الأحد 5 يوليو 2020
كتاب الرأي

أمين جلال: المحاكمة عن بعد.. شكرا السيد الحاسوب المحترم

أمين جلال: المحاكمة عن بعد.. شكرا السيد الحاسوب المحترم محمد أمين جلال
لا شك أن التطور التكنولوجي والتقدم الرقمي له ميزاته وحسناته على حياة الأفراد داخل المجتمع، نعم إنه عصر السرعة والرقمنة وعصر العالم الافتراضي.
إلا أن الواقع يلاحق الافتراض عندما تكون واقعة ما تكتسي طابع الجناية أو الجنحة، ملموسة كانت أو افتراضية، فتبدأ المحاكمة لترجع الفاعل إلى الواقع باعتقال، ووضع تحت تدابير الحراسة النظرية ثم متابعة فإيداع بالسجن، وهي أمور ليست افتراضية، بل حقيقة ملموسة واقعية لا يدركها جيدا إلا المعني بالأمر وذووه، أكثر من باقي المتدخلين في الإجراءات المذكورة سلفا، والتي تبقى بالنسبة لهم مجرد ملف أو رقم تسلسلي لشكاية أو محضر.
فالأمر حقيقة مرتبط بحرية فرد من المجتمع، الأصل فيه البراءة إلى أن يثبت العكس.
لماذا هذا الكلام اليوم؟
هو تذكير بالبديهيات بالنسبة لرجال ونساء القانون وكذا من الواضحات بالنسبة لحقوقيي هذا الوطن، لأن أي مس بالمحاكمة وظروف إجراءها لا يجب أن ينظر إليه من زاوية النجاعة والمردودية والتباهي والتسابق إلى الرقمنة قبل غيرنا من الدول المتقدمة أو النامية، وخير دليل على ذلك، هو أن جميع الدول المتقدمة وبما لها من قدرات تكنولوجية عالية الدقة والتمكن، لم تلجأ قط إلى محاكمة معتقليها عن بعد، رغم المخاطر التي- في بعض الأحيان- يعرفها نقل المعتقلين شديدي الخطورة من المؤسسات السجنية إلى المحاكم، باعتبار انتمائهم لمنظمات إرهابية أو لعصابات الجريمة المنظمة العابرة للقارات، إذ من شأن عملية نقلهم أن تعرف اختطافا أو هروبا أو محاولة اغتيال، و رغم ذلك تسخر تلك الدول ميزانيات ضخمة وتخلق أجهزة أمن متخصصة في نقل المعتقلين - على سبيل المثال لا الحصر فريق التدخل والحماية بفرنسا والمعروف اختصارا بـ (ERIS)وهي كلها مجهودات لتأمين نقل السجناء إلى محاكماتهم ليكونوا أمام الهيئة القضائية أو هيئة المحلفين التي ستنظر في ملفاتهم ولم يتم اللجوء إلى محاكمتهم عن بعد، رغم ما لذلك من إدخار للوقت والجهد والأموال وحفظ للأرواح، إيماناً من تلك الدول بأن محاكمة الأفراد لا يجب أن تتم بوسائط كيفما كانت الإكراهات.
فالأمر يتعلق بإنسان يحاكم وربما بمأساة أسرية وراءه، و"ليس من وصل إلى القمر قبل الآخر".
فهل ستكون الشاشة وفية بما فيه الكفاية بما تظهره عن المتهم؟ وهل نبرة صوته وشخصيته يضمنها المكرفون الموضوع أمامه.
وهل يمكن للزنزانة الباردة أن تعوض دفء قاعة المحكمة وهي تعج بالجمهور وركة البدل السوداء التي تحف المتهم وتضمن له طمأنينة، ولو نسبية، فيما يدلي به من تصريحات ستعتبر إقرارات قضائية تلزمه وتؤثر لا محالة على مركزه القانوني.
فكيف للقاضي أو تلك الهيئة الجماعية أن يُكَوِّنوا ذلك الإقتناع الوجداني الصميم الذي تحدث عنه المشرع الجنائي وجعله في مركز الأسباب الصانعة للحكم القضائي، في غياب ذاك التفاعل الإنساني المنتج للقناعة والذي يتمخض حتما عن التواصل المباشر بين هيئة الحكم والمتهم.
هل برودة الكاميرات والشاشات يمكنها تعويض الإنسان وما هيته؟
كلها أسئلة يطرحها الواقع وليس الإفتراض.
وأنا أفترض أنه قد فات الأوان لأن التسابق حول السبق الرقمي يغلب على النقاش الفلسفي الهادىء، هل سنرى يوما محاكمة رقمية بذكاء اصطناعي وسنقول عوض سيدي الرئيس، السيد الحاسوب المحترم.
لايمكننا أن نكون ضد التطور وأن نستغل التكنولوجيا ونسخرها خدمة للبشرية وفي الميدان القضائي خصوصا، ففي ذلك حقا إيجابيات لا تعد ولا تحصى، في السرعة والسلاسة الإجرائية وفي إصدار الأحكام وتشجيع المقاولات بالرفع من منسوب الثقة لديها في القضاء...إلخ
لكن هذا التطور نراه صالحا وسهل التنزيل في مواد تتعلق بالإستثمار والقضايا المادية الصرفة مدنية كانت أو تجارية أو إدارية، أما ما تعلق بالإنسان وأفعاله الشخصية التي يساءل عنها في حريته ووجوده أصلا (حكم بالمؤبد أو الإعدام ) كذا بالنسبة للمآسي الاجتماعية من جرائم العرض والأحداث… وما شابه، فلا يمكن اختزالها في مجرد مناقشة عن بعد وراء شاشة إلكترونية ستحسم الأمر بين الجاني والمجني عليه ومطرقة الحكم القضائي.
وكان المتهم آخر من تكلم.
محمد أمين جلال، محام بهيئة الدارالبيضاء، عضو مكتب جمعية المحامين الشباب بالدارالبيضاء