الجمعة 29 مايو 2020
فن وثقافة

عبد الفتاح المسودي : "الكوليرا" تكسر بنية الشعر العربي(2)

عبد الفتاح المسودي : "الكوليرا" تكسر بنية الشعر العربي(2) الشاعرة نازك الملائكة والأستاذ عبد الفتاح المسودي

يقف العالم اليوم مشدوها أمام جبروت "الكوفيد19"، جبروت عدو غير مرئي، عدو كان خارج حسابات وتوقعات دهاليز داهقنة السياسة والاقتصاد، والذين حيال عجزهم أمامه أصبح كل ما في متناولهم هو ترويج سلعة بائرة من اللغو لم يعد الناس يعيرونها أي اهتمام . رغم تسخيرهم لكثير من الأبواق الإعلامية التي مل الناس متابعة زعيق تفاهاتها التي سقط عنها القناع و بهت طلاؤها المزيف الذي كان يحجب الحقيقة التي استيقظ على هولها الجميع . حيث اكتشف الإنسان أنه كان ضحية خطابات جعلته يعيش في طمأنينة مزيفة و حصانة وهمية من عوائد الزمن والتي كان ضامنهما الأساس التقدم العلمي والتجريب التكنولوجي .

لا يعتبر هذا تقليلا من أهمية البحث العلمي ، ولا من دينامية التجريب التكنولوجي و لكن هو تنبيه إلى أن توظيفهما كان و مايزال الآن بعيدا عن خدمة الإنسان و ضمان عيشه في كرامة. بحيث ، و نتيجة لطبيعة النظام الاقتصادي السائد في العالم فإن توظيفهما ـ العلم و التكنلوجيا ـ كان من أجل إخضاع الإنسانية لمنطق الإكراه و التسلط و ذلك بالتحكم في عواطفها و رغباتها خدمة لنظام اقتصادي مبني على الاستهلاك.

هل يمكن اعتبار هذه الرجة التي يعيشها إنسان اليوم إ حدى فوائد "كورونا" ؟

قد يبدو من الصعب ، بل بالأحرى من غير اللائق الحديث عن فضائل أي و باء ، و خاصة فيروس كورنا الذي ما زال ينشر الهلع في الناس ، بحيث إذا طرحنا سؤالا بشكل تلقائي : ماذا تخلف الأوبئة وراءها ؟

الجواب الذي قد يبدو بديهيا و لن يتلعثم اللسان لكي ينطقه ، هو أن الأوبئة لن تخلف إلا انتشار الموت و ما يشيعه من أحزان ، و الإحساس بالخوف و الرعب و ما يسببه من أزمات نفسية. في حين أنه قليلا ما يتم الانتباه إلى أن هذا الجو الجنائزي و ما يصاحبه من هلع قد يكون أيضا دافعا للإنسانية لمراجعة أفكارها ، و معتقداتها ، و تصوراتها حول ذاتها و حول الكون وهذا ما يلاحظه المتتبع اليوم في الرجة الفكرية و القيمية التي أحدثها فيروس كورنا عند جميع فئات الشعوب عبر مختلف أرجاء المعمور . كما أن هذا الجو المأتمي و ما يرافقه من حزن و ألم قد يتحول إلى طاقة إبداعية خلاقة ستمنح/ و منحت للإنسانية أعمالا فنية ما تزال خالدة نظرا لميسمها الجمالي الذي صاغت به الحدث / الوباء .

إن الأدب الإنساني خلق تراكما إبداعيا سواء شعرا أو سردا من النصوص التي تناولت موضوع الأوبئة مما جعل مؤرخو الأدب يصنفون هذه الأعمال ضمن ما أسموه ـ أدب الأوبئة ـ .

و فيما يلي التفاتة إلى هذا الموضوع من خلال التعريف بمجموعة من الأعمال الإبداعية التي عادت إلى واجهة الإهتمام إعلاميا على صفحات الجرائد و المجلات الإلكترونية ، و أيضا على صفحات و سائل الاتصال الاجتماعي .

