الأحد 20 أكتوبر 2019
مجتمع

الحتاش: الحوار الديني كمدخل لإشاعة ثقافة التسامح والاعتدال

الحتاش: الحوار الديني كمدخل لإشاعة ثقافة التسامح والاعتدال سفيان الحتاش
شارك الأستاذ سفيان الحتاش بمداخلة قيمة تحت عنوان الحوار الديني كمدخل لإشاعة ثقافة التسامح والاعتدال يوم السبت 5 أكتوبر 2019 خلال فعاليات الدورة السابعة للجامعة الصيفية المنظمة من طرف جمعية ريف القرن 21 لنيل دبلوم في مسلك “قيم التسامح وتأصيل مبادئ الإختلاف والتعايش” بدار الثقافة بالحسيمة.
كان مضمونها على النحو التالي:
يتفق الداعون إلى "حوار الأديان" على أنه يهدف إلى تحقيق الحوار والتعايش الحضـاري بـين أتبـاع الأديان المختلفة من أجل تحقيق فهم أفضل للمباديء والتعاليم الدينية لتسخيرها لخدمة الإنسانية جمعـاء، وانطلاقًـا مـن الاحتـرام المتبـادل والاعتـراف بالاختلاف . كما يهدف حوار الأديان إلى تسليط الضوء على القيم المشتركة إنسانيا باعتبارها الركيزة الأساسية للحوار، والسعي إلى تحقيق التعاون على ما فيه خير الإنسان وحفظ كرامته وحماية حقوقه ورفع الظلم عنه وحل مشكلاته وتوفير العيش الكريم لـه، وتلك هي مبادئ مشتركة جاءت بهـا الرسـالات الإلهية وأقرتها الدساتير الوضعية وإعلانات حقـوق الإنسان العالمية . كما نجد التأكيد على رفض كل مظاهر العنف وعدم التسامح بين الأديان من خلال تعميق روح الحوار الصادق والاحترام المتبادل علـى أساس المعرفة المتبادلة والحقيقية . لم يمثل الحوار ضرورة كما هو اليـوم في كـل تاريخ الإنسانية؛ فقد تسارعت خطـى الاتصـال والتشبيك بين البشر في جميع أنحاء العالم، وصـارت العزلة أمرا غير ممكن في عصرنا هذا . وأدت العولمة إلى علاقات وتبادلات سياسية واقتصادية وثقافية غير مسبوقة؛ حيث ربطت حياة الشعوب واقتصـادات بعض ببعض مـن خـلال التطـورات السياسـية والتكنولوجية على حد سواء.
وقد أدت التطـورات التكنولوجية -على وجه الخصوص- إلى اخـتلاف إدراك البشر لاعتبارات الزمـان والمكـان وطـرق التواصل بينهم؛ ويتحدث المنظر رون اليـوم عـن خصيصتين أساسيتين في عصـرنا وهمـا "الامتـداد والضغط"؛ والامتداد يعني امتداد تأثيرات الحداثة إلى العالم أجمع، والضغط يعني اختصار الزمان والمكـان.
فأصبح التواصل بين البشر أسرع كثيرا من الماضي في الوقت الذي تتكامل فيه الأبعاد العالمية والمحلية مـع بعضها البعض .
هذه التطورات أثَّرت على فهمنا للأديان ذاتهـا وطرق التعامل معها، وهـذا التـأثير ذو اتجـاهين متناقضين؛ أحدهما يمثل الاتجاه نحو تعـدد الهويـات وتماهيها وإثراء مفاهيم تقلل من التمايزات الثقافيـة بين الشعوب مثل "المواطنة العالمية"، ومن ضمن هذه الرؤى ما يعتبر الأديان عائقًـا أساسـيا في سـبيل التواصل ما بين الثقافات واعتبارات المسئولية اللذان يمثلان أساس المواطنة والحقوق العالمية ، واتجاه آخر نحو إحياء الهويات القومية والأصوليات الدينية بفرعيه المختلفين؛ حيث يدعو أحدهما إلى الانغـلاق علـى المعتقدات أو اللجوء إلى العنف غير المبرر استنادا إلى الدين، والفرع الآخر يدعو إلى الانفتاح على الآخر والتفاعل الصحي والإيجابي معه وفي نفـس الوقـت التمسك بالهوية وبالتعاليم الدينية والقـيم وتفعيـل دورها الإيجابي في المجتمعات لإثراء البشرية كلـها.
