السبت 8 أغسطس 2020
كتاب الرأي

أحمد الفرحان: مفارقات رسالة النائب البرلماني اليساري عمر بلافريج

أحمد الفرحان: مفارقات رسالة النائب البرلماني اليساري عمر بلافريج أحمد الفرحان

أثارت الرسالة التي وجّهها النائب البرلماني، عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، السيد عمر بلافريج، إلى رئيس الحكومة المغربية السيد سعد الدين عثماني نقاشاً صاخباً على مواقع التواصل الاجتماعي بين أعضاء الحزب الاشتراكي الموحّد أحد مكوِّنات فيدرالية اليسار الديمقراطي، كما تصدّرت الصحافة المغربية تحت أسماء متعدِّدة من بينها قضيّة: نبيلة وعمر. والمقصود بها التلاسن الذي حصل بين النائب البرلماني عمر بلافريج أحد أعضاء المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحّد وبين نبيلة منيب الأمينة العامة للمكتب السياسي للحزب. والسبب الرئيسي من وراء هذه الأزمة التنظيمية بين رفاق الحزب يعود إلى مضمون رسالة النائب البرلماني عمر بلافريج التي موضوعها: التشجيع على الفكر العقلاني في حماية المواطنين من فيروس كورونا. والدّاعي إلى ذلك هو مقاومة التأويلات الخرافية للفيروس والتفسيرات السيّاسيّة القائمة على مفهوم المؤامرة.

 

أريد في هذه التدوينة أن أقف عند مشروعيّة مراسلة النائب البرلماني اليساري رئيس الحكومة لتحميله مسؤولية انتشار التفسيرات الخرافية والتفسيرات السياسيّة القائمة على مفهوم المؤامرة. وخصوصاً أن هذه التفسيرات تعدّ آراء مواطنين، ومن حقهم التعبير عن آرائهم مادامت لا تشكل تهديدا على سلامة المواطنين أمنيّاً كأن تتحوّل إلى وصفات الدّجل العلاجي أو تعبئة سيّاسيّة تدعو إلى استخدام العنف ضدّ مؤسسات وشركات بعينها بدعوى أنها المدبِّرة للمؤامرة. كما أنّ المؤسسّة البرلمانية غايتها مساءلة الحكومة على برنامجها السياسي وعلى وظائفها التنفيذيّة ومن بينها السياسة التعليمية، ولكن ما يثير الانتباه هو أن رسالة النائب البرلماني لم تشر إلى ما يدلّ على أنّ البرامج التعليمية المقرّرة أو المراسلات الوزاريّة التي تصدر باسمها تشجع على التفسيرات الخرافية والتفسيرات السياسية القائمة على مفهوم المؤامرة فيما يتعلّق بفيروس كورونا. وإذا علمنا أن انتشار هذه التفسيرات يتم على مستوى وسائط التواصل الاجتماعي العالمية، فكيف لرئيس حكومة أن يمنع انتشار هذه التفسيرات؟

 

تخيّل أنّ نائبا في البرلمان الأوروبي يوجِّه رسالة إلى رؤساء الحكومات الأوروبية لإصلاح البرامج التعليمية العالمية لوضع حدّ للتفسيرات الخرافية والتفسيرات السيّاسيّة القائمة على نظريّة المؤامرة بدعوى أن "قناة روسيا اليوم" وغيرها من القنوات الإعلامية الافتراضيّة والمواقع الإلكترونيّة تعمل على ترويجها.

أكيد سيتحوّل هذا النائب البرلماني إلى سخريّة القرن.

 

لقد ذهبت أغلب القراءات والتعليقات إلى أنّ رسالة النائب البرلماني اليساري عمر بلافريج هي رسالة مشفّرة للرّد على تصريح الأمينة العامّة للحزب الاشتراكي الموحّد نبيلة منيب الذي يفيد أنّ الفيروس صناعة بشرية ويدخل في باب الحروب البيولوجية، وعليه فإنّ انتشاره هو مؤامرة لضرب الاقتصادات الصّاعدة وخلق فوضى عالميّة واحتكار سوق الأدويّة. وإذا كان الأمر كذلك، فتصريح الأمينة العامّة يظلّ رأياً يخصّها ولا يخصّ الحزب الاشتراكي الموحّد مادام أنّ المكتب السياسي للحزب لم يصدر بياناً رسميّاً في الموضوع. وكان من الأولى الرّد عليها برأي آخر مخالف وليس برسالة برلمانية.

 

قد يحدث أحيانا أن يراسل برلمانيا رئيس الحكومة للتحقيق في دعاوى حزب آخر حول قضايا الشأن العام، ولكن عندما يتعلّق الأمر بحزب آخر، وليس بعضو يراسل ضدّ حزبه، لأنّ مؤسسات الحزب الداخلية كفيلة بالمراقبة والمحاسبة.

 

في كلِّ الأحوال، رسالة النائب البرلماني اليساري عمر بلافريج لا مشروعيّة لها، سواء أكانت غايتها التشجيع على الفكر العقلاني أو انتقاد تصريح الأمينة العامّة.

 

في الأولى: ضرب لمبدأ حريّة التعبير، الذي يضع الاختيار اليساري للنائب البرلماني في مفارقة بين قيم اليسار في الدفاع عن حقوق الإنسان وبين استغلال مؤسسة برلمانية للبث في قضايا فكرية، ومن بينها "نظريّة المؤامرة" التي تعدّ نظريّة من النظريّات القويّة والمتماسكة في العلوم السياسيّة والاجتماعية والسيكولوجية، ويبقى اعتمادها في التفسير السياسي للأحداث مشروعاً.

 

وفي الثانية: توظيف سلطات النائب البرلماني لصلاحيّاته الدستورية في تدبير الصراع الداخلي بالحزب (= الذي يعتبره البعض تصفيّة حسابات داخليّة) والصراعات الداخلية للحزب ليست شأنا عاما تعنى به المؤسسة البرلمانية. وهذا يعدّ مسّاً خطيراً بحرمة المؤسسة البرلمانية، وإهانة لإحدى المؤسسات التمثيليّة للمواطنين التي يحرص اليسار على إعادة الاعتبار لها، كي تكون رافعة أساسيّة للملكية البرلمانيّة.

 

ـ أحمد الفرحان، أستاذ جامعي