الأحد 6 ديسمبر 2020
كتاب الرأي

عبد الغني السلماني : كورونا والجهل المقدس

عبد الغني السلماني : كورونا والجهل المقدس عبد الغني السلماني

في فهم ما وقع !

ما وقع نهاية الأسبوع الماضي (صبيحة يوم الأحد 22 مارس2020 ) يسائلنا جميعا ! كيف أن تخرج العديد من المدن المغربية طنجة تطوان المضيق الفنيدق فاس في لحظة زمنية متقاربة من أجل التكبير؟. لا أدري من دعى إلى مسيرة مقاومة كورونا بتلك الطريقة وبمشاركة رجال، نساء، أطفال وشباب، كلهم صدحت حناجرهم بالتهليل والتكبير للحد من “الجائحة” كما يعتقدون .

نقول أن الروحانية في الأوقات الصعبة سلوك مقبول وأساسي؛ لكن ليس بتلك الطريقة التي يتم فيها استثمار حماس الناس وخاصة الأطفال من أجل أهداف لا يعرفها إلا الداعين إلى ترديد التكبير في كل مكان بهاجس تكسير حصار الحظر الطبي؟

وعليه؛ فإن قرار السلطات في فرض الحجر الصحي على الحالات المشكوك فيها؛ والحظر الطبي على كل المواطنين. هو خطوة جد هامة، كانت تؤطرها رؤية إستراتيجية مكنت البلاد من تجاوز كارثة كانت ستكون قاسية على المواطنين والوطن . وخاصة بعد أن بدأت ترتفع حصيلة الإصابات بفيروس "كورونا" التي وصلت إلى 275 حالة مؤكدة، بعد تسجيل 50 حالة إصابة في يوم واحد مساء يوم الخميس 25 مارس2020.

ذلك أن لغة العلم هي صمدت في شرح الحالات وتقديم المساعدات والنصائح للمواطنين من أجل الانضباط لنداء "خليك في دارك.. تحمي ولادك وبلادك " .

إذا كانت الحروب التي مرت عبر التاريخ كان يُقحم فيها الجنود الذين لم يكن لهم أي عذر للتراجع بحكم تدريبهم وشجاعتهم وتضحيتهم في الدفاع عن الأوطان .الآن أصبح رجال ونساء الصحة وسلطات عمومية ورجال التعليم الذين أبانوا عن تضحية في تقديم الدروس ومتابعة الأوضاع الدراسية لأبنائنا حسب إمكانياتهم وقد كانوا في مستوى اللحظة، في اللحظة التي اختفى فيها مروجو التفاهة والشعوذة الثقافية و الخرافة بأشكالها ..بل أصبح الكل يتطلع لنشرات الأخبار ليستمع للأطباء والخبراء .

من هنا جاء هذا المقال لطرح أسئلة حول المسيرة المجانية من أجل التكبير والدعاء. نقدم فيه قراءة كاشفة، ونحرك ما أتن من مياه راكضة لأننا نريد أن يتحرك الماء تحت الجسر لتستمر الحياة.

نحو فهم حديث لإشكالات العصر:

من حقنا طرح السؤال، كيف لسبع مدن أن تخرج في نفس الوقت و بنفس الطريقة؟؟ من حقنا أن نقول هل الاستعراض في الشوارع والاحتكاك بدون مسافات الأمان .. وترديد الابتهالات سلوك يمكننا من مقاومة الجائحة ؟ نتعبد ونتضرع رغم أن كل التشريعات الدينية والدنيوية تدعوا الناس للاحتياط من الكارثة التي تهددنا جميعا (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (البقرة:) الآية 195.

سلوك غير مقبول الذي أقدم عليه أولئك في تلك الليلة، رغم التوعية ورغم تجنيد كل الإمكانيات التواصلية من أجل حماية المواطنين تحت شعار "بقى في دارك حمي عائلتك والناس" لكن صوت الجهل لا يبالي. وهذا يذكرني بحادثة من كتب التاريخ عندما هزم جيش المغول أمام أسوار حلب، وكان الجيش بقيادة أحد أبناء هولاكو، "فجاء الإبن يشرح لأبيه سبب الهزيمة فقال أن أسوارها مرتفعة ولدى سكانها سلاح قوي ورجالها أشداء . فقال له هولاكو " أنا أعرف سبب الهزيمة يا بني، كل ما في الأمر أنني عينت قائدا كفاءته أضعف من المسؤولية التي أوكلت إليه .

