الثلاثاء 14 يوليو 2020
كتاب الرأي

مومر :تحالُف الأحزابِ الشَّعبَوِيَّة ضدَّ البُنوكِ المغربية!

مومر :تحالُف الأحزابِ الشَّعبَوِيَّة ضدَّ البُنوكِ المغربية! عبد المجيد مومر الزيراوي
ملفات حَارِقة وتَحدّيات شاهِقَة وعَلامَات فارِقَة، تِلْكُم تَمثُّلاتُ الوضع العامِ في القادِمِ من الأيامِ. حقًّا سنخرج من الأزمة لكي نقول أن الأحزاب السياسية المغربية لم تكن في الموعد !. وَهَا أنتم تَشْهدون بِأنَّه ليس بيْنَنا حزبٌ رشيدٌ يقدم أفكارا جديدة و يبدع حلولا مفيدة تساعد على الصرامة والتفاؤل في مُلامَسَة الإنقاذ الوطني.
هكذا -إذَنْ- تجد الحزب المتصدر لنتائج الإنتخابات يقود الحكومة المغربية وهو عاجزٌ عن خدمة الوطن والمواطنين، مثلما تجد الحزب الثاني مُعارِضًا دائِخًا عن الإجتِهاد وتقديم بديلٍ واضحٍ للتعاطي مع مرحلة ما بعد فيروس كورونا في المغرب، خصوصا على مستوى استدراك الإنتكاسات الاقتصادية وتوسيع دائرة الإنْفراجَة الاجتماعية.
وإذا كانت السياسة العَقلانِية تنصح الجميع بِمَكارمِ إجْتِناب رذائِل الشّعبوية الهدَّامَة التي يسعى بها دَهاقِنَة العدالة والتنمية وفُلول الأصالة والمعاصرة، الذين ملَّ البرلمان من هَرَج ومَرَجِ لَغْوِهِم وإفتِعالِ التَّهَجُّمِ المشترك ضد مؤسسات بنكية و تشويه سمعتها بتهمة عدم دعمها لجهود الدولة في مواجهة كورونا.
فإنَّ الحِزبين القاصِرَيْن يَقْضِيَّانِ أَوقاتَ الفَرَاغِ السياسي تَائِهَين عن مُلاَمَسَةِ أجوبة المرحلة المقبلة في ظل غياب إستراتيجية إستِشْرَافِيَّة واضحة تُطَمْئِنُ البنوك المغربية و تُشَجِّعُها على لعب الدور الرِيادي والقيادي للخروج من الأزمة الراهنة. بل نَجِدُ كلاَ الحزبين يَعمَدَان إلى دغدغة عواطف بعض الأصوات الإنتخابية عبر استهداف المؤسسات البنْكِيَّة التي تعمل بالمُستطاعِ من الجد والمسؤولية قصد توفير التمويل اللازم للقطاعات المتعددة المتضررة من أزمة كورونا.
إن الإشكال الخطير يتجسد في أن الجاهلية المُدانَة للحكومة المَدِينَة، لا تساعد البنوك المغربية عبر وضعها لخطة عمل تشمل جميع القطاعات المعنية بالتَّحَرك المُشتَرك المُستَعجلِ، أو من خلال طَرحِها خارِطةَ طريقِ أَوَّلِية حول محاور الإقلاع الشامل الذي سيدفع بعجلة الاقتصاد كيْ تُعَاوِدَ الدوران. ممَّا سيسمح للبُنوكِ بضَبْطِ مُعَامَلاتِهَا و المرونة في القيام بِدَوْرها الوطني والتمويلي في مواجهة آثارَ جائحة كورونا التي خَلْخَلَت أركان الاقتصاد العالمي وشَلَّتْ الأسواق وكسَّرت كَفَّتَي العرضِ والطلب.
ويبدو أن تنظيم العدالة والتنمية المُتَصَدِّرَ لنتائج انتخابات ما قبل كورونا، يسير خلال هذه المرحلة الدقيقة، مُخْلِصًا لِعَقيدَته السياسوية الفَتَّانَة عبر إستغلال ميكروفونات البرلمان لتوجيه الإتَّهامَات الشعبوية إلى البنوك المغربية.
وتحت شعار الحملة الإنتخابية السابقة لآوانها يظهر رئيس المجلس الوطني لتنظيم العدالة والتنمية محمد الأزمي بصِفَتِه البرلمانية لكي يُؤَدي دور الأَفَّاكِ الجسور الذي يستهدف تعاطي البنوك مع قرار تأخير سداد القروض للمتضررين من جائحة كورونا. رغم أن حكومة العدالة والتنمية تغرد بلا برنامج علمي-عملي بعيدا عن سرب الإنقاذ الوطني.