وقد قدم كلٌ من هذين الاتجـاهين "جملـة تنبؤيـة تقريرية تقرر أن العالم مقبل على نوبة إما من الصدام والحروب المتنوعة، أو من التقارب والتشارك علـى مستويات الأمم والشعوب، وجملة أخرى معياريـة تقديرية توجه نحو السبيل إلى الكسـب الخـاص أو الكسب المشترك: إما في معترك الصراع الحضـاري، (أو على مائدة الحوار" . ومنذ أحداث الحادي عشر من سـبتمبر، الـتي أثَّرت كثيرا على عالم ما بعد الحرب الباردة، تنـامى صعود الأبعاد الثقافية والدينية وتأثيرتها المختلفة على السياسة العالمية وخاصةً فيما بين العـالم الإسـلامي والغرب.
وهذا قد أدى بدوره إلى تجـدد الاهتمـام بقضايا الحوار بين الأديان والثقافات التي شـهدت جدالات عديدة ودرجات مـن التبـاين في الآراء.
إن المقدس الديني لأية ديانة يمثل خطها الدفاعي الأول وبؤرة التوتر والصراع والشكل التاريخي الذي يحافظ على عوامل البقاء، وبذلك فإن أي اختراق للحدود الدينية يعني تهديدا للهويات المحلية والروابط الاجتماعية والتاريخية، وهذا يؤول إلى تفجير الصراعات الحضارية واستثمار المخزونات الرمزية للأديان والعادات والذاكرة الجماعية وإشهار المقدس الديني بالأساس كوسيلة دفاعية وسلاحا ثقافيا في مواجهة الوافد الغريب.
إن شكل الصراع الحضاري المعاصر إذ يتخذ المقدس الديني أسلوبا إيديولوجيا للتعبئة والتحريض والمناورة، فإنه يعني الهيمنة على الإنسان والسيطرة على الوعي التاريخي للحضارات والشعوب كما تبشّر به نظرية نهاية التاريخ وغلق الحدود أمام أية حضارة تريد التسامح والحوار، ومن ثمة القضاء على العيش المشترك وثقافة الاختلاف. وعليه تبحث هذه الدراسة شروط الحوار وتعيين الإمكانات التي يمكن أن يقوم عليها السلم والتسامح بتحديد المعطيات المتوفرة في كل طرف من أطراف الحوار حتى تكون النتائج المترتبة على ذلك عقلانية وقابلة للطرح، إذ إنه لا يمكن أن يكون هناك حوار مثالي ومطلق يتخطى القوانين التاريخية وتوازن القوى وفطرة التنافس كجزء من الطابع البشري، ولذلك نحاول في هذا العمل أن نحدد المعطيات التي تقدم فكرة عن طبيعة الحدود بين الأديان والحضارات حيث من خلال هذه الطبيعة يمكن تفعيل حوار عقلاني حول المقدس بوصفه الانعكاس الرمزي للحدود والمسافات والأبعاد الناشئة حضارياً.
