الخميس 6 أغسطس 2020
سياسة

يوسف لهلالي: برحيل عبد الرحمان اليوسفي تفقد الصحافة المغربية أحد مؤسسيها

يوسف لهلالي: برحيل عبد الرحمان اليوسفي تفقد الصحافة المغربية أحد مؤسسيها الزميل يوسف لهلالي (يمينا) رفقة الراحل عبد الرحمان اليوسفي

"منذ أسبوعين توقف سي عبد الرحمان عن قراءة الصحف وتتبع أخبار العالم، أظن أنه لم يعد هناك أمل".. كان هذا هو جواب رفيق  سي عبد الرحمان اليوسفي الأستاذ عباس بودرقة عن استفساراتي عن أحواله الصحية. لقد تفاجأ بهذه الوضيعة الجديدة، وهو عزوف قائد التناوب  التوافقي عن القراءة التي كانت بمثابة قوته اليومي. بعد هذه المكالمة، قلت مع نفسي علي التعود على غياب هذا القائد والمعلم الذي رافق حياة العديد من الأجيال المغربية.

 

من المؤكد أن فقدانه هو خسارة كبيرة لأصدقائه، لحزبه ولكل المغاربة. وهو من الشخصيات السياسية النادرة بالمغرب التي تحظى بالإجماع والاحترام. كما أنه كان مناضلا من ذوي النفس الطويل. وتنطبق عليه قولة الشهيد المهدي بنبركة "معركة بناء الوطن هي معركة يقوم بها أقوياء النفوس".

 

هذا الرجل الاستثنائي الذي واكب حياة المغرب الحديث من مقاومة الاستعمار إلى المعارضة وإلى إنقاذ المغرب من الـ "سكتة القلبية" التي تحدث عنها الراحل الحسن الثاني. سي عبد الرحمان تعودت على حضوره عدة أجيال مغربية، وكان رمزا سياسيا حقيقيا لنضال والوطنية والاستقامة بكل ما تتضمنه هذه الكلمة من معنى.

 

في مساره المتعدد والمتنوع كان مؤسسا لصحافة الاتحادية، كان رئيس التحرير لجريدة "التحرير"، والتي كان الراحل الأستاذ لفقيه البصري مديرها، وكان أول معتقل رأي في المغرب في 15 ديسمبر 1959 بعد أن كتب "إن الحكومة مسئولة أمام جلالة الملك وأمام الشعب المغربي". وذلك كان ذلك كافيا للاعتقال. وبالتالي كان أول صحفي يعتقل من أجل رأيه.

اهتمامه وعمله بالإعلام ليس سرا، وهو مِؤٍسس النقابة الوطنية لصحافة سنة 1963، وحرر وثيقتها الأساسية من أجل حماية حرية التعبير بالمغرب.

 

لا أعرف بماذا أبدأ للحديث عن هذا الرجل، هل من خلال الحديث عن مساره السياسي والحقوقي الطويل. وهناك العديد من الرفاق الذين شاركوه في عدة مراحل من هذه المسيرة، وهم أدرى بهذه المرحلة، أو من خلال الحديث عن تجربتي الشخصية والمتواضعة جدا إلى جانبه، في المرات القليلة التي أتيحت لي فرصة اللقاء والعمل معه حول الصحافة الاتحادية. وهي لقاءات كانت كلها لقاءات مهنية، نضالية من أجل الصحافة الاتحادية التي كان يكن لها مكانة خاصة في حياته.

 

 

أول لقاء تم بمقر جريدة الاتحاد الاشتراكي، حيث جمع الراحل سنة 1995 بصفته مدير الجريدة، كل الصحفيين سواء بهيئة التحرير بالاتحاد الاشتراكي أو بأسبوعية "النشرة" التي كانت تصدرها الشبيبة الاتحادية آنذاك، والتي كنت عضو هيئة التحرير بها، وكان يترأسها الأستاذ محمد الساسي، وكانت "النشرة" آنذاك أسبوعية مشاكسة ومزعجة من خلال المواضيع التي كانت تنشرها. وكان وزير الداخلية آنذاك الراحل ادريس البصري يتصل بسي عبد الرحمان من أجل التعبير عن انزعاجه من بعض المواضيع المنشورة حول المعتقلين السياسيين.

 

اللقاء الثاني، كان بباريس في 9 نوفمبر 1999، على هامش انعقاد مؤتمر الأممية الاشتراكية بالعاصمة الفرنسية، وذلك بقاعة لكنيت بلاديفونس، والتي كان يحضر أشغال هذا المؤتمر للقادة الاشتراكيين عبر العالم، والذي رافقه إليها عدد من أعضاء الحزب: الأستادة نزهة الشفروني والأستاذة فتيحة السداس.

