الثلاثاء 14 يوليو 2020
كتاب الرأي

مصطفى بنرهو: ضرورة إبداع قرى بيداغوجية  كبديل للمخيمات الصيفية

مصطفى بنرهو: ضرورة إبداع قرى بيداغوجية  كبديل للمخيمات الصيفية مصطفى بنرهو

في سياق الجدل القائم بشان قرار الغاء مخيمات الاطفال لصيف 2020 بسبب التوجيهات الصحية الصارمة، وما تلاها من تدابير واجراءات  احترازية من طرف الحكومة لمواجهة جائحة كوفيد 19؛ فتح المجتمع المدني المهتم بقضايا الطفولة نقاشات واسعة مع فعاليات تربوية وفكرية، توزعت بين مؤيد ومعارض لهذا القرار، مع إجماع تام أن الظرفية تتطلب المساهمة في المجهود الوطني لحماية المجتمع من هذه الجائحة والالتزام بالقواعد الصحية والتفكير في اقتراح بدائل ممكنة لتأطير وتدبير زمن العطلة تماشيا مع متطلبات السياق العام الذي تعيشه بلادنا، واستجابة للطلب الاني والملح الذي ينشد الاعتناء والاهتمام بالطفولة خلال العطلة الصيفية، والدعوة إلى تعبئة كل الفعاليات الحكومية والمدنية والمنتخبة والقطاع الخاص من أجل العمل على بلورة مخطط عمل يخفف عن الأطفال فترة الحجر الصحي، ويمنح مساحات للتنشيط عن قرب، باستحضار كل الجهود الفكرية من اجل صياغة أجوبة تساهم في طرح بدائل آنية وواقعية.

 

إلا أن طرق المعالجة، فضلت الحلول الفورية لتساهم بذلك في معاودة إنتاج الصعوبات وتزايدها، لأنها لا تنصب على الأسباب الفعلية ولا تعتمد في نهاية المطاف على الاجوبة الآنية. بل اختارت الغوص في مقترحات طويلة المدى.. والحال أن مرحلة تشخيص وتحديد اختلالات المخيمات قد تمت بشكل يسمح بوضع الأصبع بسهولة على ما يجب أن يتخذ من تدابير وسياسات تطرح الحلول والبدائل الممكنة ويمكن الرجوع إلى رصيد التراكم الهائل من المقترحات والتوصيات والمطالب التي أفرزتها الوقفات التأملية التي عرفها قطاع التخييم منذ 1963 تاريخ انعقاد المناظرة الوطنية الأولى المتعلقة بهذا القطاع، وما واكبها من مناظرات أخرى سنوات 1973 و1978 و1982 وآخرها المناظرة الخامسة سنة 1987، وبعدها المنتدى الوطني للتخييم في دجنبر 2008 الذي رسم استراتيجية التخييم في أفق 2020 بناء على نقاش عمومي مع كل الشركاء والمتدخلين عبر التراب الوطني حيث تم تنظيم 61 منتدى إقليميا و3 لقاءات للحوار والتشاور مع القطاعات العمومية والخاصة والشخصيات المرجعية والمنظمات والجمعيات التربوية، حيث بلغ عدد المشاركين في هذه النقاشات 4387 مشاركا ومشاركة.

 

وللتذكير فإن رؤية الاستراتيجية ارتكزت على خمسة محاور أساسية:

1- تأهيل وتوسيع البنيات التحتية

2- مراجعة وتطوير المضامين التربوية والمناهج البيداغوجية

3- تكوين الأطر

4- التمويل والشراكة

5- تحديث الحكامة.

 

أعتقد أن الخوض في هذا النقاش بالرغم من أهميته، ليس له متسع من الوقت، لأن الظرفية غير ملائمة للتقييم وأخذ القرار الصائب لتجاوز هذا الركود الذي يجثم على استراتيجيات الوزارة ليس فقط في مجال المخيمات، بل أيضا السياسة المندمجة للشباب .

