الاثنين 8 مارس 2021
مجتمع

القصة الكاملة لسائق الطاكسي المغربي الذي أنقذ «ستراسبورغ» من هجوم إرهابي جزائري

القصة الكاملة لسائق الطاكسي المغربي الذي أنقذ «ستراسبورغ» من هجوم إرهابي جزائري مصطفى صلحان، و الإرهابي الجزائري(يسارا)
كان الارتباك واضحا على مصطفى عندما التقته «أنفاس بريس»، وخلال عبوره أحد شوارع الدار البيضاء، كان يجول بناظريه يمينا ويسارا، ويمعن النظر في كل تحرك مشبوه.
- ألهذه الدرجة ما زال تأثير حادث ستراسبورغ مخيما عليك بعد أكثر من سنة على وقوعه؟
ليجيب:
- مهما كانت إجابتي عن سؤالك، فإني لن أستطيع أن أبلغك بدقة ما أشعر به من خوف دائم يجثم على قلبي، فقد عشت دقائق من الهلع والفزع، كنت أتمنى أن يقضى علي بشكل عاجل على أن أعيش الموت لدقيقة واحدة، فما بالك بـ 15 دقيقة!
يقول مصطفى صلحان المعروف إعلاميا بسائق الطاكسي المغربي.
كانت الساعة تشير إلى 19.58 من يوم الثلاثاء 11 دجنبر 2018، لم تبق إلا ساعة واحدة على الموعد الذي كان لزاما فيه على مصطفى تسليم سيارة الأجرة إلى زميل له قرب محطة القطار بستراسبورغ. ترجل من الطاكسي الأسود من نوع «مرسديس» ثلاثة برلمانيين أوربيين، أوصلهم مصطفى إلى الفندق بمركز المدينة، أحدهم ترك الباب الخلفي مفتوحا، وما إن خرج مصطفى لإغلاقه، حتى سارع شخص في نهاية عقده الثالث ركوب الطاكسي، عاد مصطفى لمقعده، وقبل ذلك سأله عن وجهته، بلغة فرنسية طليقة أمره بالتحرك السريع. كان محرك السيارة في حركة اشتغال، واكتفى السائق بالانتباه لجهته اليسرى، وهو يتحرك وفق أوامر «الزبون الإرهابي» الذي كان يرتدي «جاكيط» أسود اللون، ويحمل شيئا تحتها، في ما كانت آثار الدماء تتسرب من جسمه على مستوى بطنه. اكتفى مصطفى باختلاس النظرات عبر المرآة للشخص الذي كان يظهر عليه ارتباك واضح وهو ينظر من الزجاج الخلفي لسيارة الأجرة إن كانت إحدى سيارات الشرطة الفرنسية تلاحقه..
- هل أنت على علم بما حدث قبل قليل في مركز المدينة؟
يقول الزبون الإرهابي.
- لا، ليس لي علم بأي شيء، ماذا حدث؟
هؤلاء الكفار، قتلت عشرة منهم، وكان بإمكاني قتل المزيد لولا أني اصبت في تبادل لإطلاق النار
مهما حاول مصطفى سائق الطاكسي إخفاء علامات الخوف وهو يتلقى تصريحات الراكب، فإن هذا الأخير صاح في وجهه وهو يضع مسدسا على رأسه:
- لا تخفف السرعة، تقدم وإلا أفرغت ما تبقى من الرصاص في رأسك
- أرجوك، أنا رب عائلة ولا علاقة لي بما تقوم به، فأنا مواطن بسيط، وعندي طفل صغير، وأعيل والديّ الطاعنين في السن.
- هل أنت مسلم؟
- نعم، أنا مسلم وأحفظ القرآن وأقوم بصلواتي بشكل منتظم.
- من أي دولة أنت؟
- من المغرب وبالضبط من الدار البيضاء
- أسمع بهذه المدينة المغربية ولم يسبق لي أن زرتها، أنا من الجزائر، وأجاهد في سبيل لله، فهؤلاء القوم كفرة بالله ولا يحكمون بما أنزل لله، المهم تقدم ولا تخف..
