الخميس 2 إبريل 2020
كتاب الرأي

عبد السلام انويكًة: التعبير الفرجوي البدوي.. تراث رمزي أصيل بحاجة للالتفات..

عبد السلام انويكًة: التعبير الفرجوي البدوي.. تراث رمزي أصيل بحاجة للالتفات.. عبد السلام انويكًة

لِما هي عليه من زخم فني شعبي وتنوع تعبير ونمط إيقاع وفرجة، وعلى أساس معالم تراث أصيل هنا وهناك وإشارات أبحاث ودراسات ذات صلة، يمكن الحديث عن تفرد طبع بلادنا ولا يزال بحكم موقع وتاريخ وثقافة وتفاعل وقدم. وبقدر ما مخزون تراثنا البدوي الشفاهي بحاجة للالتفات وإنصات كأرشيف هام من أجل معرفته، بقدر ما يسجل من غياب لنصوص مكتوبة تخصه في الماضي لتشخيصها وفق ما هو متعارف عليه حالياً، فقط ما كان من فرجة وتعبير جسد وأشكال احتفال ارتبطت بمواعد خاصة واهتمامات.

 

وبخلاف اعتقاد كثير ممن بفهم مدرسي وانبهار وحديث عن ثقافة إفراز رقمي ناهيك عما هناك من تدفق قيم وسلوك، ليست إثارة ما هو رقص وغناء وتعبير وبوح بدوي في تراثنا الرمزي عمل نشاز ولا هدر مقاربة. بل واقع تراثنا يجعل من حديثنا عما هو فنون شعبية بدوية بحاجة ومشروعية معاً، بعيداً عن أي تقديس لماض وعياً بما هناك من أهمية تلمس لخصوصية شعوب من شأنها تحقيق تنوع وغنى وتفاعل وحوار، وكم هو جميل بقاء ما هو خاص عابر للزمن وبأنماط تعبير متباين في معناه ومحتواه وصدى هنا وهناك.

 

ومثلما لا يزال قائماً ببوادينا، لا تخلو شواهد رقص وغناء ومن ثمة فرجة قبيلة من أهمية ثقافية، وفق توزع مجالي على امتداد فترات تحدث عنه "هنري باسي" في عشرينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن في ترفيه قبائل البلاد ليس هناك سوى رقصات جماعية بتماثل وتوحد رغم ما هي عليه من تباين من جهة لأخرى. ومن هنا ما يمكن أن نقف عليه من مشترك في ارث ثقافي فني شعبي بدوي مغربي، رغم ما يسجل من تفرعات واختلافات سطحية في علاقة بما هو محلي. ولا شك أن ما هناك من تنوع مجالي ولغوي ببلادنا له أثره في تنوع ما هو تعبير ثقافي احتفالي يستمد صوره مما هو أدب وثقافة شفاهية، من قبيل زجل وغناء وعادات وتفاعلات وعموماً من مكونات ذاكرة جماعية محلية.

 

وبقدر ما تراث بلادنا الفني البدوي يشكل جانباً حياً من كيان مجتمع وهوية، بقدر ما هو وعاء جامع ومعرفة وخبرات وإبداعات وتفاعلات وأنماط تفكير وتعبير تراكمت عبر قرون. جعلته خزاناً ثقافياً لا مادياً خصباً جديراً بعناية وإنصات بحث، في أفق جعله بدور رافع لِما هو ثقافي حديث يستمد منه طاقته وقوته ونفسه خدمة لإنسان وإنسانية أوسع وأرحب. ولعل ما تزخر به بوادينا من إرث فني دليل على ما كان عليه ماضينا من فلسفة حياة وأنماط عيش وثقافة تفاعل، بقدر ما يحتاج لاستكشاف ودراسة وحماية بقدر ما يقتضي الأمر استثماره والاشتغال عليه كموارد زمن، وفق ما ينبغي من مقاربات ورأي واستشراف ووعي، بعيداً عن أي تواضع تقدير واستيلاب واحكام قيمة تجاه تراث هو نتاج انسانية ومقوم هويات وتميز ثقافات.

