الاثنين 13 يوليو 2020
فن وثقافة

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ د. عبد الله منصوري أول طبيب مغربي بفاس متخصص في الأمراض الصدرية سنة 1923 (ح. 17)

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ د. عبد الله منصوري أول طبيب مغربي بفاس متخصص في الأمراض الصدرية سنة 1923 (ح. 17) من اليمين: الدكتور منصوري أول طبيب مغربي متخرج من كلية الطب بليون - ذ. منصوري يزاول مهامه بمستشفى الأمراض الصدرية بفاس سنة 1926 - لحسن العسبي

من المعلومات الهامة التي اكتشفناها ضمن صفحات كتاب "حفظ الصحة، الطب والجراحة بالمغرب"، الصادر بالدار البيضاء، سنة 1937، عن مصلحة الصحة العمومية بالرباط التابعة للإقامة العامة الفرنسية، أثناء بحثنا عن تطورات ميلاد الطب الحديث بمدينة فاس وجهتها، معلومة تواجد طبيب مغربي ضمن الفرق الطبية العاملة بها منذ أواسط العشرينات من القرن الماضي. وهو اكتشاف مبهر وكبير حقا، يجعلنا نكاد نجزم (في حدود ما وصلنا إليه من معلومات)، أنه أول طبيب مغربي متخرج من إحدى أرقى كليات الطب بفرنسا وأروبا، وأنه اختار العمل بالمغرب منذ 1924، وبمدينته فاس.

 

رغم بحثنا المضني كي نعثر على بيبلوغرافيا خاصة بذلك الطبيب المغربي، لم نهتد للأسف إلى مصادر تساعد في إماطة اللثام على قصة حياته وجميل مغامرته لدراسة الطب خارج المغرب منذ أكثر من 100 سنة. وقصته تلك تغري فعلا بالبحث والتنقيب والكتابة، من باب التوثيق التاريخي أولا، ومن باب الإنصاف للرجل ثانيا، ولمغامرته الجميلة كشاب مغربي في بداية القرن 20، ركب التحدي وحاز شهادة الدكتوراه في الطب، تعتبر الأولى من نوعها في المغرب على الإطلاق. وأتمنى أن تتاح الفرصة لي لاحقا، بحول الله (أو لغيري)، لإنجاز هذا البحث الهام حول الرجل.

 

الأمر يتعلق بالدكتور عبد الله منصوري، خريج كلية الطب بمدينة ليون الفرنسية سنة 1923، والذي عين المسؤول الأول عن أول مستوصف لمعالجة داء السل بفاس، الذي افتتح عمليا سنة 1921. بل إننا سنعثر على وثيقة طبية صغيرة بخط يده يقدم فيها وجهة نظره حول الدور الذي كان يلعبه ذلك المركز الطبي من أدوار هامة في محاربة ذلك الداء الفتاك. ومن باب التقدير له ولمكانته، أترجم نص تقريره كاملا هنا، حيث كتب يقول سنة 1936:

"إن المركز الطبي لمعالجة مرض السل (التابع للصليب الأحمر الفرنسي)، قد أنشأ بفضل مجهود السيدة ليوطي (زوجة المقيم العام الفرنسي)، ودشن من قبلها بحضور الصدر الأعظم للدولة المغربية ممثلا لجلالة السلطان في شهر فبراير 1921.

لقد أنشئ هذا المركز، ضمن سياق الدعاية الإيجابية للدور الفرنسي بالمغرب، وأيضا الوقاية من تفشي المرض (بفاس ومحيطها). وتبرز أهمية هذه المؤسسة من اعتبار حجم كثافة سكان فاس المغاربة، الذين يقدرون لوحدهم بـ 150 ألف نسمة. ولم تبخل عليه السيدة ليوطي أبدا بالاهتمام، من خلال حجم ما ظلت تزوده به من آليات عمل وأجهزة راديو إشعاعية، وأجهزة تنقية الشعاب الصدرية، وأجهزة راديو فوق البنفسجية... إلخ. ولقد أبانت لجنة رعاية المركز ، المشكلة من العقيد فيبير وزوجته والدكتور كوستر، والسيدة كايو (زوجة الجنرال كايو)، وباقي أعضاء لجنة الصليب الأحمر الفرنسي، عن حماستهم الدائمة لدعم ما ينجز به من مهام طبية، مسنودة بدعم لجنة بيع الطوابع من خلال السيد بوللو من قطاع المعادن والسيد فولكوك.

