الجمعة 25 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

عزيز القاديلي: قراءة في الحملة المسعورة على التعليم الخصوصي

عزيز القاديلي: قراءة في الحملة المسعورة على التعليم الخصوصي عزيز القاديلي

في الحقيقة أتأسف غاية الأسف لهذا المشهد التراجيدي الذي أصبحت عليه أوضاعنا التربوية والثقافية، هذا التحامل المسعور على المدرسة الخصوصية أو على التعليم الخصوصي الذي يدبر شأنا عموميا، هذه المحاسبة الغريبة والشاذة لمرفق حيوي يقدم خدمات جليلة لا يمكن لنا بأي حال من الأحوال تقديرها بثمن. صحيح أن هذا المرفق يستثمر فيه رجال أعمال يتم نعتهم بـ (أصحاب الشكارة)، لكن نتناسى أن هذا الميدان تصاغ حوله تمثلات خاطئة. لنضع جانبا ما يسميه البعض منطق الربح، ودعونا نفكر في المدرسة الخصوصية بمنطق آخر ألا وهو الاستثمار في بناء مستقبل لمواطن المستقبل، وأعتقد أن لا أحد سيختلف معي في هذه المقاربة الثقافية المستقبلية وما تفترضه من كلفة.

 

حينما نناقش التعليم فنحن نناقش أحد الحقوق الأساسية التي من المفروض أن يتمتع بها الإنسان، لكن ولأسباب معلومة أو مجهولة ظهر ما يسمى التعليم الخصوصي الذي لجأ إليه البعض محققا بذلك مجموعة من الغايات والمكاسب: تربوية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، حضارية... بكلام آخر هناك من وجد نفسه مكرها على نقل أبنائه إلى التعليم الخصوصي، وهناك من رأى في التعليم الخصوصي ما يلائم تطلعاته وما يصبو إليه. داخل هذا السياق برز التعليم الخصوصي في مقابل التعليم العمومي.

 

المنطق الصحيح والرؤية الصحيحة للأمور تجعلنا نفكر متطلبات الخصوصي بالعلاقة مع العمومي وفي وضعية العمومي بالعلاقة مع الخصوصي. لا يمكن لي الجزم بأن التعليم العمومي لا يؤدي عمله على أحسن وجه كل الأحكام التي يمكن لأي عاقل أن يتلفظ بها يجب أن تصدر بعد بحث عميق وجاد بعيدا عن التسرع. لا شأن لنا بأحكام القيمة التي يجازف الكثير من الناس بإصدارها فلا ينتبهون إلى المغالطات التي يصدرونها. علينا أن نتحلى بأقصى درجات الحكمة والتأمل الموضوعي بعيدا عن الذاتية.

 

التعليم بصفة عامة مجال إنساني ثقافي تربوي يحتاج إلى التوقير والاحترام، لأن المشتغل بداخله لا يقوم بخدمة عادية أو مهنة كباقي المهن، إنه يساهم في رسالة حضارية لا يمكن معادلتها بأي ثمن. مخطئ كل من يعادل عمل المعلم أو الأستاذ أو الإداري التربوي أو المشرف التربوي وكل من يشتغل في هذا المجال أقول مخطئ كل من يعادل هؤلاء بالوظائف الأخرى، سواء في التعليم العمومي أو الخصوصي، لكن ثقافة الاستهلاك التي هيمنت على عقلية المجتمع جعلته يقزم هذا المجال، ينظر إليه من زاوية خدماتية ضيقة جدا. إن منطق التسليع والتشييء له فاعلية تدميرية سلبية على التعليم وبالتالي على المجتمع، في اللحظة التي يجب توقير هذا المجال والتفاوض بشأنه ليس من منطق المنفعة الضيقة، بل من خلال المشاركة الإيجابية وذلك بالرفع من قيمته واحترامه وتوقيره وإجلاله.

 

يجب أن نتفق أولا على أمر أساسي وهو كالتالي: المشتغلون في مجال التعليم ليسوا كائنات منزهة عن الخطأ، هذا أمر غير صحيح، لكن بالمقابل على المجتمع أن يوقر هذه الفئة ليس لشخصها بل للمهمة الجسيمة التي تقوم بها: إذ ليس سهلا أن تقوم بمهمة التعليم و التنشئة، ليس سهلا أن تصاحبهم أو تقوم بتربيتهم، هذا الأمر ليس بالأمر الهين لأنك تشتغل على سلوك الإنسان وتصرفاته ونفسيته وعقله وروحه، وإذا غاب التوقير والاحترام قذفنا بمجتمعنا إلى الهاوية.

 

إن التصرف السليم يستدعي من المجتمع إقامة حوار هادئ مع الفاعلين التربويين، وهذا الحوار لا يجب أن ينطلق من منظور تجاري: الأب أو التلميذ يشتري بضاعة. التعليم ليس بضاعة تستهلك لتترك جانبا بعد أن تنتهي صلاحيتها. هذا المنطق لا يمكن أن نعامل به التعليم الخصوصي بدعوى أن الأب يؤدي ثمنا. يجب أن نتفق أن هذه المهمة لا ثمن لها أي ليس هناك معادل مادي لها إذا لم نتفق على هذا المبدأ فإن الخراب ينتظرنا.

 

صحيح أن التعليم الخاص مكلف لكن الفائدة التي يحصل عليها الآباء، ولا أقول الزبناء، فائدة لا يمكن معادلتها بأي ثمن لأن هناك مجهود كبير لا يقدره إلا المشتغل في مجال التربية والتعليم.

 

من هنا أدعو الناس إلى الحكمة، يجب أن نتوقف عن النظر إلى التعليم الخصوصي من منظور البيع والشراء، التعليم الخصوصي لا يبيع شيئا بل يدبر شأنا عموميا اختارت فئة من المجتمع اللجوء إليه، وإذا كانت جائحة كورونا قد عطلت هذه الخدمة أو غيرتها فهذا ليس سببا للتنقيص من المهام التي يقوم بها، التعليم لا يرتبط بفترة زمنية محدودة شهر أو شهرين أو حتى ثلاثة أشهر.. التعليم مسار وعملية بناء لمشروع، إن النظرة التسليعية لا تساعد في عملية البناء بل لها وظيفة تخريبية لأنها تشوش على المتعلم وتجعله يقلل من قيمة الفعل التعلمي.

 

أتمنى أن نخرج من هذه النظرة التجارية الضيقة ونساهم بكل ثقة في تطوير هذا الميدان، سواء العمومي أو الخصوصي، لأن الأمر يتعلق بمستقل وطننا.