الجمعة 10 يوليو 2020
فن وثقافة

عبد الفتاح لمسودي: صياغة الأوبئة أدبا.. صاحب "الطاعون".. يفوز بجائزة نوبل للآداب (5)

عبد الفتاح لمسودي: صياغة الأوبئة أدبا.. صاحب "الطاعون".. يفوز بجائزة نوبل للآداب (5) الكاتب الفرنسي ألبير كامي (يسارا) وعبد الفتاح لمسودي

يقف العالم اليوم  مشدوها أمام جبروت "الكوفيد19"، جبروت عدو غير مرئي، عدو كان خارج حسابات وتوقعات دهاليز داهقنة السياسة والاقتصاد، والذين حيال عجزهم أمامه أصبح كل ما في متناولهم هو ترويج سلعة بائرة من اللغو لم يعد الناس يعيرونها أي اهتمام. رغم تسخيرهم لكثير من الأبواق الإعلامية التي مل الناس متابعة زعيق تفاهاتها التي سقط عنها القناع وبهت طلاؤها المزيف الذي كان يحجب الحقيقة التي استيقظ على هولها الجميع. حيث اكتشف الإنسان أنه كان ضحية خطابات جعلته يعيش في طمأنينة مزيفة وحصانة وهمية من عوائد الزمن، والتي كان ضامنهما الأساس التقدم العلمي والتجريب التكنولوجي .

لا يعتبر هذا تقليلا من أهمية البحث العلمي، ولا من دينامية التجريب التكنولوجي، ولكن هو تنبيه إلى أن توظيفهما كان ولا يزال الآن بعيدا عن خدمة الإنسان وضمان عيشه في كرامة. إذ، ونتيجة لطبيعة النظام الاقتصادي السائد في العالم فإن توظيفهما -العلم والتكنولوجيا- كان من أجل إخضاع الإنسانية لمنطق الإكراه والتسلط، وذلك بالتحكم في عواطفها ورغباتها خدمة لنظام اقتصادي مبني على الاستهلاك.

هل يمكن اعتبار هذه الرجة التي يعيشها إنسان اليوم إحدى فوائد "كورونا"؟

قد يبدو من الصعب، بل بالأحرى من غير اللائق الحديث عن فضائل أي وباء، وخاصة فيروس كورونا الذي ما زال ينشر الهلع في الناس، حيث إذا طرحنا سؤالا بشكل تلقائي: ماذا تخلف الأوبئة وراءها؟

الجواب الذي قد يبدو بديهيا، ولن يتلعثم اللسان لكي ينطقه، هو أن الأوبئة لن تخلف إلا انتشار الموت وما يشيعه من أحزان، والإحساس بالخوف والرعب وما يسببه من أزمات نفسية. في حين أنه قليلا ما يتم الانتباه إلى أن هذا الجو الجنائزي وما يصاحبه من هلع قد يكون أيضا دافعا للإنسانية لمراجعة أفكارها، ومعتقداتها، وتصوراتها حول ذاتها وحول الكون، وهذا ما يلاحظه المتتبع اليوم في الرجة الفكرية والقيمية التي أحدثها فيروس كورونا عند جميع فئات الشعوب عبر مختلف أرجاء المعمور. كما أن هذا الجو المأتمي وما يرافقه من حزن وألم قد يتحول إلى طاقة إبداعية خلاقة ستمنح/ ومنحت للإنسانية أعمالا فنية لا تزال خالدة نظرا لميسمها الجمالي الذي صاغت به الحدث/ الوباء .

إن الأدب الإنساني خلق تراكما إبداعيا سواء شعرا أو سردا من النصوص التي تناولت موضوع الأوبئة مما جعل مؤرخو الأدب يصنفون هذه الأعمال ضمن ما أسموه "أدب الأوبئة".

وفيما يلي التفاتة إلى هذا الموضوع من خلال التعريف بمجموعة من الأعمال الإبداعية التي عادت إلى واجهة الاهتمام إعلاميا على صفحات الجرائد والمجلات الإلكترونية، وأيضا على صفحات وسائل الاتصال الاجتماعي .