 

ولا شك أن ما هناك من متغيرات تجعل تراثنا بحاجة لتأمل أفيد وأهم، ليس فقط تجاه ما يجب من حماية وتوثيق وأرشفة إنما أساساً لتجاوز رؤية مدرسية ضيقة، كثيراً ما تحصره في غناء ورقص وقول ومواعد وتقاليد وعادات وبيئات وغيرها عوض ما ينبغي من نظر له ككيان رمزي، ومهارات وخبرات وتعبير فني وتجلي ثقافي وتملك روحي وفكري وموارد. وجدير بالإشارة أن مساءلة تراثنا الفني البدوي الشعبي ينطوي على إشكال مركب متشعب بمستويات عدة ومتداخلة، تجمع بين وقع ودلالات وممارسات وتوطين وأبحاث ووعي وتحولات وصعاب وبرامج وغيرها. حيث بقدر ما يحتويه تراثنا وما يسهم به في ابراز ما هو خاص ومميز من وجود وتطور، بقدر ما يكشف عما هو جوهري يخص تحقيق ما هو أفضل عبره إنسانياً وإنمائياً. ولعل تراثنا الرمزي ذاكرة وهوية وشواهد على فعل وتفاعل سلفنا، فضلاً عما هو عليه كرافعة لتنمية محلية جعلته بإشارات وعناية خلال السنوات الأخيرة، في أفق التفات وجهود تشريع وأوراش حماية ورؤى استثمار أفيد لبلاد وعباد. متغيرات وغيرها تضفي شرعية سؤال حول وضع وواقع تراث ثقافي فني شعبي بدوي، من حيث تاريخيته وتنوعه وتوزعه وغناه، وكذا اختلالاته وأشكال تراجعه وإهماله، فضلاً عما هناك من جهود تدخل وآليات حماية.

 

وقد أتينا على أساس ما تزخر به بوادينا من إيقاع وتعبير فني شعبي واسع، ورقة تخص ما تحتويه مقدمة جبال الريف شمال البلاد من بصمات تراث بدوي بقدم وأصول نشأة، تحديداً منه رقصة "تشكلل" على مستوى مجال قبيلة البرانس وقسمها الغربي خاصة الغني بيئياً وثقافياً من خلال وعاء زاخر بصور تعبير وتفاعل وشواهد وذاكرة جماعية.

 

و"تشكلل" رقصة بدوية شعبية جزء من ذاكرة محلية على أساس ما يطبعها من ايقاع معمر ببادية مقدمة الريف، بل أيضاً توصيفاً أكثر تردداً لدى العامة من المتلقين كذا أعلام فرجة جبلية كما بالنسبة للمقدم بوجمعة "الحداد" رحمه الله والمقدم "معاشو" وغيرهما كثير. رقصة بدوية يفضل البعض تسميتها أيضاً برقصة المقص، لِما لهذه الأداة المعتمدة فيها من صدى موجه ضابط لنسق سير وتوهج وتوزع إيقاع. بل هناك من يفضل تسميتها برقصة "الطايفة" لِما يعتقد من علاقة بموقع ومكون في نشأنها وتبلور تركيبها وتعبيرها غير بعيد عن واد لحضر في تماس مع قبيلة التسول على مستوى تلال مقدمة جبال الريف وأعالي حوض ايناون. ورقصة "تشكلل" جنس فني شفاهي بدوي بتعبير ولغة وجسد ونسق وإرث خاص، يتقاسمه ايقاع ونغم ولحظات وقول وعفوية زجل. ولعل ما هي عليه من وقع وفرجة وتمثلات يجعلها بعشق واعتبار وجذب وأريحية، رغم كل زخم حداثة وسرعة حياة وما يسجل من تدفق صور وأنماط تعبير وغيرها.

 

