الثلاثاء 11 أغسطس 2020
كتاب الرأي

المصطفى رياني:التربية في معادلة التطور الرقمي

المصطفى رياني:التربية في معادلة التطور الرقمي المصطفى رياني

أصبحت التربية تساءل الجميع من تربويين ومختصين ومثقفين نظرا للتطور التكنولوجي والرقمي الهائل في وسائل التواصل في إطار ما يعرف بالثورة الرقمية التي غيرت بشكل شبه جذري العادات والتقاليد والسلوكات إيجابا وسلبا بحيث تسارعت المتغيرات بشكل كبير أمام ما تفرزه شبكات التواصل الاجتماعي من ظواهر أصبحت تهدد جميع الأعمار بدون استثناء. فماهي إيجابيات الثورة الرقمية وماهي سلبياتها وماهي البدائل التربوية الملحة التي يمكن للمدرسة العمومية أن تقوم بها حتى يتمكن المجتمع أفرادا و جماعات من التعامل مع التدفق الهائل للمعلومات والتمييز بين المعلومات الزائفة والكاذبة والمفبركة والمعلومات التي يمكن الوثوق بها واستعمالها ؟

-1ايجابيات وسلبيات التطورالرقمي

لقد حمل التطور الرقمي متغيرات وإيجابيات هائلة غيرت الشيء الكثير في عملنا اليومي وفي قيمنا وسلوكاتنا بحيث ساعدت في سرعة الاتصال والتفاعل باستعمال الحاسوب و الهواتف الذكية وما تتوفر عليه من الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات متعددة جعلت المواطن قادرا على الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة بمختلف الأعمار من حيث إعداد البحوث المدرسية أو الجامعية والاستفادة من الأعداد الهائلة للمراجع التي تتوفر عليها شبكة الانترنيت. هذا بالإضافة للمعاملات التجارية في عالم الأعمال والخدمات والترفيه ومن بيع وشراء و التي يمكن للمواطن القيام بها وهو في منزله.

لكن الدور الحاسم في معادلة التطور الرقمي هي شبكات التواصل الاجتماعي التي حولت المواطن من مجرد مستقبل للمعلومات إلى فاعل في تدبير المعلومات واستعمالها والتعليق عليها ليقوم بدور الصحفي في غياب التكوين في المجال الإعلامي أو على الأقل التكوين الذاتي والإلمام بأخلاقيات الإعلام. فأصبح المواطن يتفاعل مع الخبر إيجابا أو سلبا وينتج موقفا معينا حسب مستواه وتكوينه وكذلك حسب طبيعة وعيه صحيحا أم زائفا في معادلة الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية. فأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي آلية العالم الافتراضي التي تساهم بشكل فعال في تشكيل الرأي العام وتوجيهه للتأثير والضغط وكذلك لممارسة النقد للقرارات والممارسات التي لاتعبر عن مصلحة المواطن.

بالمقابل سلبيات التطور الرقمي أصبحت تتصاعد أمام الاستعمال الغير السليم لهذه التكنولوجيا وخصوصا أمام مواطن لم يستفد بعد من الحداثة وقيمها وتفشي الأمية والجهل في صفوف المجتمع حيث غياب قيم الاختلاف والتسامح والحوار لا زال متفشيا بشكل يجعل شبكات التواصل الاجتماعي تساهم في تعميق هذه المظاهر السلبية كالتشهير بالغير والمس بأعراض الناس وخصوصياتهم والمساهمة في نشر الأخبار الكاذبة بدون التحقق من مدى صحتها.

أيضا أصبحت التكنولوجيا الحديثة تؤرق الأسر لما أصبحت تشكله من خطورة على تربية الأبناء وصحتهم الجسدية والنفسية وعلى دراستهم نظرا لصعوبة مراقبة وتقنين هذه التكنولوجيا سواء من طرف الآباء والأمهات أو في فضاءات المدارس. فالطفل تراه منزويا لساعات ومنعزلا تماما عن العالم الخارجي ومندمجا في عالمه الافتراضي يصل في بعض الحالات إلى الإدمان. هذا دون الحديث عن حالة الفتور التي أصبحت تعرفه العلاقات الأسرية بين أفرادها بحيث تجد الآباء والأبناء على السواء في عالمهم الافتراضي اللامتناهي يسرق من الجميع الدفئ الأسري والحنان وكل ما هو إنساني. ونفس الشيء ينطبق على العلاقات الاجتماعية بين الأصدقاء و في الناسبات بحيث يتقلص التواصل المباشر ويصيبه الجمود.

