لمصلحة الإنسان كإنسان، والدين ليس وسيلة للوصول الى السلطة أو فرض الهيمنة السياسية والفكرية كما تصبو اليه التيارات الإسلامية، بقدر ما هو قرار شخصي يهم علاقة الفرد بخالقه لتحسين سلوكه مثله مثل المبادئ الاخرى التي يومن بها الفرد والتي تساعده على الرقي بإنسانيته وبمجتمعه، وإلا أصبحت هذه المبادئ وسيلة للعرقلة. ولنا الأمثلة الآن في القيادة التاريخية لحزب العدالة والتنمية التي اعتمدت على الدين وسقطت في ما يتناقض مع القيم الإنسانية التي يحملها الدين، لأنها تستغل الدين للوصول الى الحكم، والأمثلة عشناها ونعيشها وسنعيشها ما دام الدين يستغل في السياسة.

 

إن تصرح القيادية الشابة المنتمية للتيار الإسلامي السياسي بأن "القانون الجنائي المغربي يعتدي على الحياة الخاصة للناس، ويفرض عليهم أشياء بالإكراه"، هو بمثابة تغيير كبير في فكرها وفي ايديولوجيتها الفكرية التي يتبناها التيار المدني الذي يتهمه الإسلاميون بشتى النعوت الدينية.

 

فهل وصلت القيادية الشابة إلى هذه الخلاصة الطبيعية من خلال تجربتها؟ أو من خلال ما وصل إليه المجتمع المغربي من انغلاق نتيجة هيمنة الايديولوجية الإسلاموية الوافدة على البلد؟ ونتج عنها هذا ما نراه من كثرة النفاق الاجتماعي وانشطار الشخصية المغربية الى شطرين: متدينة شكلا وجهارا ومتحررة سرا تفعل عكس ما تجهر به؟

 

فهل تغيرت فكر القيادية من خلال ما آلت إليه أوضاع الإسلاميين من انزلاقات وفضائح أخلاقية لا تقتصر على حزبها فقط، بل امتدت إلى التيارات الإسلامية الأخرى الراديكالية منها والسلفية؟

 

فهل ستنتشر هذه المراجعة الفكرية والإيديولوجية لدى القيادة الجديدة من الشباب، في حزب العدالة والتنمية للرجوع إلى تدينهم المغربي الذي يقبل الاختلافات، والذي يرى الأمور برؤى نسبية كما يراها التيار المدني؟

وهل لهذه الاصوات الشابة من القيادات الجديدة الشجاعة بأن تصدع بما تومن به لإنقاذ حزبها من التبعية للشرق ومن الانزلاقات التي يعيشها حاليا، والعمل مع التيار المدني من أجل مصلحة هذا البلد؟

 

لكن إلى الآن ما زالت الغوغائية الايديولوجية هي السائدة، فزعيم تيار الشبيبة (وما أدراك ما الشبيبة في حماسها الايديولوجي) في الحزب كشف استوزاره مؤخرا ما كان يخفيه من تناقض بين القيم والممارسة.

لكن ما زال الأمل معقودا على بعض القيادات الشابة مثل السيدة ماء العينين وغيرها من بعض مثقفي الحزب المتنورين رغم قلتهم لإرجاع الحزب إلى هويته المغربية بما فيه تدينه المغربي الذي يحاسب الفرد على أعماله وليس على مقدار تدينه بمقدار شساعة نيشان جبهته.

 

- الحسن زهور، كاتب ومحلل