 

لذا فالمطلوب اليوم وباستعجال البحث عن بدائل آنية لا تقبل التأجيل أو الإحالات على زمن آخر، فهذا مجال يحتاج إلى كثير من الدراسة والتحليل والتقييم وإطارات تنسيقية للترافع من أجل سياسة واضحة في مجال الطفولة والشباب. وإلى ذلك الحين يمكن البحث في ظل هذه الظرفية في بناء قواعد جديدة للعلاقة بين الأطفال والأماكن العامة من أجل توفير بديل عن أنشطة المخيمات خلال الصيف من خلال تطوير العلاقة بين وزارة الثقافة والشباب ومنظمات المجتمع المدني.. هذه الأخيرة يمكنها لعب دورا هاما في الوساطة التربوية خلال عطلة الأطفال والتغلب على التحديات وتجاوز الأدوار النمطية التي تقيدها بمحطات زمنية اعتيادية تحكمها برامج سنوية. والحال يجب إعادة تملك السياسات للفضاءات العامة وترتيبها وجعلها مشتركة بين الأطفال. فلا يكفي أن نعيد اجترار ولوك كلام في مرحلة لا تقبل الدوران حول افكار لم تعد تجيب على متطلبات الراهنية، بل يجب ربط النوايا بالعمل والمواقف الاخلاقية: هل يمكننا الذهاب أبعد في إمكانية اطلاق  مبادرة وطنية  لتنشيط الفضاءات العامة الخاصة بالأطفال يتم إحداثها وتدبيرها بمقتضى حضور الدولة كجهاز حكومي يقود السياسة العمومية في مجال الطفولة في إطار مسافة تحدد المسؤوليات بين قطاع يقدم الدعم والفضاءات ومجتمع مدني يقوم بتنظيم وتنشيط هذه الفضاءات، علما أن المقاربة التشاركية يجب أن تظل قائمة في بناء التصورات والاتفاق على الالتزامات واحترام الاتفاقيات التي بموجبها تتم التعاقدات بين الطرفين الدولة والجمعيات.

 

الفضاء العام دعامة للتنشيط السوسيو تربوي خلال العطلة

إن إعادة تنظيم وتأهيل الفضاءات العامة وتعزيز جاذبيتها ودعم انشطة القرب وإعادة هيكلتها وتصميمها لتصبح قابلة للترحيب بالأطفال، سيساهم في تنشيط الحياة الاجتماعية للأطفال إذا تبنت مشروعا تربويا مقنعا بعروضه، وأصبح الفضاء العمومي قضية السياسة الموجه للطفولة مع تحديد مسؤولية تنشيط الأطفال خلال الوقت الحر كمساحة للتنشئة الاجتماعية زمنا خارج البيت مفيدا ومساعدا في تكوين شخصية الأطفال.

 

إن المراهنة على التنشيط السوسيو تربوي في الفضاءات العامة المخصصة للأطفال في إطار هذه المبادرة له وظائف تربوية وثقافية وترويحية، تتيح للأطفال إشباع احتياجاتهم النفسية والجسدية والفكرية وتساهم في تنشئتهم على قيم وسلوكات تربوية  طبعا إذا ما تم التأكيد على العناية بالأداء التربوي وتطويره من حيث المضامين والبرامج والأنشطة مع توفير الظروف المؤدية لتحقيق استفادة تربوية للأطفال سيخلق فرص لتنشيط الأطفال خلال العطلة؛ وخلق الصلة بين مختلف المؤسسات ذات العلاقة بمساعدة الأطفال من أجل تمكينهم في المدن والقرى من أنشطة هذه الفضاءات، قصد تعويض الفوارق المتباينة في الوصول إلى الترفيه والتنشيط.

