السبت 30 مايو 2020
كتاب الرأي

كريم مولاي:معارك إضاعة الوقت والجهد في الجزائر

كريم مولاي:معارك إضاعة الوقت والجهد في الجزائر كريم مولاي
يوم آخر من مظاهرات الطلاب المستمرة منذ أواخر فبراير الماضي، والمطالبة بالحرية والكرامة وإنهاء الفساد والمفسدين ورحيل العصابة التي مازالت تتحكم في مقدرات الجزائر وتتحايل على مطالب الانتقال الديمقراطي بدعوات مضللة للانتخابات، وبتشكيل هيئة وطنية للإشراف عليها.
لقد أثبت الجزائريون طيلة الأشهر الماضية من عمر حراكهم، وعيا ليس فقط بالمرحلة الدقيقة التي تعيشها الجزائر خاصة والإقليم المغاربي والعربي عامة، وإنما أيضا بالتاريخ والجغرافيا السياسية، حيث يسيل لعاب القوى الاستعمارية التاريخية والحديثة على نفط وغاز وذهب الجزائر، وكثير منه لا يزال في بطن الأرض لم يتم اكتشافه بعد.
حاول خبراء الإرهاب من قادة العصابة الحاكمة في الجزائر جر الحراك الشعبي إلى العنف، من خلال حملة الاعتقالات الكبيرة والترهيب الذي طال آلاف العائلات الجزائرية، وكثير منها جراحه لم تندمل بعد من العشرية السوداء وأيامها المؤلمة، لكن الجزائريين كانوا على قلب رجل واحد، متمسكين بمطالب تنحي كل من له علاقة بالنظام السابق، والذهاب إلى مرحلة انتقالية شبيهة بتلك التي عرفتها الجارة تونس، التي تمكنت من إسقاط النظام بالكامل، وشقت تجربة جديدة تعايش فيها المجددون بأنصار النظام القديم من غير ثأر ولا تشفي..
والمثير للانتباه وأحيانا للاستغراب هو أن قادة العصابة يبدو أنهم لم يدركوا بعد أن التغيير لا يعني فقط أن جناحا من أجنحة الحكم تمكن من التغلب على خصمه، فألقى برموزه في سجون لا يعرف عنها الجزائريون شيئا إلا ما يسمعون عنه ويرونه من أخبار هي من صنع النظام، وليست من جهة محايدة موثوق بها..
ولذلك فإن ما يجري في الجزائر منذ وقف العهدة الخامسة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، هو عبارة عن انقلاب عسكري يقوده قايد صالح مسنودا بعصابة فساد متحكمة برقاب الجزائريين، تدافع عن مصالحها بكل ما تمتلك من أدوات قوة.. وهو انقلاب على اعتبار أن قادة المؤسسة العسكرية كانت على مدى السنوات الماضية على وفاق تام مع جناحي الرئاسة والمخابرات، وأيضا على وفاق تام مع قصر الإليزي، الذي لم تتأثر مصالحه ولا مصالح شركاته في الجزائر بأي مكروه، رغم ما أثاره العساكر من اتهامات لباريس بأنها ربما تكون وراء مخطط انقلابي يقوده شقيق الرئيس ورئيس المخابرات السابق..
ومع أن قادة العصابة تسعى عبر أبواقها الإعلامية وأدواتها الأمنية فرض الأمر الواقع وإقناع الناس بأنه لا بديل عن الانتخابات التي دعا لها النظام في 12 من ديسمبر المقبل، فإن ما لا تخطئه عين المراقبين فضلا عن الخبراء بالشأن الأمني والسياسي والاقتصادي الداخلي، يدركون أن قيادة العصابة لا تمتلك من أدوات الصمود ومواجهة الحراك الشعبي السلمي الكثير، ولذلك فإن مرحلة عض الأصابع في الرمق الأخير، وأن فجر الحرية وإسقاط النظام البوتفليقي باتت قاب قوسين أو أدنى.
كريم مولاي، خبير أمني جزائري