السبت 31 يوليو 2021
كتاب الرأي

عبد الكبير طبيح: في الحاجة إلى تطبيق الفصل 81 من الدستور

عبد الكبير طبيح: في الحاجة إلى تطبيق الفصل 81 من الدستور عبد الكبير طبيح

لفت نظر المراقبين الدوليين وكل المواطنين الإجراءات الاستباقية التي أعلن عليها جلالة الملك من أجل محاصرة انتشار وباء COVID 19، وبادرت الحكومة إلى وضع تلك الإجراءات موضع التنفيذ بكل استعجال، وتلقاها المواطنون المحبون لبلدهم، ليس فقط ، بالارتياح وإنما بالانضباط لها في التطبيق الصارم.

تلك الإجراءات التي بدأت بإقفال المجال الجوي و إقفال الحدود وإغلاق المدارس وتعليق الجلسات في المحاكم، بل وحتى إيقاف الصلوات الجماعية في المساجد، استشعارا بمدى الخطر الداهم لهذا الوباء. وانتهاء بإعلان الحصار الصحي والذي استدعي له كل قوات الدولة من أمن وغيره للمساعدة في إعماله من اجل ضمان حماية كاملة لحياة المواطنين.

هذا النوع من الإجراءات , بل وغيرها مما قد يستدعيه تطور هذا الوباء, والتي يجب على الجميع أن يساعد في إنجاحها بالامتثال لها في التطبيق , لكي نصل جميعا إلى النتائج المتوخاة منها في اقرب الأوقات, لتعود الحياة اليومية إلى سابق عهدها.

تلك الإجراءات التي ما هي إلا بعض مما قامت به دولة الصين مثلا مع مواطنيها, والكل تابع الصرامة بل والقسوة التي اشتغلت بها تلك الدولة هناك. كما تابع الجميع , كذلك , تفهم المواطن الصيني لقساوة تلك الإجراءات. وها نحن نرى نتائج تلك الإجراءات بدأت تظهر في بلاد الصين. ويرى المتابعون أن الأوضاع بدأت تتحسن هناك يوما بعد يوم.

المواطن المغربي الموجود اليوم في منزله والملتزم بتنفيذ تلك الإجراءات الصعبة عليه , التي يفرضها الوضع الحالي. وهو الالتزام الذي نتابعه من خلال شبكات التواصل الاجتماعي لكل المغاربة الوطنيين بطبيعتهم والمحبين لبلدهم والمضحين من أجله.

هؤلاء المواطنون لهم التزامات تعاقدية والتزامات قانونية من كل الأصناف: مع الإدارة، مع المؤسسات العمومية، مع البنوك، مع الأفراد مثلهم, ومع القانون.

هذه الالتزامات التعاقدية والقانونية تحكمها آجال يجب أن تنفذ في داخلها.ويترتب على عدم تنفيذها داخل تلك الآجال آثار قانونية تبدأ بالتعويض إلى فسخ الالتزامات، إلى العقوبات المالية إلى الغرامات ذات الطبيعة الزجرية.

وكما هو معروف لدى المشتغلين بالقانون فإن هنالك نوعين من الآجال: أحدهما يسمى التقادم، وهو قابل للتوقف و الانقطاع. والثاني يسمى أجل إسقاط، وغير قابل لا للتوقف ولا للانقطاع. ويجب على المعني به أن ينفذ التزامه داخل الأجل المحدد. ولا يعفيه من تنفيذ أي سبب كيف ما كان ولو طال أمده.

ومن المفيد الإشارة إلى ما ورد في مذكرة لجنة المالية بالبرلمان المغربي أخيرا من اقتراحاتها قدمتها تلك اللجنة لوزير المالية المغربي لمساعدة المقاولات لتجاوز هذه الأزمة وذلك عندما طالبت منه باعتبار هذا الوباء كقوة قاهرة.

الكل يتابع اليوم الإجراءات التي تتخذها الدول الأخرى لمواجهة هذه الوباء. ومنها ما أعلن عنه وزير الاقتصاد و المالية الفرنسيBRUNO LE MAIRE عندما استعمل صيغة

La force majeure,, أي القوة القاهرة , كوسيلة ستساعد بها الحكومة الفرنسية المقاولات الفرنسية على تجاوز الأزمة الاقتصادية والمالية التي وجدت نفسها فيها بسبب هذا الوباء.

لكن من المفيد الإشارة إلى أن المفهوم القانوني للقوة القاهرة في القانون المغربي مختلف عن مفهومه في القانون الفرنسي.

ذلك أن الفصل 1218 من القانون المدني الفرنسي الذي ينظم القوة القاهرة يسمح بـتأجيل الالتزام أو بفسخه إذ ينص ذلك الفصل على ما يلي:

 

بينما مفهوم القوة القاهرة في القانون المغربي يتوقف فقط عند منع المطالبة بالتعويض عندما يتم التأخير في الالتزام. ولا يتعلق لا بتوقيف تنفيذ الالتزام و لا بتأجيله . إذ تنص الفصل 268 من ظهير الالتزامات و العقود على ما يلي:

لا محل للتعويض إذا أثبت المدين أن عدم الوفاء بالالتزام أو التأخير فيه ناشئ عن سبب لا يمكن أن يعزى إليه، كالقوة القاهرة.....