ورقصة "تشكلل" نسق فني بدوي يتقاسمه نغم وإيقاع ومثن، فضلاً عن بنية أداء وترتيب وتداول وقانون لعبة. بقدر ما تقوم على تجليات قبيلة وذاكرة ودهنية وشأن وهوية، بقدر ما تعد لوناً ثقافياً فنياً بدوياً يدخل ضمن أقدم ألوان فلكلور البلاد وأشدها أصالة. رقصة ذكورية بنظم وتلقائية ومقامات ووضعيات، كذا زجل بدوي وراقصين وإنصات وإشارات وأدوار وقدرة تدافع. إنما عبر مرسوم مقام ورسومات مقدم سيد احتفال وفرجة وسلطة موعد وإيقاع، يتقاسمه نغم تقليدي لكل مصدر فيه حكاية وإثارة ووقع مؤثث لرقصة قبيلة البرانس، التي بدأ اسمها يتردد بين صفحات كتب ويتداول بعد الفتح الاسلامي لبلاد المغرب. لدرجة أن أصل وواضع هذا الاسم غير معروف علما أن هناك من يقول بابتكاره من قِبل المسلمين، عندما أطلقوا اسم "البتر" على قبائل أمازيغية كان أبناؤها يرتدون لباساً قصيراً مبتوراً، ثم اسم "برانس" على أبناء قبائل كانوا يرتدون لباساً شهيراً بالبرنس. وقد يكون اسم "برانس" الذي ارتبطت به تسمية رقصة قبيلة شهيرة بمقدمة جبال الريف وهي رقصة "تشكلل البرنسي"، مشتق من كلمة يونانية Baranos، ومعروف أن البرانس مجموعة قبائل حصرها ابن خلدون في عشر كتل هي ازداجة وأوريغة وصنهاجة وعجيسة وكتامة وكزولة ولمطة ومصمودة وهسكورة وأخيراً أوربة التي لا تزال بموقع وتداول وهوية وثقافة بشمال تازة.

 

وإذا كانت رقصة "تشكلل" لسان حال فرجة قبيلة بتازة يعتقد أنها بأصول أمازيغية، فهي أيضاً أدب شعبي بدوي ونسيج تعبير وعرض فولكلوري بفقرات مترابطة بعضها لبعض، كذا بيئة حاضنة وتاريخ وانسان ووجدان وأصول وثوابت وقدم وموطن وهوية، فضلاً عما يحتويه من صدق صور ونسق ونص شفاهي ومخيال. حيث غنى معنى وبلاغة صور وتعبير عبر زجل يحضره مجد المحلي من قبيلة وذاكرة ووقائع وهوية، إلى جانب ما هناك من دروب حياة وفصل وانتاج وتقاليد وعادات وغيرها، ينقلها لسان راقص لفرجة وجمع من خلال عفوية قول وإشارات ونسيج معاني.

 

وبقدر ما لرقصة "التشكلل" آلات موسيقية عتيقة تجمع بين دفوف وتعريجة ومقص وغيطة مؤثثة للحظة فرجة ونسق وإيقاع على بساطتها وضعف تكلفتها، فضلاً عما يميز راقصين من لباس تقليدي يجمع بين "فوقية" بيضاء وعمامة بتطريز خاص ولون أصفر إضافة إلى أحزمة حمراء ولباس خفيف شفاف. بقدر ما للرقصة بناء هندسي فرجوي يقوم على جمع واحد متكامل في حوالي العشرة أفراد، بعدما كانت تقوم على مجموعتين متقابلتين في الماضي من خلال صفين متقابلين مستقيمين، مع أهمية الاشارة لما لعنصر الاختلاف بين المجموعتين من أثر في وقع رقصة وارتقاء بأداء وتفاعل وتدافع من خلال سمو وصف واثارة واقناع ثم غلبة. ليبقى جوهر ما كان يجمع بين المجموعتين في الماضي وفي مجموعة واحدة حالياً، هو ما يتداول من خطاب تعبيري بدوي يعرف محلياً في ثقافة الرقصة بـ "الزريع" وسابقاً بـ "الريح"، خطاب بقدر ما يكون دوماً على درجة من اثارة وحبك قصة وإشارات وتتبع وإنصات، بقدر ما يتم بناءه على تحرير حرفي بكلمات منتقاة فضلاً عما هناك من ارتجال وعفوية ودقة تلوين ولحن وإبلاغ وقصد.

 