وأضاف مخاطبا إبنه : أنت تعرف ما هو جزاء المهزوم..؟، فصرخت والدته قائلة أتُريد أن تعدِم ولدَك؟ فقال هولاكو: نعم سوف أعدمه في الساحة العامة وأبكيه في المنزل.".

حين يزايد علينا الجهال بالمقدس يكون القانون هو الجدير بقول الفصل رغم أنني لا أقتنع بسلوك هولاكو. لكن على الدولة أن تتدخل من أجل حماية الشعب من أمثال مروجي الجهل وهذه معركة أخرى . ليس هذا وقت للحساب مع المخالفين والمختلفين ، إنها لحظة تتطلب التجميع وحسن الظن بكل أبناء الوطن ، وأنا هنا لا أقصد دعاة الفتنة ، ومن يقف ورائهم أعلم أن هؤلاء ككرة الثلج التي تكبر وتختفي أو تتخفى في جميع مؤسسات الدولة، والعديد من منظمات المجتمع المدني.. لكن الظرفية الراهنة اليوم لا تسمح لنا بتشريح الوضعية أكثر لأن الجميع اختار الإنخراط في معركة جماعية، ضد وباء "كورونا".

وعليه؛ نلتزم الصمت ونؤجل النقد، وندعو إلى التفرغ الجماعي ترسيخا لقيم التضامن والتماسك، ما وقع ليس فلتة من شباب طائش بل هي دعوة من دعاة ورقاة ومتشددين وسماسرة الدين والتدين في سلوك غريب عن الثقافة المغربية الأصيلة المؤطرة بالعلماء والصلحاء وأهل الحكمة والعقل، قبل أن تهب علينا رياح الأسلمة المشرقية التي نسفت قيمنا السمحة ومشتركنا المميز.

مروجو الجهل لا يفهمون، يقولون لا تَخاف من العدوى، في اعتقادهم أنه "لا يستطيع أي فيروس أن ينهي حياة أحد لم ينته أجله ، تحصنوا بذكر الله زمن الجائحة فرصة للعودة إلى الله هكذا يختصرون الحكاية !" ( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) التوبة (51). أكيد أن الله تعالى قادر على تدبير سكنات هذا الكون . هو نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. وأن كل شيء مٌقدر ومَكتوبٌ بأجل.

إن الفهم السطحي للآية (كل شيء مكتوب ليست هناك إرادة للأشخاص) يكرس الثقافة الموروثة باعتبار أن "المكتوب" هو قرار مسبق من الله تعالى بما ستكون عليه حياة كل فرد منا، دون استحضار الأسباب والأحداث التاريخية، وهذا فهم غامض . مجانب للعقل والحكمة ، فالكتاب في التنزيل الحكيم كما قال المرحوم الدكتور محمد شحرور "مؤلف من مجموعة عناصر شكلت موضوع ما، ولا يمكن أن يكون من عنصر واحد، وكل ما حولنا هو كُتب، يحتاج كل منها لاجتماع عناصره كي يتحقق، فالليل كتاب له عناصر عدة والنهار كتاب، والمرض كتاب له آلاف الأسباب التي لا تحصى،" وهذا أكده سبحانه و تعالى (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً) (النبأ 29).. وكل ما يحدث معنا وحولنا في هذا العالم هو موجود في هذا الكون من كتب، فلن نمرض بمرض خارج عما هو موجود في الكرة الأرضية، وسبب المرض كيمياء معينة وتدخل بشري مباشر، ومهمة الطب التشخيص والبحث عن العلاج ، وكل الظواهر الطبيعية والكوارث والأوبئة والأمراض لا تحدث إلا من خلال قوانين الوجود التي وضعها الله تعالى، ومهمة الإنسان دراسة ما حوله ليستطيع التحكم في محيطه بما فيه خير الإنسانية ومن هنا يمجد الله سبحانه العلم والعلماء ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) فاطر/28

لذلك الموت قانون حتمي (قدر) ومن عادات الناس الموت كما يقال، وهو مؤجل حتى وقوع أسبابه، لذلك تطول الأعمار وتَقْصر وِفق تقدم العلم، ووفق تدخل مشيئة الله تعالى. ولو كتب الله علينا منذ الأزل أن نعاني أمراً ما، فكيف نفهم الدعاء إذاً؟ ولما قال تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة 186)

وعلينا أن نضع نصب أعيننا أن الله لا يتقصد إيذاء الإنسان في صحته أو صحة أبنائه أو وطنه، ولم يختر لنا قدرا شقيًا لأن الأصل هو تكريم الإنسان قال تعالى : (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) الإسراء (70).

