السبت 7 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي: في ضوء مبادرات الحزب الاشتراكي الموحد

مصطفى المنوزي: في ضوء مبادرات الحزب الاشتراكي الموحد مصطفى المنوزي

إن الفرص التاريخية لا تصنع بالتباهي أو التماهي، ولا بالمبادرات الانفرادية. صحيح أن كل مبادرة يصاحبها تصور خاص ومقاربة خصوصية ومختلفة، لكن التمايز شرط لإبراز القيمة المضافة ضمن الحق في الاختلاف، وكل مبادرة بهدف التباهي لن تفيد الأمل في بنا الوحدة النضالية والتنظيمية، كما أن التماهي بين المقاربة الحقوقية وبين المقاربة الحزبية، من شأنه أن يؤجل الغاية من تنسيق الجهود وتوحيد الإمكانيات؛ وبذلك وجب التوضيح على أنه في مجال حقوق الإنسان لا محل لثقافة تصنيف المدافعين عن حقوق الإنسان بالملائكة والآخرين بالشياطين,

 

الحقيقة الوحيدة التي يملكها كل واحد من هؤلاء، هي ضرورة بذل عناية من أجل تحقيق الرسالة النبيلة المشتركة، وحقيقة الموت المطلقة، التي لا يملك أي أحد ولو كان ملاكا أن يحكم بها على كينونة من صنعوا معه المجال وأسباب الحياة. ولأن حقوق الإنسان كل شامل لا يتبعض، فإن أول مدخل للتعايش داخل وعاء الاختلاف هو الإقرار بكرامة الأنداد؛ فلا مكان للأسطرة ولا للعنترية، مهما كان نسب الأجداد وموقع الأحفاد.

 

فلكي نكون موضوعيين ومنسجمين مع خياراتنا وقناعاتنا المفترضة، بعيدا عن كل شعبوية ومظلومية، علينا أن نعترف بأن زمن التضامن مع المظلومين أو ضحايا المظلومية، لا يعقل ان يتجاوز سنة أو سنتين، بشكل مكثف ومتضخم ومبالغ فيه أحيانا، إلى حد التقديس وأسطرة الأشخاص، بدل التثمين المستحق والاعتراف النسبي، على حساب المهام اليومية والاستراتيجية المبدئية والرسالة النضالية البعيدة المدى.

 

وعوض أن نكرس كل زماننا الحقوقي والسياسي في، فقط، التضامن (كذا) معهم، وننوب بالوكالة عنهم في مسائلهم الشخصية والخصوصية؛ علينا أن نعلمهم كيف يؤسسوا لأنفسهم آليات الدفاع والمقاومة الذاتية ومقتضيات الصمود السياسي، وليس الذاتي فقط، ووفق ألف باء تقرير المصير السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ليستقلوا (كحركة منظمة مستمرة في الزمن وليس فقط كحالة نضالية) عنا بمقاربتهم وخطة عملهم فير المعلنة، ما داموا يزعمون أنهم البديل السياسي والتاريخي عن الجميع، ويفرضون إيقاعهم وقلقهم "الثقافي" الخاص بهم، ويبخسون الذاكرة الجماعية المشتركة، ولا يعترفون بمن سبقوهم، ولا يقرون بكل ما يرتبط بالتضحيات وبالبذل والكلفة السياسية والمكتسبات الحقوقية والنضالية، من أجل رفعة وتحرر هذا الوطن؛ فهم بجرة قلم كادوا ينسفون كل لبنات تشييد المشروع المجتمعي الديموقراطي الخالص من أي نفحة يمينية أو يسراوية حتى.

 

من هذه الزاوية، وبهذه الشروط البسيطة، كحد أدنى، يمكن أن نتلمس ملامح أي حل ديموقراطي لكل الأزمات العامة والخاصة، سواء في الأقاليم الجنوبية أو وسط البلاد، على امتداد سلسلة جبال الأطلس وهضابها وسهولها، أو على الضفاف الحدودية الشمالية والشرقية. ولعل مبادرات بعض الأحزاب السياسية قد تحفز نسبيا هذه الإرادة، رغم أنه كان بإمكان الحزب الاشتراكي الموحد أن يشرك معه شبيبات مكونات حلفائه في فدرالية اليسار الديموقراطي في هذا التمرين السياسي، لكي تعزز المبادرة بمقاربة تشاركية، وذلك غداة، وفي ظلال إطلاق مبادرة الجبهة الاجتماعية، والتي يحتمل أن تتماهى فيها مطالب الحد الأدنى المشترك والمبدئي، التي يفترض أن تبرز جليا في بيان الحسيمة، من خلال التذكير بضرورة استكمال تحرير الثغور والمدن والجزر المحتلة، ومن استكمال مقتضيات البناء والتغيير الديموقراطي، بخلفية التأسيس أو إعادة التأسيس لبديل عن كل بنيات الحكم الفردي والتعاقدات التقليداني، موازاة مع تسريع وتيرة إقرار دولة الجهات، تحت شعار "الوحدة والتنمية الذاتية والدينوقراطية"، وهي مداخل لتأكيد أن الوحدة لا يعقل أن تتم إلا في ظل مخاض مثل هذه المبادرات الميدانية، رغم أن للمدى الزمني دوره في تحقيق التراكم، كما لا يمكن أن تكون عملية التوحيد المندمجة دون أفق تشاركي وببعد إدماجي، مما يطرح سؤال الاستمرارية ومنطق الاستدراك، وكأن التجريبية لا تبرح المكان والزمان معا.

 

فهل يكفي التثمين والمجاملة، أم لا مناص من تفكير نقدي يرافق مثل هذه المبادرات التي قد لا يأتي الزمن السياسي المتردد بنظيرها، على الأقل في الأمد المتوسط، ناهيك عن ضغط الهاجس الانتخابي الذي أكدت الأيام أنه  كان عامل شتات، بدل أن يكون شرط  توحيد.