و تجدر الإشارة إلى أن هذه الالتفاتة ليست قراءة نقدية لهذه الأعمال ، و لا تحليلا لها بقدر ماهي معلومات ليس لي في أغلبها إلا فضل التجميع و أحيانا التمحيص و الفحص و الغربلة ، إذ ما هي إلا عصارة لقراءات متنوعة ـ في زمن الحجر الصحي ـ وددت أن أتقاسمها لكي لا تبقى حبيسة الذاكرة و المذكرة الشخصية .

"الكوليرا" تكسر بنية الشعر العربي (2)

قبل سنة 1947 لم تكن "القرين" سوى قرية من بين آلاف قرى مصر، حيث كان يعيش الملايين من الأهالي عيشة بسيطة يدبرون أيامهم و لياليهم على شظف العيش في طمأنينة البسطاء ، و فجأة انقلبت هذه الطمأنينة إلى فزع ، وأصبح اسم " القرين" ..متداولا على الصفحات الأولى للجرائد....و على رأس الأخبار عبر أمواج الأثير، مقرونا بصفة "قرية الموت" بحسب وصف الصحفي محمد حسنين هيكل في تغطيته الصحفية وهو يزور القرية باعتبارها بؤرة تفشى فيها فيروس "الكوليرا" الذي بدأ ينتشر متخطيا حدود القرية..و معه ينتشر الهلع..و ينتشر الموت أيضا، إذ بلغ عدد الموتى حوالي 10276 من أصل 20805 حالة مسجلة .

أمام هول هذا العدد من الموتى ، أصبحت أنظار العطف العربي متجهة إلى مصر، و كان هناك في العراق من لم يكتف بالتعاطف البارد و هو يتتبع الأخبار. أخبار الفيروس القاتل و هو يفتك بالضحايا رجالا و نساء ...صبايا و شيوخا ....كانت هناك في العراق الشاعرة نازك الملائكة تلتقط هذه الأخبار لا بحاسة السمع فقط ، و إنما بالإحساس الشعري حيث الإنفعال و التفاعل. لذا فلم تكن أعداد الموتى تعنيها كأرقام ، و إنما ما كان يؤلمها هو ما تخلفه من ألم :

( عشرة أموات ، عشرونا / لا تحص ، أصخ للباكينا / اسمع صوت الطفل المسكين / موتى موتى ، ضاع العدد / موتى موتى ، لم يبق غد / )

هذا الإحساس بالألم هو الذي صيغ شعرا دافقا و صادحا يكسر حدود الجغرافيا ...

( الموت ، الموت ، الموت

يا مصر شعوري مزقه الموت )

و هذا الشعور الممزق بالموت هو الذي انبعث قصيدا لم تستوعبه "القوالب" الجاهزة للقصيدة العربية فتدفق يكسرها باحثا عن فجوات يتسرب منها أنينا صادقا .

في هذا الجو المشحون بالموت ، و بالشعر أيضا و لدت قصيدة "الكوليرا" و هي تعلن ميلاد تجربة شعرية جديدة في الشعر العربي، قوامها تكسير بنية الشعر العربي من نظام الشطرين، و و حدة الوزن و القافية ، إلى ماسمي تسميات مختلفة . الشعر الحديث ، شعر التفعلة ، الشعر الحر .

إن ولادة القصيدة الحديثة لم تكن ولادة قيصرية ، احتاجت إلى المشرط و المبضع ، وإنما كانت ولادة بمخاض طبيعي ومن رحم الإبداع الخصب ألا وهو الألم و الإحساس المرهف الصادق المخضب بجمالية الشعر .