ولقد تلقى دوما دعم رؤساء المصالح البلدية وكذا العصبة المغربية لمحاربة داء السل الممثلة في شخص الدكتور لابان والدكتور بونجون، ومصالح الصحة العمومية ممثلة في شخص الدكتور غو والدكتور مازيل. الذين لم يبخلوا علينا أبدا بجميل المساعدات الفعالة (طبيا)". (انتهى كلام الدكتور منصوري).

 

إحصائيا، تؤكد وثائق حفظ الصحة بفاس، أنه خلال المرحلة ما بين 1923 و1936، التاريخ الذي عمل فيه الدكتور منصوري بذلك المركز، تم تقديم الرعاية الطبية لأكثر من 121 ألف مريض مغربي بداء السل من فاس وتازة وصفرو والمناطق القروية المحيطة بها. علما أن ذلك المركز الطبي كان تابعا إداريا لمستشفى كوكار. وأنه ساهم في تقليص نسب الإصابة بذلك الداء الفتاك حينها بنسب تراوحت ما بين 45 و 65 بالمئة، بفضل الوعي الطبي والصحي الوقائي الذي ساهم في ترسيخه بين المواطنين المغاربة حول السبل الناجعة للوقاية منه.

 

من المراكز الطبية الجديدة الأخرى (والمستقلة) التي تم إحداثها بفاس، مركز معالجة ومحاربة مرض الزهري والأمراض الجنسية والجلدية. الذي كان عبارة عن بناية مغربية عتيقة بقلب مدينة فاس البالي، تابع لمستشفى كوكار، لكن خدماته الطبية كانت تمتد إلى خارج فاس وصولا حتى مدينة تازة في الشمال الشرقي ومكناس وزرهون في الغرب. ولقد توالى على إدارته كل من الأطباء العسكريين ديكروب ولاكابير ولوي سال، في السنوات ما بين 1915 و1936. ومما تؤكده وثيقة للدكتور لوي سال، مؤرخة في سنة 1936، فإن نسب التعافي من الإصابة بمرض الزهري بمختلف درجاته الثلاث، قد تطورت كثيرا في الفترة ما بين 1917 و1930، خاصة داخل مدينة فاس، بنسبة تجاوزت 65 بالمئة. لكن الأمر ليس بذات الحجم في المناطق البدوية، التي كان يشرف عليها أكثر مستشفى كوكار، حيث تؤكد أرقامه الرسمية أن نسبة العدوى بقيت مرتفعة جدا بين الرجال البدويين ما فوق 30 سنة، بنسب تتراوح بين 65 و75 بالمئة، استنادا على تحليلات طبية شملت عيناتها سنويا ألف رجل (حسب تقرير مفصل للدكتور كريستياني).

 

كانت النتيجة، هي إقرار إلزامية الرقابة الصحية على نقط الدعارة بفاس، وحمل كل ممارسات الدعارة بها على زيارة ذلك المستوصف الخاص بمحاربة داء الزهري دوريا من أجل تتبع حالتهن الصحية ووضع جدادات مدققة لهن، يسمح من خلالها بتتبع تطور المرض وحجم الإصابات، وبالتالي وضع الخطط لمواجهته عبر حملات للتلقيح وبروتوكول أدوية مناسب وإلزامي. فكانت النتيجة تراجع كبير على مستوى الإصابات داخل فاس، مع تسجيل معطى سوسيولوجي خاص هو أن نسبة الإصابة بمرض الزهري جد مرتفعة بين المغاربة المسلمين مقارنة بإخوانهم من المغاربة اليهود، الذين كانت نسب الإصابة بينهم أقل حتى من المعدل المسجل بكبريات المدن الفرنسية مثل باريس وليون ومارسيليا. وأن السبب راجع إلى ارتفاع منسوب الوعي بشروط النظافة الجنسية بين الشرائح المغربية اليهودية المدينية بفاس. مثلما تم تسجيل إصابة 25 بالمئة من الأوروبيين المقيمين بها بمرض الزهري، مما يعكس عدم التزامهم بالشروط الوقائية الواجبة (تقرير الدكتور كريستياني).

