الأحد 1 أغسطس 2021
اقتصاد

حميد النهري: الباطرونا لا تواكب الظرفية الصعبة التي يعيشها المجتمع المغربي

حميد النهري: الباطرونا لا تواكب الظرفية الصعبة التي يعيشها المجتمع المغربي حميد النهري

من بين التداعيات الكبرى لأزمة كورونا نشوب خلاف حول تطبيق الاتفاق الثلاثي الموقع في إطار الحوار الاجتماعي  بين  الحكومة - نقابات - باطرونا) في 25 أبريل 2019؛ وهو الخلاف الذي جاء على إثر تقديم الباطرونا لطلب تأجيل زيادة 5% المقررة في يوليوز 2020.

في هذا السياق يوضح حميد النهري، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بطنجة، طبيعة النزاع وخلفياته  في هذا الحوار الذي أجرته معه "أنفاس بريس":

 

= كيف تقرأ طلب اتحاد مقاولات المغرب الرامي إلى تأجيل تفعيل الزيادة في الأجور وفق ما كان متفق عليه سابقا في إطار لجنة الحوار الثلاثية الحكومة النقابات والباطرونا؟

- إن المطلب ليس  مفاجئا لأن الجميع أصبح يعرف للأسف تفكير الباطرونا في المغرب؛ وبهذا المطلب ظهر اتحاد مقاولات المغرب في الحقيقة بصورة غير مواكبة الظرفية الصعبة التي يعيشها المجتمع المغربي، كما ظهر اتحاد المقاولات بعيدا عن مبدأ التضامن في مواجهة تداعيات جائحة كورونا وعدم استيعابه لدروسها.

الباطرونا بهذا المطلب الذي قدمته، خلال جلسة مجلس المستشارين المخصصة لمناقشة موضوع "أية خطة إقلاع اقتصادي لمعالجة الآثار الاجتماعية للأزمة"، تريد تجاوز الأزمة على حساب الأجراء من جهة من خلال المس بحقوقهم وعلى حساب الدولة من خلال عملية الابتزاز على مستوى الامتيازات الضريبية والمساعدات المباشرة. وذلك انطلاقا كما هي العادة من مفهومها الخاص والغريب، الليبرالية واقتصاد السوق.. هذا المفهوم الذي ينافي المفاهيم المتعارف عليها عالميا؛ بحيث تطالب الباطرونا بإلزامية استمرارية مساعدة الدولة لمشاريعها الخاصة، خصوصا الكبرى ومنحها الامتيازات الضريبية وتوفير لها اليد العاملة الرخيصة وإعطاء الدولة في سياستها العمومية الامتياز لحقوق المقاولة الكبرى على حساب حقوق الأجراء؛ بل على حساب المجتمع ككل.

وهذه الوضعية الغريبة بصراحة هي مشكل الرأسمال ببلادنا دائما، وهي التي عرقلت وتعرقل تقدم الاقتصاد المغربي وعصرنته.

بالنسبة للأجراء فما هو معروف أن النشاط الاقتصادي في عالم المقاولة يتميز بمساهمة طرفي الإنتاج: الرأسمال والعمل، على أساس أنه يتم في الأخير توزيع الربح بين الطرفين، ويجب أن يكون -لا أقول متساويا- ولكن متقاربا وعادلا.

ونحن نعرف في المغرب مستوى الأجور خصوصا الدنيا منها، ونعرف الشرخ الكبير الموجود على مستوى توزيع الارباح ما بين العمل والرأسمال؛ يكفي الاطلاع على الإحصائيات لتجد هيمنة أرباح الرأسمال على حساب العمل هذه الهيمنة تصل حد الاستغلال بالنسبة للمقاولات الكبرى.

كما أن طبيعة الاقتصاد المغربي تزيد من تعميق هذه الفوارق الاجتماعية بين الطبقتين، وهذا التوزيع مخالف تماما لما هو معمول به.

 

= لكن الباطرونا تبرر طلبها في تأجيل الزيادة إلى اعتبارات تتعلق بالصعوبات التي تعرفها المقاولة المغربية بسبب الجائحة؟

- صحيح أن هناك عدة صعوبات نتيجة تداعيات جائحة كورونا؛ لكن هذه الصعوبات لتَجاوُزَها يقتضي البحث لها عن حلول تتطلب التضحية من الجميع، لا أن نتوجه إلى الطريق السهل  الذي هو الأجر!!

ونحن نعرف الوضعية الهشة للأجراء، خصوصا الذين يحصلون على الحد الأدنى للأجر، وهي الفئة المعنية بالاتفاق وقيمة الحد الأدنى في حد ذاتها ضعيفة مقارنة مع ما هو متعارف عليه دوليا، كما أن هذه القيمة لا تتماشى وضمان الحد الأدنى من الحاجيات الأساسية لهذه الفئة .

 

= ألا يدخل ذلك في ضرورة تشجيع المبادرة الخاصة التي تعتبر المحدثة الأساسية لفرص الشغل؟

- يجب أن نكون صرحاء، فقد أثبتت جائحة كورونا أن سياستنا العمومية عبر السنين راهنت على القطاع الخاص، وقدمت له الدولة كل الدعم؛ إلا أن هذا الرأسمال لم يكن في مستوى المسؤولية؛ حيث بقي حبيس وفي لطبيعته اي تابعا للدولة يقوم على ريعها وابتزازها من أجل مراكمة الثروات عوض بحثه عن الربح المشروع من خلال اقتصاد سليم.

إذن مرة أخرى ثبت أن هذا الرهان لم يكن صائبا؛ لذلك يجب إعادة النظر في علاقة الدولة مع الرأسمال الخاص.

فالمطلوب اليوم هو ضرورة القطع مع هذه الممارسات وتبني علاقة جديدة بين الدولة والرأسمال الخاص علاقة تقوم على المفاهيم الحقيقية الليبرالية واقتصاد السوق.

 

= لكن ألا يعتبر طلب الباطرونا من قبيل المناورة التي من شأنها أن تحدث تصدعا على المستوى الاجتماعي؟

- بالتأكيد، فعندما نتكلم عن الاجر يجب أن نستحضر العدد الكبير للماجورين ببلادنا، وجزء كبير منهم كانوا يواجهون قبل الجائحة مشاكل كبرى على صعيد ضمان العيش الكريم؛ وتفاقمت هذه المشاكل أكثر خلال الجائحة وهناك عدد كبير منهم أصبحوا في عداد البطالة بدون دخل، وهناك من كان مجاورا للفقر أصبح محسوبا على الفقراء.

وبالتالي تتفاقم مشاكل الإجراء بعد الجائحة في المقابل نجد الباطرونا تضغط وتبتز الدولة من أجل اتخاذ إجراءات تضر للأسف بطبقة الماجورين؛ وهذا الأمر غير مقبول في هذه الظروف الصعبة.

فدروس الأزمة الحالية تفرض ضرورة تحمل الدولة لمسؤوليتها وإعادة النظر في علاقتها بالمجتمع بنهج اختيارات جديدة في سياستها العمومية تضمن الى حد ما اولوية الجانب الاجتماعي.