الخميس 6 أغسطس 2020
سياسة

محمد الأمين: لمواجهة كورونا، اختارت الدولة شعار "الحق في الحياة للمواطن" قبل كل شيء

محمد الأمين: لمواجهة كورونا، اختارت الدولة شعار "الحق في الحياة للمواطن" قبل كل شيء محمد الأمين مع خلفية كورونية

يرى محمد الأمين، أستاذ القانون الخاص والعلوم الجنائية بالكلية متعددة التخصصات/ تازة جامعة سيدي محمد بن عبد الله، أن تمديد الحجر الصحي الذي اتخذته الدولة يعتبر شرا لا بد منه من أجل حماية أسمى حق، وهو -في النهاية-، الحق في الحياة؛ رغم الآثار السلبية التي ستترتب عنه إذا ما نظرنا إليه من زاوية تأثيره على نواحي عديدة اقتصادية، اجتماعية و حتى مساسه بالحريات الفردية.. مشددا على أن المشرع المغربي كان أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يقيد من الحريات الفردية للمواطن، وإما أن يتجنب المساس بها، مع ما سينتج عنه -كأمر حتمي- من تفشي وباء كورونا المستجد (كوفيد 19) بين المواطنين وتعريض صحتهم، بل وحياتهم للخطر.

 

+ هناك من يرى أن الحجر الصحي تقييد الحريات الفرية من خلال أحكام حالة الطوارئ الصحية، والتي ستقارب الشهرين عند نهاية المرحلة الثانية؟

- إن هدف أي تشريع جنائي في العالم لا يتجلى فقط في تحديد الأفعال والسلوكيات المنافية لقيم المجتمع والتي يسعى لحمايتها من خلال عمليتي التجريم والعقاب، بل هو أعمق من ذلك، إذ يكمن في إيجاد التوازن المنشود لمعادلة صعبة يوجد في إحدى كفتيها حماية الحريات الفردية للمواطنين وفي الكفة الأخرى حماية المجتمع وقيمه المشتركة. في الحقيقة هذه معادلة صعبة، والحفاظ على التوازن فيها كمن يحاول أن يمسك بشعرة معاوية التي يجب أن تبقى مستقيمة وألا تتقطع. الشاهد عندنا هو صعوبة تحقيق التوازن بين طرفي المعادلة فكلما حاول المشرع أو السلطات الحفاظ على جانب، فإن الجانب الآخر قد يتضرر. ولنا في التدابير التي يتضمنها مرسوم 23 مارس 2020 والتي يحميها بعقوبات زجرية منصوص عليها في المادة الرابعة منه خير مثال، فالمشرع المغربي كان أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن يقيد من الحريات الفردية للمواطن، وإما أن يتجنب المساس بها، مع ما سينتج عنه -كأمر حتمي-من تفشي وباء كورونا المستجد (كوفيد 19) بين المواطنين وتعريض صحتهم بل وحياتهم للخطر. أمام هذه الجائحة اختارت الدولة وبدون تردد قولا وفعلا شعار الحق في الحياة للمواطن قبل كل شيء.

 

+ منذ بداية حالة الطوارئ الصحية تم اعتقال العديد من المواطنين خرقوا الحجر الصحي في العديد من المدن، هل كنا في حاجة إلى التجريم من خلال مرسوم 23 مارس 2020؟

- هذا سؤال وجيه، وبالخصوص في هذه الظرفية: نعم، بالفعل نحن في حاجة إلى مثل هذه المادة الرابعة التي تحمل في طياتها مقتضيات زجرية وذلك لسببين بسيطين وأساسيين: السبب الأول هو أن مجموعة من التدابير والتي في أغلبها تحد من الحرية الفردية للمواطنين والواردة في المرسوم لا تدخل تحت طائلة الأفعال المعاقب عليها بمقتضى القانون الجنائي الحالي، بل فرضتها حالة الطوارئ الصحية من بينها، مثلا ما يتعلق بمنع أي شخص من التنقل خارج محل سكناه إلا للضرورة. فمثل هذا المقتضى لا يعرفه التشريع الجنائي الحالي اللهم فيما يتعلق ببعض التدابير التي يتضمنها الوضع تحت المراقبة القضائية، حيث يمكن لقاضي التحقيق أن يخضع المتهم لواحد أو أكثر من تلك التدابير من بينها عدم التغيب عن المنزل أو السكن المحدد من طرف قاضي التحقيق ووفقا للشروط التي يحددها، وشتان بين هذا وذاك، فالفرق شاسع بينهما. فهذا الأخير يسري في مواجهة متهم المفترض أنه ارتكب جريمة في حين أن الأول هو منع يسري على كل مواطن لم يرتكب أي جرم.

 

+ وما هو السبب الثاني؟

- يكمن في الامتثال للمبدأ العالمي لشرعية الجرائم والعقوبات، والتي تترجمها نصوص القانون الجنائي من خلال المقتضى المعروف لدينا بلا جريمة ولا عقوبة إلا بنص؛ دون نسيان القيمة الدستورية للمبدأ الذي ينص عليه دستور يوليوز 2011  في المادة 23  بقوله (لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون). فمن غير العدل إذن، أن يسأل شخص بدون سابق علم عن إتيان فعل أو امتناع يجهل أمر المؤاخذة عليه.

