الأحد 16 فبراير 2020
كتاب الرأي

جمال المحافظ: فشل تأسيس أول حكومة ديمقراطية تعبر عن الإرادة الشعبية

جمال المحافظ: فشل تأسيس أول حكومة ديمقراطية تعبر عن الإرادة الشعبية جمال المحافظ

ساهم الظهير البربري لـ 16 ماي 1930 من تقارب مختلف المنظمات الوطنية المغربية التي كانت آنذاك في طور التشكل، وذلك بعد استهدافه للهوية الوطنية المتمثلة في الدين الإسلامي والتي كانت تمثل آخر قلاع السيادة المغربية والتي لا يمكن للقوة الاستعمارية النيل منها، حسب روبير ريزيت في دراسة حول "الاحزاب السياسية المغربية" بالعدد 4 من حوليات الاقتصاد والمجتمع والحضارة سنة 1956، وهذا ما جعل الزعماء الوطنيين من التأثير في شريحة واسعة من السكان، للانضمام لأية مبادرة نضالية تتعدى النطاق القبلي، تخرجهم  من عدم مبالاتهم بتطورات الوضع.

 

وإذا كانت مرحلة الكفاح ضد الاستعمار، قد جعلت الحركة الوطنية والمغفور له محمد الخامس تجمعهما أولوية النضال ضد الاستعمار، وهو ما جعل التناقضات بينهما، لم تطف على السطح إلا عند الاستقلال، عندما بادر كل طرف منهما إلى التموقع، بهدف بناء شرعية جديدة، بدون الاهتمام بتحديات البلاد التي خرجت من مرحلة الاستعمار بوضع اقتصادي واجتماعي وثقافي هش ومترد .

 

فمقابل المشروعية والشعبية التي ظفرت بها الملكية بفضل الكفاح الوطني، برزت في المقابل الحركة الوطنية كتنظيمات سياسية حبلى بعوامل التفكك حول مجمل القضايا التي يطرحها بناء المغرب الجديد، في الوقت الذى كانت مرحلة الأربعينات ارتبطت بصياغة وثيقة المطالبة بالاستقلال فى 11 يناير 1944، وهي أول عقد سياسي بين المؤسسة الملكية والحركة الوطنية، كان يهدف تحقيق مطلب الاستقلال، وتمكنت الملكية بذلك من استثمار هذا التحالف، لامتلاك الشرعية الشعبية، وفي المقابل اكتسبت الحركة الوطنية شرعية سياسية، كفاعل أساسي.

 

واعتبرت السنوات الأولى للاستقلال مرحلة حاسمة في تشكل المشهد السياسي، الذي سيستمر بعد ذلك في التبلور خلال عقود من الزمن، وأرخي بظلال تناقضاته على الحياة السياسية، رغم التحولات المتسارعة داخليا ودوليا وظهور أجيال جديدة وقيادات لم تعش تناقضات هذه المرحلة، لكن آثارها لازالت ماثلة للعيان وتمارس تأثيراتها على النسق السياسي بتجلياته المختلفة.

 

فهذه الظروف أعطت للمغرب وجها انفرد به عن  بقية بلدان المغرب العربي، من سماته أن الجالية الأوربية عموما والفرنسية خصوصا ظلت محافظة على المكاسب والامتيازات التي حصلت عليها من سياسة الحماية، فضلا عن المحافظة على تشريعات عهد الحماية، بما فيها قوانين حرية التعبير والتنظيم. مما جعل العمل السياسي تتحكم فيه أساليب عهد الحماية تحكما كليا، على الرغم من أن المغاربة كانوا يتمتعون بحرية أكثر مما كان يتمتع به في عهد الحماية.

 

كما أن رئاسة الحكومة الأولى أسندت إلى امبارك البكاي، الضابط السابق في الجيش الفرنسي، باشا مدينة صفرو، الغير المنتمى للحركة الوطنية، والذى اعتبر اختياره آنذاك "أمرا غريبا". وفضلا على كونه لم تسند له رئاسة الحكومة، فإن حزب الاستقلال لم يحصل أيضا على أي وزارة كبرى. كما لم يستدع للمشاركة في الحكومة أي من قادته من قبيل علال الفاسي وأحمد بلافريج والمهدي بن بركة.

 

إن الهدف كان واضحا يتمثل -حسب عبد الرحمان اليوسفي في المحاضرة التي ألقاها في بروكسيل في فبراير 2003- "وضع العقبات" أمام بناء اقتصاد وطني متحرر وتدشين حياة ديمقراطية، فضلا عن  أن فرض شخصية مستقلة على رأس الحكومة، كان يهدف الى خلق "قوة ثالثة"، وهو جعل التجربة المغربية الوحيدة في العالم الثالث التي لم تتحمل فيه قوات التحرر الوطني مسؤولية إدارة الحكم بعد نيل الاستقلال.