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الالتفاتة ليست قراءة نقدية لهذه الأعمال، ولا تحليلا لها بقدر ما هي معلومات ليس لي في أغلبها إلا فضل التجميع، وأحيانا التمحيص والفحص والغربلة، إذ ما هي إلا عصارة لقراءات متنوعة -في زمن الحجر الصحي- وددت أن أتقاسمها لكي لا تبقى حبيسة الذاكرة والمذكرة الشخصية...

 

ليس هناك مفتاح سري يسعف أي قارئ أو باحث للولوج إلى عالم "ألبير كامي"، هناك فقط طريق واحدة. قصيرة، نعم "لكنها شاقة ومتعبة. مرهقة لكن -و لحسن الحظ- ليست موحشة، حيث أن قاطعها لا يحس بالوحدة، إذ تؤنسه كثير من الأفكار القمينة بالتأمل، والشخصيات الغريبة التي لا تمل مرافقتها، فهي أحيانا تتحرك على الركح... أو الورق، وأخرى تنبعث من الحكي وما يؤثثه. ففي كل محطة تريد أن تسترد فيها أنفاسك من تعب طي الصفحات تجد ما يغريك في تتبع المسير، فإغراء وراء آخر إلا أن تلج هذا "العالم".

 

 فمن روايات (الغريب، المقصلة، السقطة، الطاعون، الإنسان المتمرد، الموت السعيد، المنفى والملكوت، السقوط..) إلى مسرحيات (كاليجولا، سوء تفاهم، الحصار، العادلون...) يتشكل عالم ألبير كامي المكتنز بالأسرار، المملوء بالإدهاش إلى حدود التخمة.

 

وعليه، فليس بمقدور هذه الورقة الإلمام بهذا "العالم" -ولا بمقدورنا نحن أيضا الولوج إليه-، ولكن ما ترومه (الورقة) هو الوقوف عند محطة من محطات تلك الطريق المؤدية إليه، ألا وهي محطة/ رواية "الطاعون" على اعتبار أنها شكلت من هذا الوباء عملا فنيا نال شهرته إبان صدوره، ولم ينقطع صيته من عالم الأدب العالمي، بل ازداد شيوعه مع ظهور وشيوع فيروس "كورونا المستجد" كما تظهر ذلك الإحصائيات المتتبعة لسوق الكتاب وتداوله .

 

لم تكن حياة صاحب رواية "الطاعون" رغم قصرها (1913- 1960) حياة هادئة مطمئنة، بل كانت قاسية في بدايتها، إذ هو سليل أسرة فقيرة استوطنت ببلدة مندوفي في الجزائر (مقاطعة القسطنطينة)، عرف اليتم منذ فتح عينيه إثر وفاة والده في إحدى معارك الحرب العالمية الأولى، فربته أمه التي كانت تشتغل منظفة في البيوت، ورغم ذلك لفت إليه الأنظار منذ صغره نظرا لتفوقه الدراسي، مما أهله لنيل منحة دراسية لإتمام دراسته في شعبة الفلسفة، والتي كانت مدخلا لتشكيل "عالمه"  الذي كانت حصيلته مرجعيته ذخيرة فكرية وأدبية استحق عليها جائزة نوبل للآداب سنة 1957. وكان آنذاك قد صدرت له رواية "الطاعون" سنة 1947 مما جعل الكثير من النقاد ومؤرخي الأدب يعتقدون أنها بمفردها نال عنها هذا الاستحقاق.

 

