الثلاثاء 19 نوفمبر 2019
كتاب الرأي

عبد الالاه حبيبي: اختناق الطفولة في عنق زجاجة حلم الآباء...

عبد الالاه حبيبي: اختناق الطفولة في عنق زجاجة حلم الآباء... عبد الالاه حبيبي
ظاهرة الاحتجاز الطوعي للأطفال على الكراسي لساعات، وبعدها توجيههم لمراكز أخرى قصد الحصول على دروس مكررة لساعات إضافية، تشكل أخطر ما عرفته البلاد منذ الاستقلال من وسواس النجاح الذي بات شبحا يكيف عقول ونفسيات أغلب الناس، هرولة دون فرملة للبحث عن أي وسيلة تمكن الأسرة من ضمان النجاح لأبنائها، طرق أبواب المدارس الخاصة، اقتطاع أموال مهمة من مصاريف الحياة اليومية لفائدة هذا التمدرس المؤدى عنه، التضحية بكل الكماليات، لأجل أن يحظى الطفل برعاية تربوية خاصة باتت تشكل عبئا كبيرا على الآباء، وخطرا محدقا بالمستقبل الصحي للأطفال، وبالسلامة النفسية للمجتمع ككل.
الخوف من المستقبل، الرغبة في أن يحقق الأطفال ما لم يحققه الآباء، السعي لأن يتفوق الصغار على أقرانهم، الحلم بالمناصب السامية، التنافس لأجل المعدلات المرتفعة، تلكم علامات وسواس اجتماعي عام، هذيان يرهق الأطفال أولا، ليصيب الآباء بالاكتئاب حتى ولو توفرت لهم الوسائل والإمكانيات، لكن هناك إحباط دوما يتربص بالنتائج، بحجم الواقع غير المتوقع، بما لم يكن في الحسبان، أي فقدان الطفولة للحصول على نتيجة اجتماعية يتباهي بها الآباء بين الناس، وإشباع حاجة ظلت مكبوتة في وجدان أب أو أم لم تسعفهما ظروفهما على أن يمتلكا الحياة التي حلما بها زمن الصبا.. الأطفال يؤدون دوما ثمن هلاوسنا و خيباتنا، نرسم من خلالهم ملامح حياة ضاعت منا، نراهن عليهم لينتقموا لنا من الظروف التي حرمتنا من سعادتنا المتخيلة، نستثمرهم كحطب حتى نظفر بالوجاهة والاحترام، ونيل الحظوة، أو ركوب صهوة مجد هارب، نضعهم في واجهة حرب لا علاقة لهم بها، هي حربنا الخاسرة، وماضينا المنتهي الصلاحية، وطفولتنا التي لم يعد لها مبرر وجود، لكن، ودون وعي، نستمر في تعميق هذا الهوام، نحول ذوات الأطفال إلى ذواتنا المنكسرة، نضخ فيها هواءنا، خلجاتنا المهتزة، مخاوفنا، إحباطاتنا القديمة، ثم ندفعهم، بقوة، ودون رحمة، إلى الدخول في سباق  مجنون ضد خياراتهم، ضد أحلامهم، ضد أذواقهم، المهم بالنسبة لنا أن يكونوا كما كنا نريد نحن أن نكون، أن يصبحوا مهندسين أو أطباء مرموقين، أن تكون لهم سيارات فخمة، وفيلات ومكاسب مادية تبعد عنهم الفقر إلى الأبد، لكن كل ذلك لن يصبح ممكنا إلا بعد أم يكونوا قد  فقدوا طفولتهم، وهويتهم، وتخلوا عن ميولاتهم، وتبرؤوا من شخوصهم، واحرقوا كل ملامحهم، وباتوا قناعا يخفي اضطرابا في نفسية مجتمع يرفل في فصام خطير... 
من هنا كان الرأسمال المتوحش يرسم خريطة طريقه للانقضاض على هذا الحلم المرضي، لمداعبته، ودغدغة سذاجته، حيث راح يعمق السراب، يقترح الأضواء، والحفلات، وكرنفال لغات الآخر المنتصر على أزماته الحقيقية، يقتنص الفرص، يراكم الثروات، يستفيد من سخاء الدولة التي تخلت عن تربية أبنائها لصالح الشركات، هكذا تخلينا عن المدرسة الوطنية التي كانت تصنع الحلم الحقيقي، المبني على قوة الواقع، المشتق من ميولات الطلاب وتطلعاتهم الخاصة، لنضع كل طموحات أسرنا في قطار تجار الأوهام والأحلام المزركشة بألوان الإغراء والإغواء، حتى ضاعت البوصلة واختفى الحماس وصار كل واحد منا يبحث عن قشة يتمسك بها حتى يضمن لأبنائه بلوغ شاطئ النجاة.
الأحلام المنفلتة من ضوابط العقل والواقعية، والتطلعات القادمة من شاشات الطفولة المتلاشية، كلها فرقعات في خواء روح منكسرة، سرعان من يلتقطها تجار الوعود الكاذبة ليحولوها إلى دكاكين ومتاجر يبيعون فيها سلعا ومعلبات قد تسكت الجوع لحظة لكن لن تقضي أبدا على الخوف من مجاعة مفترضة..