ففي خطاب له في سابع دجنبر 1955، حدد محمد الخامس مهمة الحكومة الجديدة في "وضع أسس النظام الجديد الذى يسمح للشعب بتسيير شؤونه بواسطة مجالس محلية وبرلمان". غير أن احتدام الصراع بين القوى السياسية، صعب من انفراد الحركة الوطنية بقطف ثمار نضالها طيلة ربع قرن، ولم يقطع الطريق أمام ظهور "قوى آخر ساعة". وفرضت التعايش في ما بين الحركة الوطنية والقصر باعتبارهما التركيبة الوحيدة الممكنة في مغرب يمارس سياسة التوازن بالداخل والخارج، حيث شكلت الفترة الواقعة بين نيل الاستقلال ووفاة محمد الخامس (خمس سنوات)، "أسس المغرب المعاصر، وأيضا شدا وجدبا بين القصر وحزب الاستقلال" حسب ما جاء في مؤلف بيير فيرموريين "تاريخ المغرب منذ الاستقلال".

 

وكان المتتبعون يطرحون تساؤلات، بعد عودة الملك محمد الخامس من المنفى إلى العرش، من قبيل ما هي المؤسسات الجديدة التي ستظهر إلى النور بعد الاستقلال، في الوقت الذى كانت النخبة المغربية وأيضا حركة الفرنسيين الأحرار مقتنعين، بأن المغرب سيشهد إقرار ملكية دستورية يسود فيها الملك بوصفه حاكما دينيا ورئيس دولة ولا يحكم على غرار ملكة بريطانيا (موريس بوتان: "الحسن الثاني ديغول بن بركة ما أعرفه عنهم").

 

وفي نفس السياق أعلن محمد الخامس يومين بعد عودته بمناسبة عيد العرش في 18 نونبر، بأن المهمة الأساس المنوطة بالحكومة المقبلة، تتجلى في تأسيس حكومة عصرية مسؤولة، تعبر تعبيرا حقيقيا عن إرادة الشعب وتجعل من المهام التي تباشرها، مهمة وضع أسس أنظمة ديمقراطية، على أساس الانتخاب وفصل السلط، في إطار ملكية دستورية قوامها الاعتراف لجميع المغاربة على اختلاف عقائدهم، بحقوق المواطن، وبالحريات العامة والنقابية.

 

وإثر ذلك، قرر المؤتمر الاستثنائي لحزب الاستقلال "بصفة ارتجالية" المشاركة في الحكومة الأولى بعد مؤتمر إيكس ليبان"، على الرغم من معارضة علال الفاسي الذى ربط الدخول في أية حكومة، إلا إذا كانت منسجمة وبقيادة الحزب الذي كافح في سبيل نيل الاستقلال وعودة الملك.

 

وحدد محمد الخامس عدة أهداف للحكومة الجديدة والأولى منها "وضع أنظمة ديمقراطية على أساس الانتخاب وفصل السلط في إطار ملكية دستورية قوامها الاعتراف لجميع المغاربة على اختلاف عقائدهم بالحقوق وبالحريات العامة والنقابية، وإقامة أسس نظام يسمح للمغاربة بتسيير شؤونهم عبر مجالس منتخبة.

 

إلا أن حزب الاستقلال لم يرض بالبقاء في الحكومة الائتلافية الأولى بـ "الجو الخانق" الذي خلقه المشاركون في مؤتمر إيكس ليبان، متهما "رئاسة الحكومة وموظفين في الداخلية بالعمل على خلق حزب جديد منافس، وتأسيس اتحاد لنقابات مصطنعة" حسب رأيه، وهو ما أدى باللجنة السياسية للحزب المطالبة باستقالة الحكومة، واقرار تشريع ينظم الحياة العامة، ويضع الإطار المناسب لعمل الأحزاب والنقابات. وهكذا تكون أول مبادرة لتأسيس أول حكومة عصرية مغربية مسؤولة تعبر تعبيرا حقيقيا عن إرادة الشعب وتجعل من المهام التي تباشرها، تضع من بين أهدافها إقامة أنظمة ديمقراطية، على أساس الانتخاب وفصل السلط، في إطار ملكية دستورية قوامها الاعتراف لجميع المغاربة على اختلاف عقائدهم، بحقوق المواطن، وبالحريات العامة والنقابية، كما أعلن المغفور له الملك محمد الخامس مباشرة بعدته من منفاه السحيق رفقة الأسرة الملكية.

 

- جمال المحافظ، باحث في علم السياسة