الجمعة 10 يوليو 2020
كتاب الرأي

محمد المذكوري: بدائل الحق في العطلة والتخييم

محمد المذكوري: بدائل الحق في العطلة والتخييم محمد المذكوري

في ظل الجائحة التي فاقمت حالات القلق الفردي والجماعي والفئوي، وزادت في ضغط أعصاب الآباء والأطفال على حد سواء في مواجهة رتابة الحجر وضغوطات نظام الدراسة عن بعد بدون توقف في مرحلة أولى، وبدون آفاق في المرحلة الثانية وبدون نتائج ملموسة في الأخير، وبدون توقف أو عطلة؛ توضحت الحاجة إلى ترفيه منظم وتربوي، حاجة تنطلق من الرغبة في التغيير وضرورة تنويع الحياة، لأهمية الترفيه في خلق توازن وتكامل مع الوسائل الأخرى المتوفرة، وإن كانت هذه الحالة التي حلت بالنسبة للبعض باعتبار توفره على إمكانيات ذاتية مادية ومجالية بالأساس، فإنها بالنسبة لفئة عريضة لم تحل بالشكل المطلوب باعتبار ضعف إمكانيات الربط الالكتروني أو انعدامه، لاعتماد أغلب البدائل على تواصل جماعي عن بعد بآليات وعن طريق منصات لا يتوفر عليها الجميع، ومن جهة أخرى لم تؤد النتائج المرجوة لسوء تدبيرها وخلطها لمواد جاهزة ومستنسخة بدون هدف ولا مضمون وكذا لاعتماد أغلبها على صيغ فردانية للتفرج فقط بكل سلبية وبدون مشاركة الآخرين عن قرب أو عن بعد.

 

وإذ يعتمد التنشيط التربوي الهادف على عنصر الجماعة التي فقدت في مبادرات التنشيط عن بعد، لصعوباتها، فإن سلبيات التنشيط عبر منصات افتراضية وتفاعل عن بعد يفتقد الحميمية، طغت على أغلب الأعمال، ولم تعد إلا صيغ الإعجاب (LIKE/J’AIME) بدون أحاسيس ولا عواطف وبقدر نفاق اجتماعي مضاعف وإغراق في الافتراضية، وتم الترويج ضمن هذا التنشيط لـ "نشاطات" مستنسخة وغير منسجمة وغير متوازنة وغير متكاملة وهي شروط التنشيط التربوي السليم.

 

والآن ينتهي الحجر في صيغته المطولة، وننتقل إلى تدرج غير واضح للعودة إلى الحياة "الطبيعية"، وتنتهي الدراسة بدون الخروج إلى عطلة وبكل تأكيد بدون سفر لا جماعي ولا فردي، ولا يستطيع أي جهاز عمومي أو خصوصي تحضير وتنظيم مخيمات ومصطافات الآن على نفس النمط لجماعات الأطفال والشباب المعتادة على ذلك، لضرورة التقيد بمعايير فرضها الوباء على السلوكات الجماعية مستقبلا، من انتظار الدور للولوج إلى تعامل أو خدمة، تقليص التجمعات حتى يتم التحكم في المتجمعين من الناحية الصحية الوقائية، تكثيف النظافة الفردية والجماعية والوقائية، التقليص من التنقلات الفردية والجماعية وضبط المخالطين...

 

ولكن وجب على الفاعلين تنظيم أمرهم، قبل أن يقع "الفأس في الرأس" وتلغى الاعتمادات بجرة قلم يستلزم نصف سطر في الميزانية المعدلة والمخصصة للموضوع، وهي التي لم يصرف منها شيء إلى الآن، فلا حق لأي كان بإلغاء العطلة ولا مكتسباتها من الحق في التخييم الجماعي، ولا حق لأي كان بالتخلي على نشاط له فعاليته بحكم ترتيب مجحف لمردوديته أو ثانويته بالنسبة لأشياء أخرى. إن كل القطاعات لها أهميتها ولو بدرجات مختلفة ولكننا اليوم نوضح أننا -بمناسبة الحجر وتحضير النموذج التنموي الجديد- نحتاج لدعم مستقبل البلاد وحاضره بدعم أطفالنا، صحيا بكل تأكيد، وكذا تربويا ونفسيا واجتماعيا، وعلى القطاعات الحكومية سلك أحسن الطرق وليس أسهلها، فالتخلي عن نشاط ما واستبعاده بأي حجج كانت هو السهل الآن، ولكن البحث عن حلول ملائمة يطرح اليوم على مستويات الفاعلين الحقيقيين على الناشطين والمنشطين الجمعويين والتربويين القيام بما يلزم من أجل ضمان الحفاظ على مكتسبات الطفولة المغربية في عطلة ومخيمات أصبحت مسؤولية الجميع ولم تعد امتيازا لأبناء البعض، وإبداع صيغ أخرى للتنشيط البديل.