هذا اللقاء كان متميزا بكل المقاييس في مساري المهني، وخصني  مدير الجريدة  والوزير الأول باجتماع على انفراد دام ساعة تقريبا، كان كله حول عمل الجريدة بفرنسا وضرورة تطوير الأداء، وحول إنجاز مشروع مكتب لها بالعاصمة باريس، واختيار فريق عمل، وكذلك وضع ملف حول التوزيع بفرنسا. كانت توجيهاته الأساسية، أنه على الجريدة أن تتبع كل القضايا المهمة بفرنسا والاهتمام بقضايا الهجرة التي كانت أحد انشغالاته الأساسية. وقال لي "هناك أشياء مهمة لا نتابعها بهذا البلد الذي يعتبر أكبر شريك سياسي واقتصادي لنا ويضم أكبر جالية مغربية بالخارج،" وكان جد حريص في توجيهاته على الاهتمام بهذه العلاقة وبإنشاء فريق عمل يغطي جميع المجالات الاقتصادية، السياسية والاجتماعية.

أثناء هذا  اللقاء مع سي عبد الرحمان بباريس، أزعجنا العديد من الصحفيين، وكانت أسئلتهم حول إقالة وزير الدولة في الداخلية  آنذاك، ادريس البصري، بعد أن تلقى سي عبد الرحمان مكالمة من صاحب الجلالة محمد السادس حول هذا الأمر. ويبدو أن هاتفه كان مغلقا بالمِؤتمر، وجاء الاستاذ عباس بودرقة ليطلب منه فتح هاتفه لتلقي المكالمة.

 

مشروع المكتب وفريق العمل بباريس لم يتحقق، وذلك لعدد من المشاكل الحزبية وداخل إدارة الجريدة، واقتصر فريق العمل علي بالإضافة إلى الزميل محمد المزديوي. وكانت امكانياتنا للعمل محدودة تغطي بالكاد مصاريف التنقل.

 

آخر عمل قمت به،  في هذا الاطار هو تقديم تقرير حول  توزيع الجريدة بعد عدة لقاءات مع مسؤولي شركة التوزيع الفرنسية، وهي كلها  مشاريع سوف تتوقف  بعد ان قرار سي عبد الرحمان الاستقالة من المسؤوليات الحزبية.

 

وفي إطار الاهتمام بقضايا الهجرة المغربية، طلب مني  أيضا إنجاز تقرير حول وضعية تنظيم لإسلام بفرنسا، وهو عمل مكنني من اكتشاف عالم المساجد والجمعيات التي تقوم بتدبيرها وهو عمل كان صعبا لما  له من تعقيدات سياسية، أنني كنت حديث العهد بفرنسا، والعمل على هذا التقرير مكنني من معرفة تنظيم الإسلام بفرنسا ولو بشكل نسبي، والتعرف على العديد من الفاعلين في هذا المجال، وهو مجال كان جد معقد وساحة حرب بين دول أجنبية منها بلدان كانت لها جالية مهمة مثل المغرب والجزائر، وبلدان ليس لها  ذلك وكانت تريد استعمال المسلمين  بفرنسا كورقة ضغط مثل ليبيا وبعض بلدان الخليج العربي، بالإضافة إلى المراقبة الفرنسية في هذا المجال. سي عبد الرحمان، من خلال التقرير الذي طلبه مني، كان الهدف هو توجيه العمل الإعلامي والحزبي بفرنسا نحو هذا المجال الروحي، والذي كانت له أبعاد سياسية وأمنية معقدة سوف تبرز بقوة في الساحة الفرنسية والأوروبية بعد بداية هذا القرن، فقد كان رحمه الله يعرف بحدس القضايا التي ستشغل عالمنا والتي مازالت تشغله حتى اليوم.

 

 

من المهام التي كان قد كلفني بها أيضا، كان  اللقاء والحديث مع مدير مجلة "أفريك ازي" سيمون مالي، وفتح مجال النقاش معه، من أجل تعريف هذه المجلة لتجربة التناوب التوافقي بالمغرب ومدها بمعطيات حول هذه التجربة. هذا الاحتكاك بهذه المجلة سوف يقودني إلى التعاون معها مدة سنتين مع الأستاذ ماجد نهمي.

 

اللقاءات والمسؤوليات التي كلفني بها الراحل سي عبد الرحمان اليوسفي لم تكن تتم بالهاتف، بل عبر قناة أمنة وهي أمين سره الأستاذ عباس بودرقة، الذي كان كمناضل وخبير بما يجري بفرنسا. كان بمثابة منير طريق بالنسبة لي في فرنسا، وكنت حديث العهد بالهجرة.

