الاثنين 25 مايو 2020
سياسة

يزيد البركة: ردا على الرسائل السياسية حول الديمقراطية والتنمية ( الحلقة الأخيرة)

يزيد البركة: ردا على الرسائل السياسية حول الديمقراطية والتنمية ( الحلقة الأخيرة) يزيد بركة،وحميد البوشيخي(يسارا)
يبعث القيادي اليساري يزيد البركة رسائل من تحت الماء في مقال مطول- تنشر "أنفاس بريس" الحلقة الرابعة والأخيرة من المقال - إلى حميد البوشيخي، عضو لجنة النموذج التنموي حول الديمقراطية والتنموية المعينة حديثا، قدم فيها دروسا إلى البوشيخي ردا على قولته التي أثارت سجالا حول مضمونها الذي يتحدث عن أن المغرب غير ناضج للممارسة الديمقراطية. وفي ما يلي الحلقة الرابعة من مقال البركة:
3- المجتمع المغربي والدولة :
بالعكس لما جاء في المقالة فإن بنكيران كان محقا عندما قال بإنه لا يقرر شيئا، ولو أن ذلك القول جاء تعبيرا عن استراتيجية لم يستطع أن يحققها، وهي أن يصبح عضوا هاما في نادي الأقلية التي تقرر في مصير المغرب، وليس فقط مكلفا بتنفيذ القرارات اللاشعبية الذي برع فيه، ونال بذلك رضى الأقلية بمن فيها الأقلام المأجورة لديها والتي وصفته برئيس الحكومة الأكثر شجاعة في تاريخ المغرب؛ كان الرجل يريد مكافأة على ما سماه إنقاذ المغرب إبان 20 فبراير، وهو هنا لا يقصد تأثير الجماهير التي نزلت إلى الشارع، وإنما يشير إلى تجنب انخراط حزبه في الانتفاضة لأن ذلك بالنسبة له لو نزل في مقدمتها او في الصفوف الأمامية مع العدل والإحسان لحصل ما لا تحمد عقباه، ولقام الإسلام السياسي بما قام به غيره في مناطق أخرى.
ومن المعلوم ان قيادة حزب العدالة والتنمية عرفت نقاشا داخليا قويا حول الانخراط وإعادة نزول الاسلام السياسي ضد خطة إدماج المرأة في التنمية في 12 مارس 2000 بالبيضاء، أو الحياد أو الوقوف في وجه 20 فبراير وقد اختار في النهاية موقع الثورة المضادة .
الشيء الثاني الذي يدفعه إلى الرغبة في المكافأة هي تصديه للطبقات الشعبية في عدد من الملفات والتملق للباطرونا المغربية بعدد من الإجراءات. لكن المقالة أصابت الحقيقة عندما استغربت عدم تقديم استقالته ما دام لا يقرر في شيء.
الواقع أن كل حكومات المغرب لا تقرر شيئا، وحتى الحكومات التي تشكلت في بداية الاستقلال كانت تخرج القرار باللقاءات والمشاورات مع القصر، وبالنقاش الداخلي الذي كان فيه رأي قوي يمثل مواقف القصر، فحتى حكومة عبد الله أبراهيم كان فيها با حنيني وزيرا للعدل وإدريس المحمدي وزيرا للداخلية ويوسف بلعباس وزيرا للصحة ومحمد عواد وزيرا للدفاع.
لكن كل تلك الحكومات تكونت على أساس المفاوضات القائمة على ميزان القوى وعلى التنازلات المتبادلة، وتكونت بالتالي خارج الدستور، لكن في ما بعد كل الحكومات التي تكونت، من غير فترة حالة الاستثناء، كان فيها الوزير الأول أو رئيس الحكومة فيما بعد بدون ميزان قوى، وبدون إرادة سياسية وأخلاقية، للدفاع عن روح الدستور والشعارات المرفوعة، وقد أصبحت الخريطة الانتخابية مزركشة والآليات عرفية، وفرض ما يسمى بوزارات السيادة ،هي المهيمنة على الفكر السياسي لقادة الأحزاب التي سعت إلى تشكيل الحكومات في ظل غياب أي تحول ديمقراطي حقيقي.
هجوم المقالة على الأحزاب من زاوية الديموقراطية الداخلية من جهة، وإعلاء شأن الدولة غريب، ويعيد إلى الأذهان دور الأقلام التي تبحث عن الرزق أو تتملق الدولة أو الجبن لعدم القدرة على قول الحقيقة، بإرجاع كل مسؤولية المصائب التي حلت بالمغرب إلى الأحزاب.