 

منهجية وعمليات المبادرة الوطنية  للتنشيط عن قرب

انطلاقا من الرهانات التربوية والثقافية الجديدة التي تفرض إتاحة الوسائل والفرص اللازمة للأطفال، لمساعدتهم على الخروج من هذه الظرفية ودفعهم إلى الفعل الايجابي والمنتج داخل المجتمع، تبدو الحاجة ملحة لإعطاء انطلاقة مبادرة وطنية تشاركيه تتأسس على قيم التطوع والمساهمة الإيجابية لقطاع الثقافة والشباب في تعزيز العمل التطوعي في أوساط الجمعيات عن طريق تعبئتهم على الانخراط والمشاركة في الدينامية تنشيطية وتربوية عبر تنظيم أنشطة متنوعة ومحددة وفق خارطة محلية متضمنة للكفاءات والفعاليات المتطوعة، وتشكل هذه المبادرة الوطنية حجر الزاوية في تحديد اختيار مشروع التنشـيط السوسـيوتربوي والترفيهي للأحياء خصوص ذات الهشاشة، والذي يهدف إلى تقـديـم عرض معرفـي وتربوي وثقافي ورياضي وترفيهي يساهم  في تعزيز سياسة القرب الاجتماعي، بمنظور جديد وخطة عمل استراتيجية تجعل من فضاءات القرب مساحة تربوية قائمة الذات منفتحة على المبادرات المحلية طيلة عطلة الصيف تشتغل على تنشيط الأطفال، تستثمر في الابتكار والاجتهاد في استقاء البرامج والأنشطة وطريقة تقديمها وتحبيبها للأطفال بما يثير فيه الرغبة والانخراط، بنهج أسلوب الاحترافية والنوعية في الأداء والتحكم في المناهج والتقنيات المسهلة لبلوغ الأهداف.

 

فضاءات التنشيط العمومية (القرى البيداغوجية)

يتم تحديد مختلف التدخلات المتعلقة بإعداد الفضاءات المبرمجة في إطار هذه المبادرة من حيث إصلاحها وترميمها وصيانتها وتزينها، إضافة إلى توفير التجهيزات والمعدات اللازمة. مع التأكيد على أن تكون هذه الفضاءات بمساحة محددة على شكل "قرية للأطفال" محاطة بشروط السلامة، تحتوي على التجهيزات ووسائل التنشيط ومسرح في الهواء الطلق يتسع لخمسين طفلا. مصمم بطريقة تحترم  التباعد بين الاطفال، مع هندسة فضاء التنشيط  وفق علامات تسهل التموقع الصحي الصحيح، سواء على مستوى أماكن اللعب أو الألعاب التي يجب أن تكون ملائمة  لشروط السلامة. ويمكن ان تشتغل هذه الفضاءات بنظام التناوب وفق برنامج معلن عنه في إطار التنسيق بين اللجن المشرفة حتى يتم إتاحة فرصة المشاركة لأكبر عدد من الأطفال، كما يجب ضبط وتحديد مختلف الجوانب التنظيمية والتدبيرية، وشروط الاستفادة من هذه الفضاءات وتوفير "نظام السلامة" بضبط سيرورة العملية التنشيطة، من خلال التزام كل أطراف بمقتضيات الفضاء بتنسيق الخطوات وتكثيف التعاون في إطار مسؤولية جماعية مع كافة القطاعات المتدخلة.

 

إن الإعداد الجيد لأي عمل من الأعمال، يعتمد التخطيط القبلي المحكم والمعقلن، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمبادرة وطنية من هذا النوع، برؤية منفتحة على كل الاحتياجات والتوقعات معززة بالدراسات ومعرفة جيدة للواقع، وتأخذ بعين الاعتبار انتظارات الأطفال. كما تقتضي من الجمعيات خلق فرص جديدة ومتنوعة تسهم في زيادة عدد فرص المشاركة المقدمة للأطفال في التنشيط التربوي وخلق مساحة لظهور واقع اجتماعي أكثر عدلا وشمولا وأكثر إنصافا تجاوزا لهذه الظرفية الصعبة.