 

قمت أيضا بزيارته في مقر رئاسة الحكومة في المشور، رفقة الزميل حكيم الغساسي مدير مجلة لاميدينا، وذلك لإجراء حوار للمجلة التي كانت تصدر بفرنسا، وتهتم بقضايا الهجرة وكنت أتعاون معها آنذاك. استقبلتنا الأستاذة أمنية بوعياش التي كانت مستشارة بديوانه، وهذا اللقاء كان فرصة أخرى للحديث عن أوضاع المغرب، الهجرة والإعلام. رغم انشغالات الرجل الكبيرة باعتباره رئيسا للحكومة كان دائما يجد الوقت للاهتمام بكل القضايا التي تمس المغرب، سواء القضايا الصغيرة أو الكبيرة، وكانت قضايا الإعلام والهجرة أحد اهتماماته الأساسية.

بفضل سي عبد الرحمان وعلاقاته وأصدقائه تمكنت من لقاء مع عدد كبير من الوجوه السياسية البارزة بفرنسا وبالعاصمة أذكر منها وزير الخارجية رولان ديما، ووزير الخارجية إيبير فديدرين، ووزير الداخلية دانييل فايون، ووزير الخارجية الجزائري لخضر الابراهيمي، بالإضافة إلى العديد من المثقفين العرب والفرنسيين: محمد حربي، برهان غليون، حميدة نعنع، جاك فيرجيس، بيير بايون، وعدد آخر من الشخصيات التي  توجد في أرشيف الجريدة للعقدين الاخيرين.

 

محمد حرمة الباهي وحلقة أصدقاء باهي، كانت أحد الاهتمامات الكبرى لسي عبد الرحمان، كان يتتبع أخبار الحلقة بباريس والأنشطة التي تنظمها وهو تعبير منه عن الوفاء لباهي ولعمل الباهي الذي كان يحمل مشروعا كبيرا لصحافة الاتحادية وكانت  كتاباته بها  خاصة "رسالة باريس" عملا استثنائيا، سيبقى موضوعا من ذهب في تاريخ الصحافة المغربية. والنجاح الذي لاقته أعمال باهي سواء التي أصدرتها حلقة باهي والتي أشرف عليها الأستاذ عباس بودرقة.

وكان رئيس الحلقة الأستاذ عبد الحفيظ امزيغ هو صلة الوصل مع سي عبد الرحمان حول المواضيع التي كانت تختارها الحلقة والضيوف الذين يتم اقتراحهم للقاءاتها.

 

آخر لقاء تم مع سي عبد الرحمان كان مند سنتين وبمنزله بالدار البيضاء، في إطار الإعداد لنشر مذكراته "أحاديث فيما جرى" والتي أشرف عليها الأستاذ عباس بودرقة، وهذا اللقاء الذي حضره العديد من رفاقه والمقربين منه. كان لي شرف الحضور في هذا اللقاء الاعدادي قبل نشر شذرات من مذكراته، وذلك رفقة الصديق والزميل لحسن لعسيبي والصديق والزميل حميد برادة وشخصيات أخرى مثل الأستاذ محمد الصديقي والأستاذ محمد الحلوي والدكتور عبد الكريم المانوزي وآخرون لا يسمح المجال بذكرهم جميعا. وكان النقاش حول مغزى هذه المذكرات، وكيف سوف يستقبلها الرأي العام المغربي. وكيف يجب مواكبتها إعلاميا؛ وتلى ذلك لقاء ثان بالرباط بمنزل الدكتور حمزة أكديرة.

 

كانت اللقاءات المباشرة معه نادرة وحتى عبر الهاتف، كنت اتتبع اخباره وحالته الصحية باستمرار من خلال الأخوين سي عباس بودرقة والأخ مولاي حفيط امزيغ. والجميع فهم قرب موعد الرحيل، قال عباس بودرقة توقف سي عبد الرحمان عن القراءة مند أسبوعين على رحيله، وكانت القراءة قوتا يوميا لهذا القائد العظيم، الذي كان يحلم بمغرب  يتعلم فيه كل المغاربة، وكان يعتبر نفسه وحكومة التناوب التوافقي هي تتمة لرسالة حكومة الأستاذ عبد الله إبراهيم، والذي شاءت الاقدار أن يدفن إلى جانبه بمقبرة الشهداء، رفقة في الحياة وفي الموت.

 

ما تعلمته من هذا الرجل، الذي كان رمزا لعدد كبيرا من الأجيال المغربية هو معنى الوطنية الصادقة وخدمة الصالح العام بدون انتظار أي مقابل ومن أي أحد، وهي قيم أصبحت جد نادرة بل اختفت، من القاموس السياسي.

 

وداعا سي عبد الرحمان، وهل سيكون جيلي والاجيال المقبلة قادرون على حفظ تراثه النضالي ونقل للأجيال المقبلة.