الأحد 27 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

محمد شخمان : حوار مع صديقي الشاعر اليميني أو تمرين في الديموقراطية

محمد شخمان : حوار مع صديقي الشاعر اليميني أو تمرين في الديموقراطية محمد شخمان

أليس باسم الأديان يقتل الإنسان يا صديقي؟

أنت شاعر ومثقف، عد إلى التاريخ واسأله كم من الحروب المقدسة خيضت باسم الله ومن مختلف الأديان، جماعات بأكملها أبيدت "خدمة لله"، و هل خلقها غيره يا ترى؟

حتى في الوقت الذي كان اليسار حاملا للسلاح وزاحفا على الرجعية والديكتاتوريات، كان "إرهابه" منظما ومقننا و بشريا. صحيح أن ستالين قتل الآلاف من شعبه، لكنه لم يقتلهم إلا بعد أن حول الماركسية إلى دين وأوثان، ولم يقتلهم لإرضاء الله، "فالله لا يرضى أن يموت بشر هو خلقهم"، ولم يقتلهم - أي ستالين - لأنهم ينتمون إلى دين مخالف، بل قتلهم ثمنا للإستقرار ومحاربة الخصم ولبناء إقتصاد الدولة"كما كان يعتقد".

عد يا صديقي الشاعر إلى التاريخ وستجد أن العلماء والعظماء قتلهم او نكل بهم أو حاصرهم رجال الدين المتطرفين و حاشا أن أقول أن "الله فعل ذلك". العالم لم يقتل رجل الدين، لكن رجل الدين قتل العالم، الملحد لم يقتل رجل الدين، لكن رجل الدين قتل الملحد. كم عدد من الجرائم و الإبادات التي ارتكبت "باسم الله"؟ هي  فوق أن تحصى، وهذا لا يجعلني أنسى هتلر أو الرجل الأبيض في أمريكا.

حتى الاغتصاب لما يرتكب من طرف الأصولي يصبح اغتصابا مقدسا، و"الزنى" حين يمارس من طرف الأصولي  يصبح جهادا. بالله عليك هل هناك أفظع من خلق سوق النخاسة في القرن 21 وبيع الفتيات الجميلات القاصرات اتباعا "لسنة نبينا"! لا تقل لي هذا شيء شاذ، بل قل هذا إسلام متطرف يوجد ضمن العديد من التيارات الإسلامية، فهو إسلام مورس في فترات تارخية متعددة، وفي بقع جغرافية متعددة، وهذه طبيعة المنظومات الفكرية الكبرى دينية كانت أو وضعية، فهي تولد مدارس عدة من النقيض إلى النقيض.

تقول لي ان هناك تجارا للسياسة في اليسار أقول لك نعم، لكن كم أعدادهم؟ وكم أجيالهم؟ وما مدى انتشارهم الجغرافي ؟

إن اليسار وقيمه ليست تجارة مربحة، فأسهل الطرق الى الربح هو ادعاء القداسة، و الحديث بإسم الله ومصالحه واقتسام المشروعية معه عبر ولاية الفقيه اوغيرها من حيل الاستبداد واستغفال واستعباد العامة.

شاعرنا الجميل أنا لا أخاف على الله، ولا أخاف على دين الله، فللبيت رب يحميه. أنا أخاف على شعبنا من تجار الدين. أريد أن تعطيني مثالا واحدا من نظام سياسي حكم "باسم الله" و كان نظاما ديموقراطيا.

تعالى يا أخي نشترك في الوطن، ونقتسم الحب فيه، نقتسم خيراته ونترك العقيدة لله فهو أحق أن يجازي عليها يوم القيامة.

تعال نتعارك ونتصارع ونتحاور حوارا سعيدا وصراعا حضاريا.

تعال يا صاحبي نشترك في العداء لعدو وطننا المتربص بنا والجاثم علينا حتى لا نصعد القمة و ننال السؤدد.

بالبلاد لصوص من "اليسار"، وبالبلاد لصوص من تجارالدين. فتعال لنصلح البلاد ونصدح بكلمة الحق، ليس ونحن في حزب واحد هو حزب الله، وليس في إطار العداء لحزب "الشيطان"، بل كن في حزبك وأنا في حزبي. اختلف معي و احفظ لي بحقي في أن أختلف معك. لكن لنتعاقد جميعا على لعبة ديموقراطية نحتكم لها في صراعنا، ولتكن الدولة المدنية حاضنتنا جميعا باختلافاتنا الاديولوجية و السياسية.

تتحدث يا أخي عن اليسار بإجمال، و تنسب له الحقد والإرهاب و اللصوصية وتنعته بالعداء للحب والفن والحرية و الأسرة والديموقراطية.