تسارعت دقات قلب مصطفى وفوهة المسدس على بعد ميلمترات قليلة من رأسه، تساءل في سره: 
- هل سأكون ضحيته المقبلة؟ كيف يمكنني التخلص من هذا الموقف؟ كيف ستتلقى أسرتي خبر مقتلي بهذه الطريقة الوحشية؟ وهل سيصدق الناس أني لست مشاركا في هذه الجريمة الإرهابية؟
قدم مصطفى إلى فرنسا وهو طفل صغير ينحدر من منطقة «المذاكرة» بإقليم سطات، عاش مراهقته وشبابه في فرنسا سائقا لسيارة الأجرة، سجله العدلي نظيف، فقد عرف وسط أقرانه المغاربة والعرب والفرنسيين بممارسته لرياضة الكاراطي، ورغم انقطاعه عن هذه الرياضة في السنوات الاخيرة، فقد استفاد منها للحفاظ على التوازن وعدم التسرع، وهي الآليات التي حاول تنزيلها في ربع ساعة من الجحيم التي عاشها. تبادرت إلى ذهنه افكار من قبيل أن يزيد في سرعة السيارة للارتطام بحائط، لكنه تراجع خوفا من إحداث خسائر بشرية في صفوف المارة.. فكر في الارتماء بالسيارة نحو الوادي، لكنه تراجع مستجمعا شتات ذهنه، بالقول: 
- أين تريدني ان أوصلك؟
 ليجيبه الراكب:
- توجه نحو مركز الشرطة القريب من هنا
وهنا زاد الخوف والهلع عند مصطفى محدثا نفسه «هل يريد إسقاط عدد آخر من القتلى في صفوف رجال الأمن؟» لولا ان استدرك الإرهابي بالقول: 
- قبل ذلك انا مصاب، عليك ان تنقذني وتوقف تسرب الدم مني
هنا بزغت بارقة أمل لدى مصطفى للتخلص من مأزقه.
- يمكنني وقف نزيف الدم، لكن المعدات توجد خلف السيارة، وعلي التوقف لتقديم الإسعافات الأولية لك
- حسنا توقف في هذا الزقاق دون أن تثير انتباه أحد للأمر، وليس من الصعوبة أن اسدد مسدسي نحو رأسك إذا فكرت بأن تخونني
- لا تخف، سأبذل جهدي لوقف نزيف دمك، وأرجوك لا تقم بأي فعل اتجاهي، فانا مواطن فرنسي بسيط، وما يهمني هو قوت أسرتي
وهو يهم بالنزول من سيارة الأجرة، رن هاتف سائقها، المتصل كان زميله يريد منه تحديد مكان الالتقاء لأخذ السيارة، بسرعة اجابه مصطفى بأنه سيعيد الحديث معه، وقطع الخط الهاتفي عنه، كانت نظرات الإرهابي شريف الشقاط حادة ويظهر عليه التعب الشديد، وزاد التوتر عندما رن هاتف مصطفى.
طلب منه شربة ماء، وهو ما فعله مصطفى بسرعة، هذا الاخير طلب منه النزول من السيارة ليقدم له الإسعافات الأولية، ولا يعرف كيف استجاب له، وضع عليه بعض قطع الضمادات، والتمس منه الذهاب لحال سبيله.
- إذا تركتك تذهب، هل ستخبر الشرطة بمكاني؟
- لا، أقسم بالله، سأذهب إلى بيتي، ولن أخبر أحدا بما جرى
- حسنا يمكنك الذهاب واترك لي حقيبة الإسعافات الأولية، سأتدبر أمري..
بسرعة عاد مصطفى لسيارته، ومباشرة بأقصى سرعة توجه نحو مركز الشرطة، ليخبرهم بما جرى، حكى لهم عن كل شيء، وأعطاهم اوصاف الإرهابي، وعند مطابقتها أشار لهم على صورته، فقد كان شريف الشقاط مبحوثا عنه ومسجل خطر، حيث داهمت الشرطة الخاصة مكان إقامته وصادرت مجموعة من الأسلحة بعد ان تمكن من الهرب لينفذ جرائمه.
كانت أصوات تبادل إطلاق النار تسمع من مركز الشرطة حيث كان السائق مصطفى يدلي ببياناته، ويتلقاها عبر جهاز «طالكي وولكي» الإدارة المركزية للشرطة الفرنسية، ومع ذلك تمكن شريف الشقاط من الفرار، قبل أن يلقى حتفه في مواجهة متجددة مع الشرطة في اليوم الموالي.
رغم الاستقبال الذي خص به المغربي مصطفى صلحان من قبل رئيس جمهورية فرنسا، فإن ربع ساعة من الجحيم مازالت تجثم على صدره، والكوابيس تلاحقه، وهو ما أثر على حياته الاجتماعية والاسرية وكذا المهنية، يفضل أن يعيش وحيدا، رغم المصاحبة النفسية التي تلازمه.