ولأنَّنا أمام سلوك سياسوي فاشل لا يَفْقَهُ في الإنقاذ المالي والإقتصادي عَدَا ما يَنْقُلُه من أخبار الفيديوهات الرائجة على مواقع السوشيال ميديا، ولا يأْبَهُ بخطر إنهيار المصارف والبنوك الذي سيؤدي إلى أزمة كبيرة مما يجعل هذه الأخيرة تبدي نوعا من التَّحَفُّظ والتَّحَوُّط المشروع.
فإن محمد الأزمي لن يستطيع الجهر بالحقيقة التي ستكون ماسِخَةً لتنظيم العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة دون بوصلة مُرشِدَة. نعم .. هو لا يستطيع اجتناب شهادة الزور مع الإِقرَارِ أن الوطن المغربي أمام الوضع المستجد في حاجة إلى إستراتيجية جديدة تفرض على الفاعل الحزبي الفاشل مغادرة مواقع القرار الحكومي، لأن فاقد الشيء لا و لن يُعطيه !.
وذلك لسبب بسيط يتَلَخَّصُ في متن العبارة الآتية: أن الأحزاب التي تجهلُ القراءَة العقلانيَّة لِتَداعيات الأزمة، ولا تملكُ تصورا متكاملا لإخراج المغربيات و المغاربة من براثين الركود القادم. هذه الأحزاب ليس لها شرعية ولا مشروعية الإستمرار في تدبير الشأن الحكومي بعد انكشاف قصورها الذاتي و سقوط برنامجها الحكومي، حيث أنها تقود الوطن والمواطنين إلى السقوط في غياهب المصير المجهول !. وإسألوا أهل الإختصاصِ إن كنتم لا تعلمون.
لذا نجد أن حلول الأزمة المُتَشَعِّبَة تنطلق من تَقْوِيم هذا الإعْوِجَاجِ السياسي الحاصل عبر الفسح في المجال أمام فريق حكومي مُؤَهَّل يَستَطِيعُ تدبير الكارثة العامة و يَقْدِرُ على الإحاطة ببرنامج الإنقاذ الشامل. فَكُلَّما طال عمر حكومة العثماني كلَّما إتَّسَع خطَرُ التدبير المَشلول. و كلَّما اتَّسَعت دائرة السجال الفارغ و توريط المؤسسات في صراعات إنتخابوية دون معنى، كلَّما أخلفَ المغربيات و المغاربة موعدَهم مع التاريخ و تَأَخَّروا في النُّهوض من شِرَاكِ الجائِحة و تداعياتها المتعددة الأبعاد.
ولأن مصلحة المواطنات والمواطنين تَتَعارَض اليوم مع الشعبوية الإنتخابوية والجهالة الحزبية. فَيَجِبُ توفير فريق حكومة الإِنقاذ العقلاني الذي يأخذ بعين الإعتبار مصلحة الجميع عند اتخاذ القرارات وعند تنفيذها. بحيث يصبح الهدف الإستراتيجي لمرحلة ما بعد كورونا: تجاوز الركود الإقتصادي القاتل والإنهيار الإجتماعي!.
وذلك عبر تقوية التعاون بين كل الفاعلين، دون السقوط في أَفْخاخِ الهواجِس الضيِّقة لأحزاب بعينها تعمل على حماية "مصالِحِها الإنتخابوية الخاصة" . في حين أن التدابير الحكومية يجبُ أن تعكِس "المصلحة الوطنية العامة" و ذلك لن يتم إلاَّ باعتماد سياسة العقل و العقلانية!.
وحتى لا يُزَايِد علينا دَهاقِنَة و فُلول الإسترزاق الحزبي بالاختباء خلفَ ذرائع إحترام الديمقراطية. فإني أَخْتِم بما قاله المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز في أنّ حديثنا عن العقلانيّة، هنا، لا ينصرف إلى الوجه الفلسفيّ والفكريّ منها، من حيث هي منظومةُ تفكيرٍ مَبْنَاه على العقل، كسلطةٍ معرفيّة، وعلى قوانينه بما هي قواعد منطقيّة صارمة. وإنّما يعنينا منها تجسيدُها الماديّ (السياسيّ)، أي ترجمة نظامها المنطقيّ في العلاقات الماديّة وفي التّنظيم الاجتماعيّ والسياسيّ في صورة عَقْلَنَةٍ لنظام العلاقات تلك.
إنّ العقل نفسَه ليس شيئاً آخر، في معناهُ، سوى التّنظيم و الضّبط والاتّساق. وهلِ الدّيمقراطيّة شيءٌ آخر غير هذا ؟! ؛ غير تنظيم العلاقة بين الفرد و المجتمع، المجتمع و الدّولة، بين المصالح...، بما يُحافظ على وحدة الجماعة السّياسيّة من جهة، وتمكينها من الموارد والأسباب القمينة بتحقيقها التّقدّم من جهةٍ ثانية.
عبد المجيد مومر الزيراوي ،شاعر وكاتب مغربي