أتفق معك ان اليسار حاقد، لكن على ماذا ؟

اليسار بقيمه يحقد على الفوارق الطبقية، ويحقد على استغلال العمال، ويحقد على استعباد الفلاح الصغير، يحقد على العنصرية ويحاربها يحقد على الامبريالي العالمي ويستهدف تغييره بنظام اشتراكي أممي، يحقد على الطغاة والطغمة المالية العالمية والمحلية، لكن الذي يحقد على الذي يختلف معه في العقيدة اوالرأي، فذاك حاقد على البشرية وعلى ابناء جلدته لان الله خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا، ولو شاء لجعلهم جميعا على رأي واحد.

تصف اليسار بالارهاب وهو المنتشر في ساحات حقوق الإنسان وساحات الدفاع عن الطبيعة، وهم  العزل الذين يملؤون ساحات الحرية في مختلف عواصم العالم مطالبين بتوزيع الثروة وتوسيع الحريات ويرفض العنف.

ترى هل شعارك "خير وسيلة للدفاع هي الهجوم؟" فأغلب انفجارات العالم واستهداف المدنيين واستهداف النساء و استهداف المخالفين في الرأي، جل العنف الذي يعاني منه المسلمين والعرب هو عنف إسلامي حاقد متحالف مع امريكا.

صحيح ان اسلاميي المغرب أكثر سلما واستسلاما، لكن العنف الفكري والعقدي يمارسه على الغير جل اسلاميي العالم لانهم لم يوطنوا الديمقراطية بعد كسلوك ينتقل من الشعار الى الورق، ومن الورق الى الشعور واللاشعور، ومن الاستبطان الى الممارسة. فحتى الإسلاميون المعتدلون حين يصلون الى السلطة ينقلبون على الديموقراطية، ولهذا فهم اما جماعات خارجية  إرهابية ، وإما أحزاب يستعملون التقية، ومرشحين لتحويل المؤسسات الديموقراطية الى أدوات لتطويع الشعب، وطبعا هناك استثناءات نادرة جدا .

تقول ان اليسار عدو للحب، بالله عليك من يحارب الحب، أهو الداعية الاسلامي أم رجل اليسار؟ أهو من يجعل علاقة الزواج أحادية أم من يوزع قلبه على الأربعة وما ملكت أيمانه ؟

من يقدس الحب ؟ أهو الداعي الى الأممية والى تقديس الإنسان أنا توجهت ركائبه، أم ذاك الذي يفرق الناس بين دار الإسلام و دار الكفر " ودار الكفر عنده دائما توجد خارج جماعته".

تدعي أن اليسار يعادي الفن، ما هذا بقول شاعر ولا عاقل يا صديقي، يمكن أن يكون قول ساحر ومن صديق الفن يا صديقي؟

من يحرم الصورة والمجسم، ويتناقض مع نفسه ويحلل التلفاز ؟

ومن حرم الرقص وتعبيرات الجسد ؟

من جعل من أجمل مخلوق في الكون عورة و "حزمها و رزمها" و أخفاها وراء الحجب وجعل منها شيطانا يدفع الى الآثام؟

أليسوا هم فقهاء العار وتابعيهم من الأصوليين، ونسوا ان النبي جعل الجنة تحت أقدامها.

تجعل اليسار عدوا للحرية، وهو المطالب بحرية المرأة، وحرية اللباس، وحرية الرأي وحرية المعبد والحريات الشخصية والجماعية، هوالمطالب بحق الشعوب في تقرير مصيرها والمطالب بالحق في التنمية وغيرها، لطالما أن الحرية كانت مطلبا جزئيا لليبرالية، و مطلبا كليا لليسار، ومن المتعذر ان تكون مطلبا يمينيا او أصوليا الا في حدود الركوب عليها لخدمة الجماعة لا الشعب، و الفرد لا الأسرة.

تدعي أخي ان اليسار يعادي الأسرة، سبحان الله، عن أي اسرة تتحدث ؟ أهي الأسرة النووية الحديثة المبنية على الحقوق وعلى الإعتراف للمرأة والطفل بانسانيته، أم تتحدث عن أسرة/عائلة بطرياركية يكون الاب فيها  مستبدا وزوجاته ملكية و بضاعة وأداة  للانجاب وإفراغ المكبوتات؟

تقول يا رجل الثقافة، أن اليسار معاد للديموقراطية فعن أي يسار تتحدث، هل هو يسار بداية القرن العشرين أم يسار اليوم.

إن قلت يسار الماضي، أجيبك إن ديموقراطيته كانت بحجم الديموقراطية السائدة آنئذ  وأكثر قليلا، أما إن تحدثت عن يساراليوم، فالديموقراطية مرجعيته وخلفيته وأداته وهدفه. وفي كل الاحوال سواء مع يسار الماضي أو يسار الحاضر فهما معا يسبقان الأصولي بسنوات ضوئية في اتجاه الديموقراطية وبعيد عن الاوتوقراطية و ثقافة "القرون الوسطى".