فالاحتمالات كلها موجودة، لكن القناعة التي كرسها الفقهاء في أذهاننا بأن كل شيء مكتوب لشخص بعينه، مخالف لروح الدين والعلم والعقل، وبهذا نكون قد كرسنا ثقافة الاستسلام والاستكانة، ثقافة الأدعية الجاهزة التي يتبادلها الناس فيما بينهم، بحيث لكل علة دعاء محدد لا يستجيب الله إلا من خلاله، أو بتكراره بأعداد معدودة كالتي ترسل ويُقال لكَ لا تتركها عندك، وهذا يٌخل بوظيفةِ العقل التي منحها الله لنا ، فالله يستجيب وفق علاقته بالإنسان ،من خلال درجة إيمانه وصدقه في الدعاء .

لذلك هي دعوة إلى العلم والمعرفة، كلما زادت المعرفة استطعنا القضاء على الأوبئة وفهم الكوارث ، فالطب يقوم بفعله في الحد من الوفيات، وقوانين السير تخفف من الحوادث، وحل النزاعات بالسلم والحوار يقلل ضحايا الحروب، والمشاكل بين الدول تحل بالطرق الدبلوماسية ...وهكذا تكون إرادة الناس في فعل الخير حاسما مباركا من قبل الله حين تكون النية صادقة . لأنه الحي القيوم، يلبي دعوة الداعي إذا دعاه، وليس من شرط الدعاء، الخروج إلى الشوارع، وتعريض حياة الناس للخطر والفناء، (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (142 البقرة﴾..ولم يقل لعباده، ألقوا بأنفسكم إلى التهلكة...فادعوا الله من بيوتكم وبخشوع، والتزموا بأوامر السلطات، حفاظا على أرواحكن وأرواحكم وأرواح من يقاسمكم العيش على هذه الأرض. مصداقا لقوله تعالى (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ﴿الأعراف 54 ﴾لأن في ذلك مخالفة لمنطق ونتائج العلم (الفيروس ينتقل عن طريق الاحتكاك) ومخالف لشروط حالة الطوارئ الصحية (منع خروج الفرد بدون رخصة، فما بالك في مسيرة...)، بل هو فعل جاء ليكسر روح التضامن الوطني في هذا الظرف العصيب..

على سبيل الختم :

ليصل المغرب للحجر الصحي ربما يتعلق الأمر بسببين أساسيين أولهما يرتبط بحجم إمكانياتنا الصحية المحدودية. وثانيهما أن هذا الفيروس لا يفرق بين الفقير والغني ولا بين البسطاء ورجال الأعمال الذي سدت في وجوههم مطارات العالم ولم يعد للجواز الأحمر والجنسية الحل السحري في حل المشكلات الفردية ، لذلك لو كان بإمكانهم أن يتنقلوا للعلاج في الخارج لما فكروا . لكن ديمقراطية الجائحة فرضت على الجميع المكوث .

مما يجعل السلطات تهيب بالمواطنات والمواطنين، الالتزام بقواعد النظافة والسلامة الصحية، والانخراط في التدابير الاحترازية التي اتخذتها الدولة حماية للمواطنين. إنها فرصة للقراءة والبحث عن الكتب التي تناولت الوباء والروايات التي تساعدنا على الخيال والتخييل من أجل تحمل القادم والصعب, هذه الجائحة يجب التعامل معها بمثابة رهان وفرصة من أجل فهم الذات والتسلح بنظام صارم للمراقبة قبل الدخول والخروج من البيت وإلى العمل . إنها فرصة سيادة نظام لمراقبة كل شيء وفي كل المجالات، المراقبة تتم على الأحياء والمرضى والمشكوك في أمرهم . المجال العمومي مغلق ومراقب في جميع نقاطه لا حركة سوى بورقة استثنائية للعبور والمرور، الناس محاصرون بشكل مشروع وديمقراطي في منازلهم والهدف يبقى هو حماية صفاء الجسم الاجتماعي والصحي للمواطنين والوطن.