الأحد 8 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

عبد الغني السلماني: أردوغان والحلم الكردي

عبد الغني السلماني: أردوغان والحلم الكردي عبد الغني السلماني

حرب أردوغان القذرة ضد الأكراد. تفرض على كل إنسان حر أن يسائل مصير و مستقبل كائن بشري يسمى الكرد، هذا الكائن يقاسمنا الجنس البشري والتطلع إلى عالم حر وسعيد . الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لعب بدهاء وتواطؤ مع القوى المتحكمة في مصير الشعوب، لشن حربه ضد الأكراد وهي خيانة لحلم إرادة تربت على السلم والحب والتشبت بالأرض والأمل في المستقبل .

وطن الكرد:

الأكراد لم يكن لديهم موطن خاص بهم، عاش الأكراد فى مناطق مختلفة كردستان وهي المنطقة الجبلية التي تقع بين حدود العراق وايران وتركيا ، لذلك كان الاكراد جزءا من الامبراطوريات الفارسية والعثمانية التي عرفها التاريخ ، في عام 1923 ، قسمت كردستان بين (العراق وتركيا) ، وبعده تم تقسيم المنطقة الكردية بين ايران والعراق وسوريا وتركيا، منذ ذاك التاريخ عرفت القضية الكردية سنوات طويلة من الحرب والعداء بين ايران والعراق ، موقفهم جعلهم دائما محاصرين باستمرار بسبب القتال بين البلدين ، وفي تركيا لم يكونوا في أفضل حال حيث عمل حزب العمال الكردستاني على الاستقلال الكردي ، كلف زعيمه عقوبة بالسجن مدى الحياة بعدما اعتقلته تركيا العام 1999 هو مؤسس وأول قائد للحزب منذ عام 1978، وهو حزب يساري يسعى إلى الاستقلال عن السلطة وبناء مجتمع يصفه بأنه "بيئي ديمقراطي متحرر".

تعرّضَ الحلم الكردي لسنواتٍ طويلةٍ لأبشع وأوسع الحملات ضد تطلعاته وآماله؛ وكانوا دائماً ضحيةً للتوافقات الدولية ومصالحها، في هذا التناقض يستثمر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دوره في اغتيال ما تبقى من الحلم الكردي ، يقدم نفسه أمام العالم الإسلامي أنه وريث للسلاطين العثمانيين، كما يقدم نفسه أمام الأتراك كأنه حامل لواء القومية التركية.

حرب أردوغان ضد الكرد يٌسوِق أن تركيا "تسعى الى دعم دولي لإحلال السلام والاستقرار في شمال سوريا وفي المنطقة من خلال تطهير المنطقة من الإرهابيين وتمكين اللاجئين السوريين من العودة إلى ديارهم في بيئة مستقرة وسلمية، "رغم أن أنقرة هي البوابة لاستقطاب المقاتلين على الأراضي السورية من أجل تخريب أوطان الغير . لكن البسالة الأسطورية التي تبديها قوات حماية الشعب الكردي وقوات حماية المرأة التي فاقت كل التوقعات، لا يمكن التوقع بأن تنتهي تلك العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة التركية بمباركة وتكتيك أمريكي إلى نزهة أردوغانية بقدر لا ستدفع المنطقة إلى تعميق التوترات والمجازفة بمستقبل الدولة السورية بعدما تكسرت كل الإرادات التي كانت تستهدف القيادة و استقرار الدولة . لن تحقق تركيا مطامحها التوسعية .

الجريمة والجلاد:

إن الوضع الإنساني والفظائع التي تُرتكب في حق الأكراد في شمال سوريا يستفز كل الأحرار في العالم ، وكل المعنيين بحقوق الإنسان. ما يجري في عفرين هو جريمة ضد الإنسانية بكل المقاييس وضرب لكل المعايير الأخلاقية والقوانين الدولية . أمام أعين العالم يتم إبادة سكان مدينة سورية ونازحين من مناطق سورية أخرى يقًدرون بأكثر من مليون إنسان لم يرتكبوا ذنبًا سوى اختيارهم الحياد العسكري بين النظام والعصابات الإسلامية الإجرامية والدفاع عن أمنهم وحياتهم.

أكراد سوريا وبقايا الوطن القومي :

للتذكير أن القضية الكردية في سوريا تختلف عن الوضع في العراق مثلا ، بكردستان سوريا أو روجافا، فكرد سوريا مؤطر من قبل تيار سياسي حزب الاتحاد الديمقراطي المهيمن في المنطقة يرفض مفهوم الدولة – الأمة والنضال لأجله، ويتبنى توجهًا يسمى بالمجتمع الديمقراطي يميل إلى طروحات تلغي الدولة المركزية والاستعاضة عنها بكيان سياسي مبني على أساس الإدارة الذاتية للمناطق والمدن المختلفة بمشاركة جماهيرية واسعة وديمقراطية مباشرة. كردستان سوريا ترفض أن تعيش في دولة تعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية. إنها الرغبة لا يمكن أن تحققها الحركة القومية الكردية والأحزاب القومية في المناطق الأخرى، وهذا الحلم يزعج الأردوغانية ويطمح إلى اجتثاثه من أجل توسيع نفوذه مع شركاءه الغربيين وحلفاءهم الرجعيين .

لا يحتاج المرء أن يكون أمميًا ويرفض التوجهات القومية التي تدافع عن القضية الكردية من زاوية تحقيق الكرامة والحرية للأكراد . فالتحليل الموضوعي لواقع الكرد في المنطقة يدفع بالمتتبع إلى استنتاج مفاده؛ أن شعبًا مقسمًا بين كيانات لا يمكنه أن ينعم بحقوق المواطنة المتساوية في دول لا تعتبر مواطنيها متساويين في المواطنة بغض النظر عن الدين والقومية، وهذا الطرح لا يمكن أن يحقق هذا الحلم إلا إذا ناضلت القوى الكردية مع القوى اليسارية والتقدمية لأجل تحقيق تحول جذري في التركيبة السياسية لدول ومجتمعات المنطقة. الكرد سيتحررون مع كل الجماهير المضطهدة في المنطقة وليس قبلهم.
حتى لو لم تكن أقدار السياسة والتاريخ يدفعهم ليكونوا جزءًا من الحركة التحررية والتقدمية في المنطقة، فالجغرافيا تجبرهم على التعايش والتآلف في الموطن المتعدد التي يحقق المواطنة لكل الأبناء . بمعنى قدر الكرد أن يكونوا أمميين لا قوميين لكي يتحرروا.
 
ناقد وباحث