الاثنين 25 مايو 2020
كتاب الرأي

جمال المحافظ : 1990- 1998 انفتاح مرحلة

جمال المحافظ : 1990- 1998 انفتاح مرحلة جمال المحافظ
إذا كان محمد الساسي الأستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية حقوق أكدال، يعتبر أن ما يميز المشهد السياسي بالمغرب، أنه يعرف دورتين حدد أولهما في التشدد وثانيهما في الانفتاح في ندوة " دور الاعلام في تنشيط النقاش العمومي"، نظمها المركز المغاربي للدراسات والأبحاث في الاعلام والاتصال مؤخرا بالرباط، فإن الفترة الممتدة مابين 1990- 1998، يمكن أن تكون سنوات انفتاح بامتياز رغم اختلاف سياقات، إعطاء الكلمة لرموز حركة 20 فبراير بالإعلام السمعي البصري التي يرى الأستاذ الساسي أنها شكلت "قمة دورة الانفتاح" في المشهد السياسي الوطني.
وهكذا تؤشر المعطيات السياسية والحقوقية والاجتماعية والاعلامية، المرتبطة ببداية التسعينات من القرن الماضي، على هذه الحقبة تعد إحدى " الفرض الضائعة" في الزمن السياسي. فتحولات المرحلة ساهمت في نزوع ملحوظ نحو استقلالية العمل المدني خاصة على المستوى الحقوقي والصحافي، إذ أن مجال حقوق الإنسان عرف في هذه الفترة، " تحولا نوعيا" ارتبط فيه التغيير المؤسساتي باصلاح المنظومة القانونية،ووضع خطط استراتيجية تعتمد البرمجة ومؤشرات التقييم.
وتوجت هذه المتغيرات الهامة باجراء تعديل دستوري، نص بالخصوص على سمو حقوق الانسان، والتشبث بها، كما هي متعارف عليها عالميا،والالتزام بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. ورافق كل ذلك ظرفية سياسية نشطة، دشنت بملتمس الرقابة تقدمت به المعارضة بالبرلمان سنة 1990، فضلا عن تأسيس حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، "الكتلة الوطنية " التي رفعت سنة 1992 مذكرة إلى القصر، تقترح فيها إصلاحات سياسية ودستورية، تلاها إجراء الانتخابات التشريعية في 1993،دشنت لمحاولة قيام تناوب توافقي أول فشل في هذه المرحلة.
وفي سنة 1996 تم تعديل الدستور الذي تزامن مع المذكرة الثانية التي رفعتها"الكتلة الديمقراطية " التي أصبحت تضم كلا من التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية فضلا عن حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتي طالبت فيها ب" فتح ملف الإصلاح الشامل، تتصدره الإصلاحات السياسية والدستورية".
وفي نفس السياق، دشن مسلسل الحوار الاجتماعي، بتوقيع بروتوكول فاتح غشت 1996بين المركزيات النقابية والحكومة وأرباب العمل،الذى اعتبر مدخلا لانطلاق سلسلة من الإصلاحات، توجت بانتخابات 1997 تمخض عن نتائجها، تشكيل حكومة "التناوب التوافقي"، لم تفرزه صناديق الاقتراع بقدر ما أفرزته الرغبة الملحة في " تغيير وإصلاح المسار الديمقراطي".
وتجدر الاشارة إلى أن هذه التحولات التي كانت مدخلا لانطلاق سلسلة من الإصلاحات السياسية والحقوقية، التى كانت مرتبطة بمرحلة أواسط السبعينات خاصة قضية الصحراء التي سرعت ب"المسلسل الديمقراطي" الذي كان من نتائجه، تنظيم انتخابات محلية سنة 1976، وتشريعية سنة 1977التى كانت حينها " الأجواء، توحى بامكانية التطور، على الرغم من تزوير الانتخابات والرقابة المفروضة على الصحافة"، كما عبر عن ذلك محمد اليازغي في (ص 230 ) من كتاب " سيرة وطن ومسار حزب، وشكل انطلاق هذا المسلسل " علامة على أن الديمقراطية، يمكن أن تبلور الالتحام الوطني حول الاختيارات الكبرى، وأن تصبح أيضا أداة تعبئة عامة" حسب المرحوم العربي المساري في كتاب " صباح الخير للديمقراطية..للغد".