تقول نازك الملائكة عن تجربة كتابة قصيدتها "الكوليرا" ـ انتشر و باء الكوليرا في مصر الشقيقة ، و بدأنا نسمع الإذاعة تذكر أعداد الموتى يوميا ، و حين بلغ العدد ثلاثمائة في اليوم انفعلت انفعالا شعريا ، و جلست أنظم قصيدة استعملت لها شكل الشطرين المعتاد ، مغيرة القافية بعد كل أربعة أبيات أو نحو ذلك، و بعد أن أنهيت من القصيدة ، قرأتها فأحسست أنها لم تعبر عما في نفسي ، و أن عواطفي مازالت متأججة ، وأهملت القصيدة و قررت أن أعتبرها من شعري الخائب (الفاشل)، وبعد أيام قليلة ارتفع عدد الموتى بالكوليرا إلى ستمائة في اليوم ، فجلست ، ونظمت قصيدة شطرين ثانية أعبر فيها عن إحساسي، و اخترت لها وزنا غير القصيدة الأولى، و غيرت أسلوب تقفيتها ظانة أنها ستروي ظمأ التعبير عن حزني، و لكني حين انتهيت منها شعرت أنها لم ترسم صورة إحساسي المتأجج ، وقررت أن القصيدة خابت كالأولى، وأحسست أنني أحتاج إلى أسلوب آخر أعبر به عن إحساسي، وجلست حزينة حائرة لا أدري كيف أستطيع التعبير عن مأساة الكوليرا التي تلتهم المئات من الناس كل يوم .

وفي يوم الجمعة 27/10/1947 أفقت من النوم، و تكاسلت في الفراش استمع إلى المذيع و هو يذكر أن عدد الموتى بلغ ألفا، فاستولى علي حزن بالغ ، و انفعال شديد ، فقفزت من الفراش ، و حملت دفترا وغادرت منزلنا الذي يموج بالحركة ....و كان إلى جوارنا بيت شاهق يبنى ، وقد وصل البناؤون إلى سطح طابقه الثانية ، وكان خاليا لأنه يوم عطلة العمل ، فجلست على سياج واطئ ، وبدأت أنظم قصيدتي المعروفة الآن "الكوليرا". وكنت قد سمعت في الإذاعة أن جثت الموتى كانت تحمل في الريف المصري مكدسة في عربات تجرها الخيل ، فرحت أكتب و أنا أتحسس أقدام الخيل.

(سكن الليل / اصغ ، إلى وقع صدى الأنات / في عمق الظلمة ، تحت الصمت ، على الأموات )

و لاحظت في سعادة بالغة أنني أعبر عن إحساسي أروع تعبير بهذه الأشطر غير المتساوية الطول ، بعد أن ثبت لي عجز الشطرين عن التعبير عن مأساة الكوليرا .

إن هذا النص ، بالرغم من طوله كاستشهاد ، إلا أنه بدا لي تعبير صادق عن تجربة شعرية عاشت الشاعرة نازك مخاضها العسير وهي ترتق القصيدة التي كسرت بنية الشعر العربي، ليس رغبة أو إصرارا في تحطيم القيود ، و إنما بحثا عن متنفس للتعبير عن هذا الجو المأساوي المشحون بالألم و الأنين، و البكاء ...والموت أيضا . و هذا ما يحس به القارئ وهو يتابع نبض "الكوليرا" على بحر الخبب.

عود على بدء :

تلك هي حكاية قصيدة "الكوليرا"، و لأنها انبثقت من شيوع الوباء ، فإن "عدواها " تفشت في ما زامنها وما تلاها من شعر أصبح يطلق عليه بالمصطلح النقدي شعر" تكسير البنية"

ـ "هناك خلاف بين النقاد و مؤرخي الأدب حول ريادة هذه التجربة الشعرية بين الشاعرة نازك الملائكة و الشاعر بدر شاكر السياب ، و لكن نظرا لطبيعة هذه الورقة وخصوصيتها ارتأينا عدم الدخول في هذا الخلاف" .

ـ عبد الفتاح المسودي فاعل تربوي