 

مركز طبي آخر مهم بفاس، افتتح منذ سنة 1914، هو المركز الطبي المغربي المدني بعدوة فاس. وهو مركز للطب العام ظل يقدم خدماته الاستشفائية اليومية لساكنة المنطقة المحيطة به (وهي أحياء قديمة ذات كثافة سكانية كبيرة جدا)، بنسب عالية تراوحت بين سنوات 1915 و1931، ما بين 20 ألف استشارة طبية و 105 ألف استشارة طبية في السنة. وهي أرقام كبيرة تؤكد انفتاح المغاربة بفاس من داخل الأحياء الفقيرة والشعبية على الخدمات الطبية الحديثة، مما يقدم دليلا على تبدل في الوعي العام وفي السلوك اليومي للمغاربة. وبسبب تزايد الطلب على خدمات المركز الطبي للعدوة قرر رئيس المصالح البلدية بفاس، السيد لومير نقل بنايته من منزل مغربي عتيق داخل أزقة ضيقة، إلى قبالة ساحة مدخل حي العدوة، حيث أقيمت بناية حديثة مجهزة سنة 1925.

 

بالتوازي، سيتم أيضا افتتاح مركز للطب النسائي بفاس، ابتداء من سنة 1915، مخصص بالكامل للنساء المغربيات المسلمات فقط، يقدم ليس فقط إمكانيات الرعاية الصحية للحوامل منهن، ومساعدتهن على الوضع في أفضل الظروف الطبية الحديثة الممكنة، بل المساهمة على مدار الأيام والأسابيع على نشر ثقافة طبية وقائية خاصة بالأم الحامل وبالرضع. مما كانت له نتائج جد مهمة، كما تؤكد ذلك وثيقة محررة للدكتورة جوليار الطبيبة الرئيسية لذلك المركز الطبي النسائي. ولقد سمح ذلك المركز برسم خريطة مدققة لمختلف أنواع الأمراض النسائية المسجلة بفاس وكذا مختلف أنواع الأمراض المرتبطة بالطفولة، فشكلت تلك الخريطة مرجعا مهما بالنسبة لمصالح الصحة العمومية وحفظ الصحة العامة المركزية بالرباط، مكنت من وضع استراتيجية طبية على المديين القصير والمتوسط، للتركيز على مواجهة أمراض معينة ترتبط بتلك الشريحة المجتمعية (النساء والأطفال). ومما تؤكد عليه الدكتور جوليار في تقريرها ذاك، أن ميزة مركز أمراض النساء المسلمات بفاس، أن الأدوية كانت تقدم فيه بالمجان. وأن تلاقي النساء المغربيات، من شرائح اجتماعية متباينة قد خلق سلوكيات جديدة بينهن وفي علاقتهن مع ذواتهن ومع أطفالهن ومع محيطهن. كان ذلك بالنسبة لها بداية لتشكل وعي تحرري جديد بين نساء فاس، سيكون له تأثير حاسم في السنوات ما بعد 1930. علما أن ذلك المركز قد كان يعمل بالتنسيق الكامل مع مركز آخر لرعاية الطفولة المحرومة هو مركز "قطرة حليب" الذي أسسته بفاس سنة 1920 زوجة الماريشال ليوطي.

 

فاس التي كان بها أيضا أطباء خواص وصيادلة جدد ابتداء من سنة 1913، والذي بلغ عددهم  9 عيادات طبية خاصة من تخصصات طبية مختلفة (نذكر منهم الدكاترة كاراغيل، كوللي، درينوكور، غينودو)، و6 صيدليات (نذكر منهم مدام باجاك، مدام أوسترتاغ، مدام مالي، والسيد ميرانت) و3 عيادات لطب الأسنان (الدكاترة دينسن، فرانك، شنيدر). أقول فاس تلك، كان بها أيضا مركز طبي خاص بالمغاربة اليهود، الذي تأسس سنة 1916 في بناية صغيرة وجميلة قبالة حي الملاح القديم بالمدينة، الذي كان يقدم خدماته الاستشفائية يوميا لحوالي 250 مواطنا في الطب العام، وكان طبيبه الرئيسي يقوم أيضا بزيارات إلى بيوت مرضاه بالحي اليهودي (الملاح)، وكانت الأدوية تقدم فيه بالمجان. وبقي ذلك المركز إلى حدود سنة 1969 يقدم خدماته الطبية للمغاربة مسلمين ويهود.

 

(في الحلقة 18: أكبر مستشفى عسكري بمكناس على مساحة 27 هكتارا وبـ 556 سريرا، منذ سنة 1915)