 

لدينا مؤسسات تربوية مختلفة ولدينا منشطون وأطر في القطاع العمومي والمجتمع المدني في كل أنحاء البلاد متطوعون ومستخدمون، ولدينا معايير متفق عليها ومعروف فعاليتها وقيمتها العلمية حتى في حالة استمرار منع التنقلات والسفر بين الأقاليم والجهات، فلنعمل على زرع بسمة أمل بتنظيم مخيمات يومية مثلا -بدون مبيت ولا سفر (ولو أن له متعة خاصة في نفوس الأطفال.)- من نوع تنشيطي متميز بعدم التكدس ومحدد بعدد المستفيدين منها وبتباعد اجتماعي لائق، ولنفتح أبواب مؤسسات الشباب والرياضة والثقافة والدور الجماعاتية لنشاطات تربوية تروح وتفيد أطفالنا وشبابنا وتساهم في تجاوز الأزمة النفسية والمجتمعية الحالية لمئات آلاف الأطفال والشباب.

 

وعندما انطلقت تجارب التنشيط عن بعد كمبادرات جريئة لبعض الهيئات وأطرها على منصات التفاعل الاجتماعي ، لقيت استحسانا لدى العاملين والآباء ووفرت جهدا مضنيا لاختيار اللائق من عدمه والصالح لتمضية وقت فراغ ثمين وكبير، واستطاعت منصات التنشيط عن بعد في وقت قليل أن تصبح شريكا حياتيا للأطفال والشباب في حجرهم وخلقت توازنا ولو أنه مضطربا في بعض الأحيان مع الحياة المدرسية عن بعد والمنزلية التي لم يتعود عليها أغلب الأطفال ولا حتى الآباء، واليوم يمكن لهذه التجربة أن ترقى إلى إنتاجات تربوية لائقة وذلك بدعمها وتشجيعها ماديا باعتبار أن أغلبها ينهل من مواقع وآليات مقرصنة ويعتمد على ترقيع هاوي (بريكولاج)، والدعم المطلوب يمكن أن يكون ماديا أو بالتكوين أو بتوفير الآليات والبرامج الملائمة، وعند فتح المجال المنظم سترقى الأعمال والمنتجات إلى مراتب تضاهي الانتاجات الشائعة.

 

كما يمكن استغلال هذه الفرصة التي لا تعوض بالإسراع في خطط تكوينية ملائمة لمنشطي المخيمات التربوية الصيفية وغيرها من تجمعات الأطفال واليافعين والشباب، في الميدان الذي أجمع الجميع على أنه يحتاج إلى منظومة جديدة يمكن التحضير لها بالقيام بدراسات حول الحاجيات الأساسية والتكوينية في أفق أطلاق وبناء مدارس تكوينية للتنشيط التربوي معترف بها وبنتائجها الفكرية والتربوية لدعم نشاطات التربية والتثقيف الجماعي للأطفال وعموم البالغين.

 

وسيكون كل هذا وربما غيره، ممكنا بالحفاظ وتحويل اعتمادات المخيمات والتغذية بالأساس، والتي لن تبرمج إلى دعم المجهودات التربوية هذه التي أشرنا إليها وإصلاح المنشئات الحالية وترميمها وتوسيع برنامج التجديدات والبناءات المقررة لهذه السنة بما يلائم من هياكل تحفظ للناشئة الكرامة والحماية اللازمة صحيا وتربويا في المستقبل.