منذ العنوان "الطاعون" ينفتح أفق انتظار القارئ على استعداد للتلقي ممزوج بالخوف والهلع وبرائحة الموت أيضا، وحيث الصراع من أجل الحياة بمختلف تلاوينه. هي ذي الأجواء التي تلملمها الرواية في فصولها الخمسة المشكلة لها. إذ منذ فصلها الأول تطوح بالقارئ في فضاء كل مؤشراته توحي بالكارثة، فالزمن هو (...194) بدون تحديد مضبوط للسنة وهذا يحيل على الحرب العالمية الثانية وعواقبها، والمكان (وهران الجزائر). تحضر في الرواية مدينة (قبيحة.... بلا حمام ولا أشجار ولا حدائق...) "ص 1"، فهذه الأوصاف لا تستدعي اطمئنانا، بل هي تنذر بالموت بالتقسيط، وأحيانا بالموت بالمجان (حتى ولو كان موتا عصريا) "ص 7". بهذا الاستدراج الفني يصحب السارد القارئ إلى تتبع مسار الرواية حيث تظهر شخصية الدكتور "برنار رييو" الذي بحس الطبيب وتوجسه لم يرتح لما اعتبره الناس العاديين -البواب ميشيل- حدثا عرضيا، إذ لاحظ أن الجردان بدأت تتساقط ميتة في أزقة وشوارع المدينة، ثم أن بواب العمارة نفسه أصيب بحمى شديدة ثم سرعان ما فقد الحياة. وبعد لقاء الدكتور "رييو" بصديقه الدكتور "كاسيل" ومناقشة ما يقع في المدينة أيقنا أن وباء الطاعون بدأ يستشري في أرجائها .

 

انتشر الخبر ضاجا في المدينة، كما انتشر الوباء فتكا في الناس. تتدخل السلطة لفرض إجراءاتها الاحترازية فتضع المدينة في عزل مفروض، امتلأت المستشفيات بالمصابين،  وحجر الناس على أنفسهم في بيوتهم خوفا من الموت الذي نشر ظلاله على السرد حيث بدأت شخصيات الرواية في الكشف عن وجهها ومكنوناتها، عن قوتها كما عن ضعفها. بحيث تبدو أحيانا شخصيات "حقيقية" إما في انسجام أو تناقض مع بعضها. وأحيانا أخرى مجرد أفكار تتصارع في بينها. (الدكتور رييو رمز صوت العلم، والقس بانلو صوت الدين -ريمون رامبر- الذي يؤمن بالخلاص الفردي في محاولاته للخروج من المدينة لملاقاة زوجته بباريس -كاترو- صوت تجار الموت والكوارث الذي اغتنى من الوباء، وأقدم على الانتحار عندما بدأ الوباء يعلن انسحابه من وهران)...

 

ورغم السوداوية التي طغت على الفصول الأربعة للرواية، إلا أن الفصل الخامس فتح كوة من الضوء بحدر شديد، دون أن يشرعها، ليعلن انتصار الأمل على الخيبة، وانتصار الحياة على الموت .

 

تجدر الإشارة إلى أن هذه الرواية قد قرأت ومنذ صدورها قراءات متعددة نظرا لبذخها الدلالي، وأمام هذا التنوع  فيكفي أن نشير منه إلى اثنين:

- القراءة ذات الخلفية السياسية:  إذ اعتبر الطاعون في الرواية رمزا لألمانيا النازية التي غزت فرنسا، وما نشرته من رعب وقتل. وأن شخصيات الرواية ترمز في ردود أفعالها في مواجهة الوباء إلى مختلف ردود الشعب الفرنسي اتجاه الغزو الألماني.

- القراءة ذات الخلفية الفكرية: كما أنها قرأت أيضا من منظور فكري على أساس أنها ليست إلا لبنة من لبنات بناء نسق فلسفي لفلسفة العبث التي ينتمي إليها ألبير كامي، وبشر بها في محتل أعماله .

 

عود على بدء:

رغم أن رواية "الطاعون" مر على صدورها أكثر من سبعة عقود، إلا أنها ما زالت تحظى بقراءات/ مقاربات نقدية جديدة، بل أن ظهور وانتشار فيروس "كورونا المستجد " أعادها من جديد إلى الواجهة وأصبحت تحتل إما مراكز متقدمة أو الصدارة في قائمة المبيعات، إذ أنه في بريطانيا مثلا ارتفع عدد مبيعاتها بنسبة 150 في المئة، في حين أنه في إيطاليا ارتفع بنسبة 300 في المئة، و قس على ذلك في باقي الدول الأوربية. مما جعل مقاربتها حاليا تدخل في باب المقارنة بين ما يعيشه الإنسان اليوم وبين أجواء ما عاشته شخصيات الرواية...