-2دور التربية في معادلة التطور الرقمي

تفترض الثورة الرقمية وما أحدثته من تطور تصورا واضحا لآليات المعالجة سواء من الدولة أو المجتمع في إطار قانوني يحترم حرية التعبير للمواطن وبدون المس بهذا الحق الذي يعد من الحريات الأساسية التي تشكل أسس المواطنة و قيمها التي تنظم الحقوق والواجبات. هذا بالإضافة إلى البحث عن معالجة تربوية تبدو لحدود الآن مفقودة في التعاطي الرسمي مع هذا التطور الهائل في المجال التكنولوجي والتواصلي ليقتصر الأمر على المقاربة الأمنية فقط الشيء الذي أدى إلى استفحال الظواهر السلبية والتجاوزات المذكورة أعلاه.

إن المقاربة التربوية والمتفاعلة جدليا مع المقاربة السياسية الحداثية و الديمقراطية من شأنها إعادة بناء المدرسة العمومية المغربية و منظومة قيم المجتمع وتحديثها وتنظيمها وهذا يفترض القبول بحتمية التغيير كضرورة العصر ومتطلباته والأخذ بأسباب التقدم وبسيادة مجتمع العلم والمعرفة المبني على سلطة العقل للحد من واقع الفوضى المعممة التي نعيشها والتي أدت إلى التسيب وانعدام المسؤولية في غياب المحاسبة التي يمكنها إرجاع الأمور إلى نصابها في إطار القانون.

لذلك فالمدرسة العمومية تقوم في جميع دول العالم بأدوار تربوية و إستراتيجية مهمة إذا ما توفرت لها جميع الإمكانيات المالية والبشرية والتكنولوجية للنهوض بدورها كمؤسسة تنتج الإنسان الذي نريد في المستقبل وفق إستراتيجية محددة تهدف إلى تحقيق التطور والتقدم في جميع المستويات وعلى رأسها ترسيخ قيم المواطنة و الديمقراطية و حقوق الإنسان و الإسلام المتنور لبناء المواطن الصالح. وهذا في انسجام تام مع ما يتطلبه المجتمع لربح رهان التنمية الحقيقية والنهوض بوضعية المواطن في المدن والبوادي وتحسين دخله و الرفع من مستواه المعيشي و انتشاله من مستنقع الفقر والتهميش و الجهل في عالم يتطور بسرعة هائلة يفترض الدخول إلى الحداثة والديمقراطية من أبوابها الواسعة لمسايرة المتغيرات التكنولوجية والثورة الرقمية بطريقة أعمق وأشمل. وهذا لا يمكنه أن يتحقق إلا من منظور تصور مجتمعي وتنموي جديد يؤسس لبناء المجتمع على أسس صلبة قوامها الديمقراطية و التربية المواطنة المبنية على العلم والمعرفة و ثقافة الحقوق والواجبات وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن الثورة الرقمية أصبحت سلاحا ذو حدين تفرز الإيجابيات والسلبيات. هذا الواقع يفرض القيام بمجهودات تربوية جبارة للنهوض بالتربية الإعلامية المندمجة مع العملية التربوية التي تقوم بها المدرسة العمومية وتحديثها ودعمها ماديا وجعلها النواة الصلبة للمجتمع التي من المفروض أن تعيد تشكيل الوعي الجمعي بقيمه وثقافته والقادرة أن تجيب عن السؤال التربوي في بعده الفلسفي:أيإنسان نريد في عصر الثورة الرقمية؟ وعدم الاطمئنان للأجوبة السهلة التي تعيد إنتاج الواقع المتخلف الذي نعيشه.إنه السؤال التربوي الذي يفترض جوابا جديدا يؤسس لمجتمع جديد متصالح مع ذاته ومع حداثته ويتجه نحو المستقبل بخطى واثقة لبناء مجتمع حداثي يؤمن بالتعدد والاختلاف لمواجهة كل التحديات وعلى رأسها رهان الديمقراطية والتنمية في عصر الثورة الرقمية.

خلاصة

وفي الأخير تبقى المسؤولية الكبرى بيد الدولة وكذلك المجتمع لتوفير الشروط الموضوعية والتربوية لتأهيل المدرسة العمومية حتى تساهم في بناء مجتمع العلم والمعرفة لتكون لنا مكانة بين الأمم المتقدمة.هذه المكانة تظل مستعصية في غياب خطاب تربوي علمي حقيقي يهدف لإعادة بناء المجتمع على أسس جديدة للخروج من مستنقع الجهل والتخلف.هذا بالإضافة إلى مساهمة المجتمع المدني كقوة اقتراحية للبدائل الممكنة لتطوير منظومة القيم لمواجهة التفاهة والانحطاط ودعم العلم الذي يتكامل مع الإبداع والفنون الراقية و منظومة القيم الروحية والدينية المتنورة التي تهدف لبناء الإنسان المتصالح مع ذاته وحداثته المعاصرة في مدرسة عمومية تسع للجميع في إطار الاختلاف والتعدد والمساواة. وفيها أيضا تتحقق التربية السليمة لمواجهة تحديات العصر وعلى رأسها الثورة الرقمية بمضمون ديمقراطي وحقوقي لبناء مستقبل أفضل.

 المصطفى رياني، أستاذ باحث في القانون والترجمة