 

+ ما دمنا نتحدث عن الجانب الزجري في المرسوم، ما هي أهم الجرائم التي يمكن لأي شخص أن يجد نفسه أمامها؟

- لا بد من الإشارة إلى أن وصف الجرائم التي تتحدث عنها المادة الرابعة من المرسوم لا تخرج كلها عن نطاق الجنح، وهذه الجرائم هي: جريمة عدم التقيد بالأوامر و القرارات الصادرة عن السلطات العمومية، بمعنى أنه في كل مرة وحسب ما تتطلبه حالة الطوارئ يمكن أن تصدر قرارات عن السلطات العمومية:

° جريمة مغادرة الشخص لمحل سكناه ماعدا في حالات الضرورة القصوى المنصوص عليها في المادة الثانية من مرسوم 24 مارس 2020.

° كل تجمع أو تجمهر أو اجتماع لمجموعة من الأشخاص، مع مراعاة الاستثناءات الواردة بشأنها.

° فتح المحلات التجارية وغيرها من المؤسسات التي تستقبل العموم خلال فترة حالة الطوارئ الصحية المعلنة، مع مراعاة تلك المستثناة.

° كل عرقلة لتنفيذ القرارات الصادرة عن السلطة العمومية المتخذة في حالة الطوارئ الصحية، أيا كانت الطريقة التي تمت بها العرقلة إما بالتحريض أو العنف أو التدليس وأيا كانت الوسيلة إما بالخطب أو الصياح أو المطبوعات أو الملصقات وغيرها من الوسائل المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من المادة الرابعة.

° عدم وضع الكمامة عند الخروج بالنسبة لكل شخص مسموح له بالتنقل خارج مقر سكناه في الحالات الاستثنائية المسموح له فيها ذلك.

كل هذه الجرائم تدخل في نطاق الجنح مع مراعاة العقوبات الأشد، هذا إلى جانب الجرائم المنصوص عليها في مجموعة القانون الجنائي والتي قد تشدد العقوبة، وسأذكر هنا فقط إحداها لعلاقتها المباشرة بحالة الطوارئ يتعلق الأمر بالسرقة البسيطة التي يمكن أن يتغير وصفها لتصبح جناية في الحالة التي ترتكب وفقا لما تنص عليه الفقرة  السادسة من المادة 510، هذا إذا تم تكييف حالة الطوارئ الصحية التي تمر بها بلادنا ضمن الكوارث المنصوص عليها في آخر تلك الفقرة، وهو ما حصل فعلا عندما اعتبرت المحكمة الابتدائية بالقنيطرة جريمة السرقة التي حصلت خلال هاته الفترة  بأنها جناية وحكمت بعدم الاختصاص مع إحالة  القضية على محكمة الاستئناف.

 

+ البعض يرى أن العقوبة الواردة في المادة الرابعة قاسية، ما تعليقك على ذلك؟

- قبل الإجابة عن هذا السؤال، هناك ملاحظة مهمة حول طبيعة هذه العقوبة؛ الجريمة هي جنحة وعليه فالعقوبة يجب أن تكون ضمن العقوبات الجنحية الأصلية المنصوص عليها في المادة 17 من مجموعة القانون الجنائي. ومن قراءة المادة الرابعة يتبين بأن المرسوم حدد الحد الأدنى لهذه الجنحة في شهر والحد الأقصى في ثلاثة أشهر والغرامة من 300 إلى 1300 درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين. وتبعا لهذا التحديد فإن ما يتعلق بالعقوبة السالبة للحرية يعتبر منسجما والقاعدة العامة للعقوبات بالنسبة للجنح. أما بالنسبة للغرامة فمن حيث المبدأ هي تدخل ضمن القاعدة العامة ولكن بالنسبة لمقدارها، فالأمر يستدعي وقفة تأمل. لماذا؟ لأن المعروف أنه بالنسبة للجنح الغرامة يجب أن تزيد عن 1200 درهم والحال أن الحد الأدنى بالنسبة لها في هذا المرسوم هو 300 درهم، بمعنى أن الحد الأدنى للغرامة يدخل في نطاق المخالفات والأقصى في نطاق الجنح. ولا يخفى على كل مهتم بالقانون ما يتعلق بمسألة ضبط الحدود الفاصلة بين الجنح والمخالفات من ترتيب لمجموعة من الآثار بعضها يتعلق بالقانون الجنائي الموضوعي والبعض الآخر بالجانب الإجرائي. قسوة العقوبة من عدمها يمكن النظر إليها من زاويتين نظرية وتطبيقية؛ فإذا نظرنا إليها من الزاوية الأولى والتي تهم مدى نفعية العقوبة، فوظيفة أي عقوبة هو مدى استطاعتها في  حماية المجتمع من شرور الجريمة بمنع مرتكبها  من العودة للإجرام، وبالتالي فبالنظر إلى ما تستهدف العقوبة تحقيقه من ردع عام وخاص يمكن القول بأن العقوبة جد ملائمة، خصوصا أو ما تسعى لحمايته هو صحة المواطن أو لنقل بشكل عام حياة المواطن من خلال منع تفشي الوباء. أما إذا نظرنا إليها من الجانب العملي التطبيقي  فيمكن القول بأنها قاسية بالنسبة لبعض الجرائم المجردة التي كان يجب أن تبقى في نطاق المخالفات وليس الجنح.  يبقى أنه إلى بالرغم من هذه العقوبات المنصوص عليها فإن قسوتها من عدمه يرجع للسلطة التقديرية للقاضي الذي تمنح له نصوص القانون الجنائي (بشروط) إمكانية الحكم بعقوبة أشد أو أخف، هذه الإجازة التشريعية قد تجعل القاضي يحكم بعقوبة جناية في جنحة، والعكس صحيح.