التسامح الديني في الرؤية القرآنية
من الجهالات المتأسلمة التي تمارسها بعض أحزاب والجماعات الإسلامية الديني هي المزايدة على الناس في الدفاع عن الدين والتظاهر بالحرص على العقيدة والشريعة ! إن المتأمل في النص القرآني بكل تجرد وعلمية وموضوعية لا يمكنه صراحة إلا أن يقف مشدوها إلى تلك المعاني التي تطرح على البشرية معادلات موغلة في المحبة والتسامح تتأبى النفوس المريضة تطبيقها، من ذلك قوله "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". فهل يكون الإنسان المتقدس احرص على الدين من خالق الكون الذي خلق فسوى وأعطى كل شيء خلقه الذي أمر خلقه من البشر أن " ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " هذه المعادلة الإلهية تسفه التعصب والمزايدات العقائدية، وتكشف عن ضعف وهزال مهول للذين يعرضون عنها لاجئين إلى الخشونة والعنف والكراهية، ولا يستطيع تلبسها إلا السامون في مدارج العرفان، فالمزايدة في المسالك العملية ليست دليلا على قوة الإيمان مادامت حرية العمل وتعددية الشاكلة مخولة اليها العبادة في قوله " كل يعمل على شاكلته، فربكم أعلم بمن هو اهدى سبيلا" فالشاكلة هي الطريقة والسيرة التي اعتادها صاحبها ونشأ عليها. بل إن الرسول الكريم المستقبل للوحي يضع نفسه وهو على مائدة الحوار مع المخالفين موضع القرين، لا موضع اليقين ، إذ لا يمكن لحوار ينطلق من صاحباه من يقينيات أن ينجح، وهو ما نقرأه في قوله تعالى " أنا أو اياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" بل إن أول حوار اطلقه الله واذاعه في القرآن، استفاد منه الشيطان، بكل حرية مع أن الشيطان بالتعبير القراني كان مؤمنا بالربوبية وباليوم الاخر في قوله" قال ربي انظرني الى يوم يبعثون" ....فإذا كانت هذه المسالك هي الحائكة لفلسفة التسامح الإلهي التي يعكسها النص القرآني، فكيف بالتمثلات البشرية لهذه المعاني في الحياة الاجتماعية والتجارب الفكرية. 
يذهب د حسن نصير في كتابه " التعددية الدينية، مقاربات في الأديان ومفهوم الذات الغائبة، مناظرة بين جون لهيك وحسن نصير ص 109" إلا أن نشوب المعارك والصراعات لا يعزى إلى الأديان بمقدار ما يعزى إلى الطبيعة النفاقية لدى الإنسان والتي تصطبغ أحيانا بصبغة دينية، فقد يكون النص واحدا، كما هو الشأن مع النص القرآني، لكن القراءات والتجارب الحركية في الواقع متعددة إلى حد التضارب والتناطح ، مما يمكن ملاحظته في موضوع ثقافة التسامح المنبعثة من النص القرآني والتي أفرزت لنا وجهتي نظر في التراث الإسلامي، أحداهما سلفية حاربت التسامح والتعددية بالتفكير والتبديع والإرهاب مستندة إلى نصوص قرآنية، وحديث الفرقة الناجية ،والتيار الثاني صوفي عرفاني دأب في التسامح إلى درجة تم إسقاط كل الفوارق الدينية والقومية والمذهبية بين الناس وهو ما تعكسه كتابات وأشعار العرفاء، مثل قول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني على دينه داني
وقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى غزلان وبيت الأوثان
ودير لرهبان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وايماني
لقد شوه الإسلام اليوم ودفع به كي يكون خارج التاريخ لأنه انقلب من تأمل حضاري الى حملات فتوى للاسلاماوية ، تلك الحملات التي أخرجت الدين المسيحي من التاريخ، من قبل. والاسلام اليوم بحاجة إلى أن ينهض بعقلانية، وان يسترد روحه الخاصة به أيضا، تلك الروحانية المؤسسة على العقل ، والعقل المنتهى بالروحانية ، حيث يبتدئ الإيمان بالشك والاحتمال ثم البرهان واليقين، انتهاء بولوج باب الغيب ، فتكون القضية مبنية على أضلع ثلاث : الشريعة والطريقة والحقيقة. أنها قضية تكشفت بوضوح في اللقاء الشهير بين العارف بالله ابن عربي والفيلسوف ابن رشد لقاء على ملاقاة العقل بالطريقة والذي انتج خطاب العرفان الفلسفي. ونحن اليوم إزاء المشهد الاقليمي والدولي الذي يئن تحت وطأة الهجمة الاسلاماوية الظلامية ومخرجاتها الارهابية وتوظيفاتها الجيوسياسية من طرف الرأسمالية المتوحشة تبرز الحاجة إلى هذه التوليفة بين العقل والطريقة بين البرهان والعرفان.