 إن علاقة المجتمع المغربي بالديمقراطية متأصلة، ويكفي الاستشهاد هنا بالطريقة التي يتخذ بها القرار على مستوى القبائل التي لها امتداد متأصل في المغرب، وهذا موضوع طويل ليس هنا مكانه، ولنتناول من الاستقلال، وقبله قليلا، إلى الآن ونقارنه بالدولة، من أدخل الترشيح الحر، والتصويت الحر والرضى بنتيجته إلى المجتمع؟ بعد أن كان أسلوب التعيين الذي تمارسه الدولة والزوايا التابعة لها هو السائد، وبعد أن كان قرار الطرف القوي هو القابل للتنفيذ؛  لقد أدخله حزب الشورى والاستقلال، والحزب الشيوعي وإن كان محدود التأثير إلا وسط المثقفين، وحزب الاستقلال في حدود في البداية، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية على نطاق واسع، وقد سارت الأحزاب التي تفرعت عن هذا المسار على نفس النهج وطورت من أساليب الديمراطية، لكن الدولة بقيت حبيسة أساليب التعيين وثقافة الطرف القوي المهيمن، وطورت خلال تاريخها العديد من الأشكال حتى أصبحت تمس حتى الديمقراطية الداخلية للأحزاب ومنها تقديم ثلاثة أسماء ليتم اختيار واحد منها، الأسلوب الذي بدأ ينتشر الآن حتى لدى المسؤولين على مستوى الحكومة وعلى مستوى الولاة والعمال، بل حتى الأحزاب التي كانت الدولة وراء نشأتها ورعايتها لم تستطع أن تستقطب اهتمام الشباب باتباع أسلوب التعيين والتسيير الفردي فلجأت منذ بداية القرن الحالي إلى اعتماد خطوات لا بأس بها عما كانت تعتمده عند نشأتها. لكن الدولة بقيت تجتر أساليب ملتوية للتهرب من نتائج التحول الديمقراطي، فكل التعبيرات السياسية والنقابية والجمعوية في المجتمع، وجدت نفسها تمارس الديمقراطية في عملها وفي صنع قراراتها بهذا القدر أو ذاك، لكن ماذا عن البنية الفوقية وأساسا منها الدولة؟ الا يعتبر تخلف البنية الفوقية عن تعبيرات المجتمع عاملا هاما يؤثر سلبا على العديد من هذه التعبيرات إلا من رحم ربك؟ والتأثير السلبي هو تقمص أسلوب الدولة في تطويق نتائج تطبيق الديمقراطية، وعدم الاعتراف بها والقيام بكل الممارسات التي تهدم كل ما يبنى إذا لم ترض النتائج من يعتقد أن تعبيرا سياسيا أو نقابيا أو غيره ضيعة خاصة به.
لا اعتقد ان تسليم كل الأمور او فقط الاقتصاد للدولة لتفعل فيها ما تراه مع كل الحجج التي قدمتها الورقة من شأنه ان يفيد المجتمع ولا أن يفيد الدولة في شيء، لا في إطار الملكية المطلقة كما تم الإيحاء بها في المقالة ولا في إطار الملكة التنفيذية، ويكفي أن نعرف ان المغرب عاش 12 سنة من 1965 إلى 1977 في ظل الملكية المطلقة إذا تجاوزنا السنوات التي تلت الاستقلال لانها كانت لها خصوصيات أخرى، فلماذا لم تتم فيها أي قفزة تنموية وهي فترة زمنية في المتوسط تكفي للإقلاع الاقتصادي؟ لقد كانت بالعكس مرحلة مارست فيها الدولة أقسى درجات الخشونة اقتصاديا وقانونيا على الطبقات الشعبية لفائدة الأقلية.
الجواب هو أن الدولة شطبت بالكامل المراقبة ولو كانت بسيطة ومحت الأحزاب المعارضة وقمعت الرأي وفتحت الباب لكل المنتفعين لكي يستغلوا الفراغ ويستظلوا بجهاز الدولة للنهب والسيطرة على الثروات.
ان ما كان يمكن انتظاره من طرف الشباب في العقود الماضية بدعوى أن الديمقراطية تحتاج لسنوات طويلة في إطار مسار الدمقرطة لا يمكن أن يقبله في الزمن الحالي، ذلك ان التقدم على مستوى الديمقراطية والحداثة علميا هو نتاج ما تصل إليه عادة قوى الإنتاج من تطور، بحيث لا يمكن تصور الحداثة في مجتمع يعيش مرحلة الإنتاج البسيط، لكن بنيات المجتمع المغربي الاقتصادية والسياسة والثقافية الآن تجاوزت الدولة وأصبحت طبيعتها برموزها وطقوسها وآلياتها عرقلة في وجه الدينامكية المجتمعية، لأن الشباب كون تصورات متقدمة للبنية الفوقية البديلة خاصة على مستوى تصورات الحداثة والقانون والحريات وطبيعة الدولة، وإن الإيحاء بالملكية المطلقة هو من باب الغلو الذي لا يفيد حتى الملكية التنفيذية نفسها، وهو تصور يسبح ضد التيار.
 انتهى.