الاثنين 14 أكتوبر 2019
في الصميم

أحزاب «الانحراف» و«الإفلاس» و«الانتهازية»!!

أحزاب «الانحراف» و«الإفلاس» و«الانتهازية»!! عبد الرحيم أريري

«تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة»...»

هذا ما ينص عليه الفصل السابع من دستور 2011 الذي حصر مهام تأطير المواطنين في الأحزاب بالأساس دون غيرها من الهيئات، فضلا عن كون الأحزاب هي القناة التي يمر منها السياسيون إلى ماكينة التشريع بالبرلمان والحكومة والجماعات الترابية. أي أن الحزب عمليا هو الهيأة التي تتحكم في رقاب المواطن أينما حل وارتحل وتقرر في مصيره وترهن مستقبله ومستقبل أولاده.

موازاة مع ذلك وضع المشرع رهن إشارة هذه الأحزاب غلافا ماليا باهظا لتمويل حملاتها وأنشطتها ومؤتمراتها، وهو الغلاف الذي يرصد من المال العام كل سنة في القانون المالي ويحول إلى حسابات الأحزاب.

في الدول المتمدنة يتحمل الخاضعون للتكليف الضريبي هذه الكلفة المالية والسياسية ويدرجونها في خانة «كلفة الديمقراطية»، لأن هذه المجتمعات المتمدنة بلغت من النضج ما يكفي لترشيد النقاش العمومي داخلها وتحقيق التدافع المدني بين تياراتها الحزبية التي تضع نصب عينيها بالدرجة الأولى مصلحة البلاد والعباد (أي كان انتماء هذه الأحزاب: يمينية أو يسارية أو كاثوليكية أو بيئية...إلخ).

المغرب لما قلد واستنسخ ما يجري في أوروبا من خلق للأحزاب وتمويلها وتسمين سياسييها وتحمل نفقات حملاتها الانتخابية، فلكي يكون المواطن المغربي هو المستفيد الأول والأخير من هذه التحملات المالية ويكون المواطن هو الرابح من هذه الهندسة المؤسساتية.

لكن للأسف تحولت الأحزاب عندنا (إلا من رحم ربك) إلى «محميات عائلية» يتم فيها تثبيت الأهل والأصهار والأقارب و«لحاسي الكابة» في المناصب العمومية على حساب الجدارة والاستحقاق، بالنظر إلى أن الأحزاب هي التي تقترح الأسماء المرشحة للمناصب العمومية، وتحولت الترشيحات للمناصب الانتخابية في المجالس المحلية والجهوية والبرلمانية إلى «سوق للنخاسة» يتزايد فيها «عبيد الانتهازية والوصولية لشراء التزكيات وللظفر بمنصب سياسي بجماعة أو جهة أو بالبرلمان. أما الاستوزار فأضحى في الأغلب الأعم «بورصة» لمكافأة «الأفاقين» أو «الكذابين» وليس بحثا عن بروفيلات تحمل مشروعا مجتمعيا ومهووسة بأجرأته على أرض الواقع. لدرجة أن شباب وزعماء عدد من أحزابنا أصبحوا أقرب إلى «فيدورات» الحانات الحقيرة منهم إلى رجال دولة (لازين، لامجي بكري) من حيث استعمال «قاموس الزنقة» أو «سلوكات المشرملين» أو «نوايا البانضية ومصاصي الدماء»، بدل أن يكونوا ضمير المجتمع والقدوة التي يهتدي بسلوكها وبنبلها الشباب المغربي.

لسنا في حاجة لتقديم البراهين على ذلك، فالمتتبع اللبيب لمجريات الجموع والتجمعات الحزبية والشبابية لهذا الحزب أو ذاك سيصاب بالغثيان، وهو يرى بأم عينيه كيف يتم الدوس على الدستور، بل وتمزيقه أمام أعين المغاربة الذين صدقوا ذات يوم من يوليوز 2011 أن التصويت على الدستور الجديد هو وضع المغرب على السكة الصحيحة، لكن العكس هو ما ثبت وما زالت الأحزاب تعيش في زمن «الانحراف» عن القيم والمبادئ، ولا يجني منها المغاربة غير الخراب والإفلاس.