بل إن القانون المغربي يمنع القاضي من أن يمنح إجلا أو يمدده لفائدة أي ملتزم و في جميع الأحوال. إذ لم يستثن أي حالة من الحالات.ما لم يقبل به جميع أطراف الالتزام أو ينص عليه القانون.إذ ورد في لفصل 128 من ظهير الالتزامات والعقود على ما يلي:

لا يسوغ للقاضي أن يمنح أجلا وان ينظر إلى ميسرة ما لم يمنح هذا الحق بمقتضى الاتفاق او القانون

وبالتالي فلا مجال للمقارنة بين الوضع في فرنسا مع الوضع في المغرب، لان اعتبار هذا الوباء كقوة قاهرة في المغرب لن يحل قانونا ، المشاكل الحقيقية التي ستواجه الأفراد والشركات في عدم تنفيذ التزاماتهم في علاقاتهم مع بعضهم البعض، أو في علاقتهم مع الإدارة، أو في علاقتهم مع القانون. لأنه يوجد دائما للالتزامات طرف آخر له هو كذلك مصالحه المرتبطة بضرورة بتنفيذ تلك الالتزامات في آجالها.

ومن الواقعية القول أن فرضية الاتفاق بين الملتزمين على تمديد آجال التنفيذ غير محققة بل قد تكون غير واردة. بخصوص التزامات مثل أداء دين أو تنفيذ صفقة أو أجل طعن، ففي كل هذه الالتزامات توجد مصالح متعارضة.

والأمر لا ينحصر فقط في الوفاء بالديون،  بل هناك آجال أخرى ذات طبيعة قانونية لا يتحكم فيها لا الأفراد ولا حتى المحكمة،  مثل آجال المشاركة في الصفقات العمومية وأجال الطعن في مساطرها وآجال اللجوء غالى الهيآت المختصة للبت في الخلاف مع الإدارة المعنية، و آجال تنفيذ تلك الصفقات، وكذا آجال مساطر صعوبات المقاولة وما تضعه من التزامات على الشركة المعنية بالمسطرة و ما تضعه على مسيريها, وعلى الدائنين وعلى آليات تنفيذ ومتابعة تلك المسطرة مثل السنديك والقاضي المنتدب. ومثل آجال الطعن في المقررات القضائية على اختلاف أنواعها و آجالها، ومثل آجال سريان الفوائد البنكية أو فوائد التأخير في انجاز الصفقات وغيره، وكذا أجال الطعن في مساطر استخلاص الديون العمومية وآجال الطعون الإدارية.وآجال مدونة الشغل في النزاعات بين الأجراء والمشغلين. وباقي الآجال الأخرى ذات الطبيعة القانونية.

كل هذه الآجال لن تمدد ولن تتوقف، قانونا إلا بنص القانون.

وبما أن تمديد كل تلك الآجال أو توقيفها لا يمكن أن يتم إلا بقانون, فان تدخل الحكومة اليوم هو ضروري باعتبارها هي التي تملك سلطة تقديم مشاريع القوانين للبرلمان التصويت عليها لكي تصبح لكل إجراء قوة الإلزام أي قوة القانون الملزم للأشخاص الذاتيين والاعتباريين والمؤسسات العمومة. كما ينص على ذلك الفصل 6 من الدستور.

لكن بما أن مسطرة عرض أي قانون على البرلمان هي مسطرة طويلة من حيث الزمن ومعقدة من حيث المساطر والظروف الحالية لا تسمح بالانتظار. كما سبق بيانه، فإن دستور 2011 احدث الآلية الدستورية التي تمكن الحكومة من إصدار قانون في الموضوع الذي نحن بصدد في أقرب الآجال وذلك عندما نص على الفصل 81 الذي ورد في الفقرة الأولى منه على ما يلي:

يمكن للحكومة أن تصدر، خلال الفترة الفاصلة بين الدورات, وباتفاق من اللجان التي تعنيها الأمر في كلا المجلسين مراسم قوانين، يجب عرضها بقصد المصادقة عليه من طرف البرلمان خلال دورته العادية.

فدستور 2011 استحضر مثل هذا الظروف التي نعيشها اليوم والتي تستلزم تدخلا مستعجلا من الحكومة لمعالجة حالة طارئة والتي تفرض التدخل المستعجل لإصدار قانون لمعالجتها.

لذا فاعتقد انه سيكون مهما من أجل الزيادة في طمأنة المواطنين والشركات الذين لهم التزامات كيف ما كان نوعها أو الجهة المعنية بها سواء اتجاه الأفراد أو الشركات أو الإدارات، أن تبادر الحكومة من اجل إصدار مرسوم قانون ينص على تمديد أو توقف الآجال بجميع أنواعها وفي كل الميادين بما يضمن مصالح الجميع في شفافية تامة. في انتظار أن نتخط جميعا هذا الوباء لتعود الأمور لوضعها القانوني الطبيعي.