الجمعة 20 سبتمبر 2019
كتاب الرأي

محمد بوبكري:جماعات الإسلام السياسي وسنة إطلاق اللِّحية

محمد بوبكري:جماعات الإسلام السياسي وسنة إطلاق اللِّحية محمد بوبكري
يعتقد شيوخ جماعات الإسلام السياسي أن إطلاق اللحى مما يجب على المسلمين الالتزام به اقتداء بالرسول (ص) الذي يؤكدون أنه كان ملتحيا، ويستندون في ذلك إلى حديث نبوي يتضمن إشارة إلى "قصوا الشوارب وأعفوا اللحى".
لكن ما نسيه هؤلاء الشيوخ هو أنه عندما ظهر الإسلام في القرن السابع الميلادي، لم تكن شفرات الحلاقة موجودة، كما هو عليه الحال اليوم، كما ينسون أو يتناسون أن ظاهرة إطلاق اللحى لم تكن موجودة فقط في الجزيرة العربية، بل كانت سائدة في سائر شعوب ما قبل ظهور الإسلام، كالسومريين والبابليين والكنعانيين والآشوريين والفرس واليونان والرومان، وكلها مجتمعات كانت تدين بديانات مختلفة عن الإسلام. ويعود ذلك إلى أن شفرات الحلاقة لم تكن موجودة أيضا آنذاك.
وتكمن مشكلة هؤلاء الشيوخ في أنهم لا يربطون بين الأحكام الفقهية والظروف التي أنتجتها، ما جعل المجتمعات العربية الإسلامية تفصل الأحكام الفقهية عن الواقع. وهذا ما يشكل أساس الفجوة التي تفصل الدين عن الحياة. لذلك، فهؤلاء الشيوخ الذين يدعون إلى اتباع السلف وفقهه اتباعا حرفيا، يبتعدون شيئا فشيئا عن مقتضيات العصر، الأمر الذي جعل العرب المسلمين يرفضون الانخراط في روح العصر، فتحولوا إلى غرباء في عالم اليوم، وأصحبوا يقومون بردود فعل عنيفة جعلت الرأي العام العالمي يرفضهم ولا يرتبط بهم إلا للاستفادة من ثرواتهم الطبيعية، ولنا أن نتصور إلى ماذا ستتحول هذه العلاقة يوم لا تعود المجتمعات المتقدمة في حاجة إلى هذه الثروات لسبب أو لآخر...
وإذا كان إطلاق اللحى سنة يجب التمسك بها، حسب هؤلاء الشيوخ، فقد بدأت تنتشر لدى بعض العرب المسلمين ظواهر فلكلورية تتجلى في ارتدائهم لملابس وقبعات وعمامات ونعالا خليجية وأفغانية، وذلك رغم الطقس الحار لهاتين المنطقتين. إن هذه الملابس لا تسمح لمن يرتديها بالحركة، كما أنها تشبه ملابس النوم، ما يعني أنها ثقافيا ضد مفاهيم العمل والإنتاج والزمن. ويعني ارتداء هذه الملابس سيادة "ثقافة رخاها الله" و"الزمن لله وحده"، ما جعل مجتمعات الشرق الأوسط تبدو وكأنها مراقد جماعية لا حركة فيها ولا حياة.
فهذه المجتمعات ليست مجتمعات تنتشر فيها قِيَّم العمل وبذل الجهد وتشجيع المواهب الفردية، بل هي مازالت مجتمعات يغلب عليها نمط الإنتاج التقليدي، تسحق الجماعة فيها الفردَ، ويغيب فيها كليا الالتزام بالوقت واعتبار المجهود وتثمينه.
كما تسودها نزعة "أخلاقوية" ناجمة عن تأثير ثقافة جماعات الإسلام السياسي. أقول "الأخلاقوية" لا "الأخلاقية، لأنها أخلاق تكرس النفاق الاجتماعي أكثر مما تؤدي إلى الصدق مع الذات، وإلى أن يحقق الإنسان ذاته بشكل حر ومسؤول. وفضائح مشايخ بعض الجماعات الإسلامية ودعاتها الجنسية وغيرها أكثر وأشهر من أن نذكر بعضها على سبيل المثال.
فضلا عن ذلك، فإطلاق اللحى ليس صحيا، لأنه يناقض ما يتطلبه جسم الإنسان من نظافة...