وكما أن الحركات الاحتجاجية الكبرى، في 20 يونيو 1981وفي 14 دجنبر 1990، ساهما على ما يبدو، في بلورة قناعة لدى السلطات منذ مطلع التسعينات بضرورة مراجعة سياساتها في الجانب الاجتماعي، والتمهيد لاعتماد ونهج أسلوب التكيف والحوار، وذلك عبر إرساء بنيات التفاوض الاجتماعي، بدل أسلوب المواجهة والصراع،الذي ظل مهيمنا، طيلة عقود، وهو ما يفسر لجوء السلطة إلى البحث عن مقاربات لإرساء بنيات التفاوض والحوار، بهدف إقرار السلم الاجتماعي، وفي نفس الوقت إجراء إصلاحات سياسية ودستورية.
وفي هذا الصدد اعتبر، توقيع اتفاق فاتح غشت 96، تتويجا لإطلاق دينامية الحوار، مما مهد للمصالحة والتخفيفمن بؤر التوتر والخلاف بين الفاعلين السياسيين، لوضع أسس جديدة للتوافق.إلا أن التعامل مع النزاعات العمالية، ظلت مع ذلك "ترتكزعلى محاولة الاحتواء والتطويق وتسييج هذه التوترات التي تهدد التوازنات الاجتماعية القائمة"، علاوة على أن الإضرابات الكبرى، عجلت بتحريك الملف الاجتماعي، بإخراجه من وضعية الجمود والتهميش ودفعه إلى واجهة الأحداث.
إلا أنه مع كل هذه المتغيرات، يصعب القول،بإن هذه التحولات، أدت إلى إعادة النظر بشكل جذري في علاقة الدولة بالمجتمع، لأن مجمل مؤشرات عقد التسعينات،لم ترق إلى مستوى تغيير البنيات الاجتماعية التقليدية التي ظلت تتحكم فيها سلوكيات وتوازنات الفاعلين، فضلا عن غياب قنوات دائمة ومؤسسية لتسوية التوترات الاجتماعية.كما ظل تحقيق علاقات شغل جديدة ومتطورة قائمة على أسس التفاوض والحوار، رهينا بمدى قدرة الفاعلين على مأسسة الحوارالاجتماعي والسياسي،وضمان ميكانيزمات تسوية النزاعات الاجتماعية، مع تقديم تنازلات متبادلة وتوافق حول القضايا العالقة، كما سجلت هيئة الانصاف والمصالحة في تقريرها الختامي.
فهذه المرحلة تزامنت، بظهورخيارين لمعالجة الإشكالات السياسية والاجتماعية والحقوقية والإعلامية والثقافية، فالخيار الأول تمثل بالدعوة إلى ربط معالجة هذه القضايا، بالتغيير السياسي الشامل،بدءا بتعديل الدستور لفصل السلطتين التنفيذية والتشريعية، كشرط أولي لأي إصلاح حقيقي، في حين يركز الخيار الثاني، الذي تقوى منذ نهاية الثمانينات،على الجوانب المرتبطة بحقوق الإنسان، ومنها حرية التعبير والصحافة، كأولوية استراتيجية تسبق خيار التغييرات الدستورية، حيث تميز هذا الخيار، بتبنى الدفاع عن حقوق الإنسان كأولوية، وبفصل الدفاع عن هذه الحقوق عن الصراع من أجل اقتسام السلطة، الذي ظل يهيمن على الساحة السياسية منذ الاستقلال.
وتعود الإرهاصات الأولى لهذا الإتجاه إلى التسعينيات خاصة بالحقل المدني،تبلور بتأسيس جمعيات متخصصة في الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان، وضحايا عنف الدولة، والتي قامت بأدوار هامة في نشر ثقافة حقوق الإنسان،والتعريف بإنتهاكات هذه الحقوق.ورافق هذا التوجه صعود خطاب سياسي جديد، مساند لاستقلالية التفاوض حول هذه الحقوق عن شروط المشاركة السياسية، مكن من بروز جيل جديد من الفاعلين متشبعين بثقافة سياسية مغايرة، تغلب البعد الحقوقي على البعد السياسي،وترسخ معه الإقتناع بإمكانية تحقيق إصلاحات تدريجية، في ظل دينامية سياسية، بالتزامن مع التحولات الكبرى العالمية.