غريب ان يكون شاعر مثقف معاد لليسار - وان كان يمينيا - فكل شعب ينشد الديموقراطية إلا ويجب أن يتوافق على أسس و قواعد وأدوات لعب وقنوات لتصريف الاختلاف "السعيد" لا العنيف والديموقراطية تقتضي التعددية وحقوق المرأة والقبول بحق الآخرفي التواجد كذات وكقيم. 

منالضرورة وجود الأحزاب في النظام الديمقراطي، ومن الضرورة وجود اليمين واليسار، ومن مصلحة البلد والشعب ان يتواجدا ويتواجها بالافكار وبالبرامج  وأن يراقبا بعضهما لأجل توازن القوى وتوازن السلطة في البلد. وحين أتحدث عن اليمين و الوسط و اليسار فأنا أتحدث عن أحزاب وطنية لها تواجد فعلي في تربة البلد وتمثل فئات مجتمعية و توجهات فكرية ويكون ولاؤها الاول لوطنها وتؤمن بالوطن والوطنية، في حين أن مشكلة أغلب الأحزاب الإسلامية ان ولاءها للأخ في العقيدة لا الأخ في الأرض.

ما أغرب أن يكون الإسلاميون هم أداة أمريكا في أفغانستان و سوريا و اليمن و ليبيا.

ما أغرب أن البندقية المتطرفة دائما موجهة لابن البلد، وإن اقتضى الأمر التحالف مع العدو ابن نفس العقيدة وتلك البندقية لم تصوب قط ضد إسرائيل إلا في شقها الشيعي.

تدعي أن اليسار مناهض للاسلام، ولم يكن اليسار يوما منشغلا بالدين، انما كان دائما منشغلا بالدنيا. فالدين لله أما الدنيا فنضع بها قواعد للعيش المشترك. اليسار يكون معاديا للاسلام حين يكون إسلام تطرف، إسلام عنف و قتل، و إسلام اسواق النخاسة واسلام العهر الذي يتجول بعين الذئاب،والذي يفتح أسواق النخاسة بالشرق والذي يحلل زواج القاصرات ويحرم حب البالغين، هو الاسلام الذي يكون مطية لبيع الوطن لامريكا، اما اسلام العلماء و الفقهاء المتنورين واسلامنا التاريخي والشعبي فذاك جزء من هويتنا وكينونتنا و إنسانيتنا، ومع كل ذلك لا نبتغي الإسلام دولة بل دينا يرعى الضمير ويرعاه الله و الضمير، وبذلك نبتغيه مقدسا، لا مدنسا بمصالح الدنيا الفانية.

لا أعادي الأحزاب الإسلامية ولا أريد لها إعداما، فهي تنظيمات تمثل حساسيات حية بالبلد، وحين أصارعها وأصف الخبيث في مسلكياتها وأقف ملاحظا ومراقبا ومنتقدا لبرامجها وقيمها و سيرتها السياسية، فلأن اللعبة الديموقراطية تجعل من واجبي كمواطن صالح أن أشارك مشاركة سياسية وثقافية بهدف الارتقاء ببلدي، ولا مصلحة للبلد في إعدام العدالة و التنمية أوالعدل والإحسان. من مصلحته فقط اخضاعهم لقواعد اللعب، ومن مصلحته تجفيف منابع العنف والحقد الأصولي.

اليسار يبني ثقافة مجتمعنا ولا يهدمها، ويبنيها من ذاتها ومن خارجها بتلقيحها بالقيم العالمية، أن يخلط مثقف بين الماركسية و الإلحاد فالامر غير مقبول، وإن شئت صديقي الشاعر، فسأتجرأ وأذهب معك بعيدا لأقول لك ان من يريد أن يكون ملحدا فذاك شأنه يحاسبه الله يوم القيامة، وليس هناك من شخص مسؤول عن ضمائر العباد.

أتفق معك صديقي أن اليسار يجب أن يعيد تشكيل عقله بما يجعله يعرف كيف يستوطن قلب شعب أنهكه الفقر وأنهكه التخلف  واستعبده الحاكم، و استغفله الأصولي حامل مشعل الوهابية. يجب على اليسار ان يطور خطابه وأدوات فعله و ثقافته ليتمكن من تبيئة  القيم العالمية ببلده وفي تصالح تام مع عقيدة شعبه وخصوصياته، كما يجب أن تتفق معي ان هذه مهمة مطروحة أيضا على الأحزاب الإسلامية، في أن تجعل عقلها منخرطا في الحداثة  قابلا لقيم العقل والعلم وان يكون ولاؤها للوطن، وأن تخاصم عدو الأرض وإن كان أخا في العقيدة، وأن تتحلى بالشفافية وقبول قواعد الديموقراطية و التخلي عن التقية.

صديقي الشاعر الجميل، ليس من هنا تؤكل الكتف وما هكذا تعقل الناقة.

 

محمد شخمان : عضو حزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي