السبت 15 أغسطس 2020
سياسة

أحمد فرحان: رد السيدة "أمينة بوعياش" يكشف عن متاهة دستورية في مجال حقوق الإنسان

أحمد فرحان: رد السيدة "أمينة بوعياش" يكشف عن متاهة دستورية في مجال حقوق الإنسان أحمد فرحان، وأمينة بوعياش
قرأت ردّ السيدة أمينة بوعياش على الانتقادات الذي تعرّض له موقفها من "نفي وجود معتقلين السياسيين" بالمغرب، وتبيّن لي أنّ الوضع أعقد ممّا نتصوّر أحيانا، ووجه التعقيد فيه ليس متعلقا بطبيعة المعايير السالبة لصفة "المعتقل السياسي" على نشطاء الحراك بالحسيمة وجرادة، بل يكمن في طبيعة المؤسسة الدستورية التي تترأّسها: المجلس الوطني لحقوق الإنسان. فهي ناطقة باسمها، أي: باسم اختيارات الدولة في مجال حقوق الإنسان، وليست ناطقة باسم مؤسسة حقوقية مدنية ناشطة في المجتمع المدني تترك مسافة حياد بينها وبين الدولة.
وفي ظل اختيارات الدولة في مجال حقوق الإنسان يتعثّر الموقف الحقوقي عند الحسم في مسألة "الاعتقال السياسي" بالمغرب.
لقد عرضت علينا السيدة أمينة بوعياش تعريفات المنظمة الدولية لحقوق الإنسان وهي منظمة مدنية مستقلة "أمنيستي" من خلال الاعتماد على الدليل التوجيهي الذي وضعته في مجال ضمان حقوق الإنسان في ممارسة السلطة السياسية والمحاكمات العادلة. ولأنّ هذا الدليل يعرِّف "المعتقل السياسي" بالشخص الذي تحكمه دوافع سياسية في نشاطه المدني وإن وصل به الأمر إلى العنف والاغتيال، فإنّها قد رفضته بدعوى أنه لا يعتمد في بعض فروعها آخذة بعين الاعتبار سلطة القانون الرامية إلى ضمان السير العادي لمؤسسات الدولة.
كما عرضت علينا تعريف الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا الذي يعتبر أن “المعتقل السياسي” هو شخص حُرم من حريته الفردية، شريطة أن يتوفر فيه معيار من المعايير السالبة للحرية الفردية دون أن يكون هناك خرق للقانون، وهو التعريف الذي رأته أكثر عملية وغنى، ولكن في نظرها غير ملائم للسياق المغربي الراهن وإن كان يستجيب للسياق المغرب في السابق –سنوات الرصاص-. لأنّ النقطة الحاسمة التي تجعل وضع نشطاء الحسيمة وجرادة غير مشمولين بالمعايير الموجبة لإطلاق عليهم "المعتقل السياسي" هو إدانتهم قانونيا باستعمال العنف. بمعنى أنّ "العنف" يسلبهم صفة "المعتقل السياسي" بموجب القانون الدولي حتى ولو كانت احتجاجاتهم مدفوعة بدافع سياسي، حيث تقول: " أي وجود لاستخدام العنف يسقط على مرتكبه توصيف “المعتقل السياسي”، ويفتح الباب أمام المتابعات القضائية. هذا المقتضى القانوني كوني ومعترف به ويشكل عنصرا عاما لسيادة دولة الحق والقانون."
فالدافع السياسي يسقط عندما تصبح المظاهرات عنيفة. والمؤسسة التي ترأسها السيدة أمينة بوعياش المجلس الوطني لحقوق الإنسان "لم يتناول قضايا المظاهرات العنيفة، لأنه في مثل هذه الحالات، تطرح كذلك اعتبارات أخرى غير حقوق التعبير وتكوين الجمعيات […] والتظاهر".
لست بصدد مناقشة طريقة توظيف السيدة أمينة بوعياش لمواثيق حقوق الإنسان الدولية، لأنّ طريقة التوظيف تبقى اجتهادا من الاجتهادات المفتوحة للنقاش. ولكن كل اجتهاد ينبغي أن يظلّ محكوما بمبادئ عامّة تنظِّمه. وخصوصا، أن المعايير التي اعتمدتها هي معايير دولية في توصيف "المعتقل السياسي"، ورأينا كيف عملت السيدة أمينة بوعياش على رفض توصيف منظمة العفو الدولية -أمنيستي-والجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، لصالح القبول بالتوصيف السالب "للقانون الدولي" والذي يستجيب لدواعي مقاضاة نشطاء الحسيمة وجرادة المتمثلة في استعمال "العنف". فالأسئلة التي تطرح نفسها في هذا السياق هي: هل يجوز مقايسة الوضع القانوني لنشطاء الحسيمة وجرادة بالقانون الدولي الذي يبث في المنازعات الدولية وحالات الطوارئ ومدى احترام السلطات السياسية المتنازعة لمواثيق حقوق الإنسان؟ وكيف يمكن الانتقال بهذه السلاسة المفتعلة من مواثيق حقوق الإنسان الدولية إلى القانون الدولي؟ وهل يأخذ المغرب بالقانون الدولي مرجعا في تنزيل قوانينه التنظيمية حتى يكون المرجع الحاسم في إثبات الحكم القاضي بمتابعتهم بدعوى المشاركة والتنظيم بمظاهرات عنيفة؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تعتمد أمينة بوعياش على أي من القوانين الوطنية مرجعا بما فيها القانون الجنائي الذي بموجبه تمّت متابعة النشطاء؟ وهل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان بما فيها القانون الدولي يتضمّن التوصيف الجديد الذي وصفت به النشطاء: "ضحايا تدبير متعثر تشوبه أوجه قصور كثيرة، ولم يستطع ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين"؟ فإذا كانت قد امتنعت عن وصفهم بمعتقلين سياسيين، لأن وضعهم الحقوقي لا يستجيب للمعايير المعتمدة في المواثيق الدولية، فلماذا تصفهم "بضحايا تدبير متعثر..." وهو توصيف بدوره لا نجد له تقعيدا معياريا في مواثيق حقوق الإنسان الدولية والقوانين الوطنية؟ بمعنى آخر: إلى أي سند حقوقي معياري يستند هذا التوصيف؟
إننّا نتفهّم وضع السيدة أمينة بوعياش بين ممارستها لحقوق الإنسان في منظمة مدنية مستقلة وبين ممارستها لحقوق الإنسان في مؤسسة دستورية من مؤسسات الدولة. إنّ ردّها -المشكورة عنه-لم يكشف سوى عن متاهة اختيارات الدولة في مجال حقوق الإنسان وهشاشة مؤسستها الدستورية، وأن الحاجة إلى تقوية المؤسسة الوطنية الحقوقية ينبغي أن يواكبها إصلاح عميق في التشريعات السياسية والقانونية.
أحمد فرحان، أستاذ بشعبة الفلسفة