ولعل رقصة "تشكلل" هي بحركة جسد طيلة لحظة الحفل أولاً، ثم حركة مجموعة ككل ثانياً إلى الأمام لعدة مرات من خلال خطوات منسجمة ودقيقة قبل العودة إلى نقطة انطلاق. لينضاف لكل هذا وذاك كفقرات فرجة فاصلة، ما يسجل من بهلوانيات أحادية ثم ثنائية لراقصين يرومان إثارة تحكم في لعبة، وإبراز مهارة في عزف على دفوف ضمن وضعيات جاذبة ومؤثرة، هذا قبل لحظة لاحقة كثيراً ما يطبعها تصاعد إيقاع متناغم متقاطع يجعل الحفل بروح فرجة خاصة. مع أهمية الاشارة إلى أن الرقصة أيضاً كثيراً ما يحضرها ارتجاف كتف راقصين، مع اندفاع واقدام لهم بحسب وضعيات مرة الى الأمام مع رفع الأرجل قبل عودة إلى الوراء الى حين ما يعرف بقرار الرقصة، وهو ما يخضع ترتيبه لمقدم يتملك خبرة وشجاعة أدبية. ويبقى لَبحَّات الراقصين على تباين مقامهم ولصوت وبَحَّة راقص واحد كلما دعت ضرورة ولحظة الرقصة، أثره في تميز حفل وتفاعل متلقي وفرجة جماعة. كل ذلك في علاقة بخطاب "زريع" من لحظة لأخرى بحسب دفئ الحفل، بقدر دقة معانيه واشاراته ومقاصده العشقية، بقدر ما يكون تثمينه وتحفيزه وتعزيزه عبر زغاريد نساء هنا وهناك من رحاب جَمعٍ. بعض فقط من كل يخص وصفة رقصة بدوية راقية المعاني لا تزال تسكن مقدمة الريف، هناك على مشارف تازة وأعالي ايناون شمالاً حيث قبيلة البرانس. رقصة برمزية ووقع ضارب في عمق حضارة مغربية شعبية شفاهية، كثيراً ما تجعل من تاريخ قبيلة وبيئة وانسانية انسان وقوداً لنصوصها وفقراتها وحكوياتها وبهلوانيتها ثم أولاً وأخيراً لتعبيرها وفرجتها.

 

ووعياً بكون تراثنا غنى ثقافي وطني مادي ولامادي كما رقصة "تشكلل" ببادية تازة، وقوة ونَفَس إبداع حاضرنا ومستقبلنا يثري ولا ينضب، وعلى أساس ما هو عليه من قيمة مضافة رمزية وما يمكن أن يسهم به من نماء، وفق إرادة واجراء وتجاوز لِكل ابتذال وتشويه قد يفقده اصالته ويكون سبباً في تسطيحه ونشر رخيص له. وعياً بكل هذا وذاك باتت حماية تراثنا الشفاهي البدوي هذا وأرشفته ضرورة لحفظ ذاكرة وتاريخ ومهارات وتجارب ما، علماً أنه بقدر ما للتقنيات الحديثة من جوانب إيجابية عدة بقدر ما يمكن أن تشكله من خطر على تراثنا بإفقاده وصفته وقيمته وهيبته وأصالته، وبالتالي ما قد يحصل من تهجير له وهجرة منه، كذا من نسيان واهمال وضياع في نهاية مطاف لرأسمال رمزي حضاري جزء من هوية بلاد وعباد.

 

ولا شك أنه رغم ما يسجل من وعي وجهد في حماية تراثنا الشفاهي وفرجة بوادينا، فإنه من خلال نظرة خاطفة على ما لا يزال قائماً من عناصر أصالة، يظهر أن مكونات عدة فيه باتت تحتضر أو في طريقها لذلك، شأنه في ذلك شأن أثاث كثير انساني بدوي من سكن وحرف وأنماط حياة وعيش وتعبير وغيره. ولعل الحديث عن حماية إرثنا الثقافي البدوي كما فرجة "تشكلل"، يدفعنا للسؤال حول طبيعة قصد الحماية وحول هل للمسألة علاقة بشكل ما محدد في الرقصة مثلاً. وفي هذه الحالة على أي أساس يتم تحديد شكل من اشكالها هل القدم أم درجة انتشار وارتباط بزمن ما ومكان ما وجماعة ما، وعليه لابد من تحقيق دقيق وتوازن بين أصالة العنصر التراثي وحركيته في الزمن، وفي تغيراته وقدرته على تفاعل يكون وراء ما يحدث من تعديل في شكل ومحتوى ووظيفة وامتداد وقيمة. علماً أن ما هناك من أبحاث ودراسات ذات قيمة حول تراثنا الشفاهي البدوي، بقدر ندرتها بقدر ندرة كفاءات تجمع بين منهج ومعرفة بالمجال وتكوين. وعلماً أيضاً أن من جملة ما يقتضيه حفظ وحماية هذا اللون من تراثنا، درجة الاطلاع على ما هناك من شواهد لم تعد جارية ما قد نجده في أقوال إخباريين ورواية شفوية ومخطوطات ومواد متحفية وغيرها.

 

ولا شك أن تراثنا الفني البدوي كما رقصة "تشكلل"، جزء من تاريخ مكان وذاكرة انسان، وكل حماية وجهد لهذا الغرض ينبغي أن يقوم على جميع ما يمكن الوقوف عليه من أثار ومعالم عبر مراحل مضت. وشتان بين عناصر تراث رمزي لا تزال حية ماثلة متداولة يتم الحديث والتفكير في حمايتها وإنقاذها، وبين ما كان قائماً منها واختفى في زمن ما جزئياً أو كلياً. وفي هذه الحالة بقدر ما عمل حماية هذا التراث بحاجة لوثائق وشواهد وأبحاث ودراسات على درجة من التأسيس العلمي، وبقدر ما عناصر هذا التراث اختفت بشكلها القديم والأصيل بقدر ما قد تنبعث ضمن أسلوب جديد قد يكون بقريب صلة بأصوله أو بعيد عما تداوله إنسان وتعبير زمان.

 

إن حماية تراثنا البدوي عموماً يتوقف على كل السبل الممكنة، ومنها جمع عناصره جمعاً علمياً منظماً مؤسساً من خلال مختصين وورشات عمل بطبيعة فنية اجرائية، كذا الاجتهاد على أساس ما ينبغي أن يتوفر من اطلاع وتجارب وتسجيل وتصنيف. بل لابد من بنية علمية تجمع بين مراكز حفظ وتقديم خدمات وأقسام تراث فني بدوي بمتاحف ولِما لا متاحف خاصة بهذا الإرث الانساني. وبقدر ما هناك من حاجة لتوحيد سبل وأساليب الجمع والحفظ بين الجامعين والقائمين على فهرسة وتصنيف، بقدر ما ينبغي من تكوين وتدريب خاص لمعنيين ومهتمين وقيمين أيضاً على دور الأرشيف، مع أهمية الاشارة لِما ينبغي أن يحاط به الفاعلون في المجال من أهمية دون نظر اليهم مجرد أرقام في معادلة لا غير. وقد باتت حماية تراثنا قضية بأهمية كبرى في زمن عولمة وتدفق قيم، وعندما نتحدث عن حماية تراثنا البدوي الشعبي مثلاً معناه الجمع والتوثيق والحفظ مع وقف نهبه وتشويهه. ولعل تراث بوادينا الفرجوي جزء من أرشيفنا الوطني يقتضي قاعدة بيانات تخصه، فضلاً عن توفير أطر متخصصة وانتقاء طرائق تعامل، فمن شأن أرشيف هذا التراث تحقيق حماية وصيانة على نحو علمي أكثر تنظيماً وتدقيقاً.

 

وتبقى بادية مقدمة الريف حيث تازة مجال بتنوع تراثي كبير، وغني فني شعبي وايقاعات فرجة واسعة لعل منها رقصة "تشكلل" نموذجاً فقط لموارد ثقافية هائلة رافعة لتنمية محلية جهوية ووطنية. وبقدر جوهر هذا الرهان وحسن تدبير موارد الثقافي بجعلها داعمة للاقتصادي، وبقدر أيضاً ما تزخر به بوادي تازة من تراث فني بتفرد إيقاعي وهندسة عرض وفرجة بمنحى إنساني، بقدر ما هذا التراث وهذه الموارد الثقافية المحلية بحاجة ليس فقط لتثمين وحسن دمج انمائي بل لعمل حفظ واعتبار وحماية. ولعل الأمر يبدأ بالتعريف به وبكل سبل مفيدة من دراسة وتحليل ومقاربة وندوات علمية، كذا احتفاليات مؤطرة هادفة وظيفية بعيداً عما هو بهرجة. مع تحفيز البحث حوله ونشر جهود متخصصين وتقاسمها على أكثر من مستوى، ارتقاءً بشأن تراث منطقتنا عموماً ومن خلاله بتراث بلادنا ككل عبر ما ينبغي من اعتبار ووعي وإيمان بقيمته، وبمكانته وموقعه ودوره أيضاً في تنمية استشرافية لدى الجميع كل من موقعه بما في ذلك المتلقي.

 

- عبد السلام انويكًة، عضو مركز ابن بري التازي للدراسات والأبحاث وحماية التراث