الجمعة 20 سبتمبر 2019
كتاب الرأي

محمد بوبكري:في الحاجة إلى تخليص النص الديني من نفاياته

محمد بوبكري:في الحاجة إلى تخليص النص الديني من نفاياته محمد بوبكري
الدين كائن حي تاريخي يتفاعل مع الواقع ككل كائن، ما يجعله يفرز أحيانا نفايات تعرقل تطوره ونموه. وتنطبق هذه الفكرة على الإسلام الذي شكلت بعض مذاهبه الفقهية نفاياته. وتكمن مشكلة المجتمعات العربية الإسلامية اليوم في أنها عاجزة عن معرفة كيفية تخليص الإسلام من النفايات العالقة به التي فرضت قراءة منغلقة ودوغمائية للنص القرآني، ما طمس أبعاده المعرفية والروحية والجمالية.
لقد غمت القراءات الفقهية المنغلقة لهذا النص فضاءات المجتمعات العربية الإسلامية وآفاقها، ويتجلى ذلك في خطابات مختلف جماعات الإرهاب التكفيري وممارساتها الإرهابية...
بخلاف فهم فقهاء الإرهاب التكفيري للنص الديني، يتسم الإسلام بنزعة إنسانية؛ فقد كلم الله الإنسان وكرمه، حيث يقول تعالى في سورة البقرة: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً"، فسأله الملائكة: "قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ"، فأجابهم الخالق: "إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ". فوق ذلك، لقد أمرهم الله بالسجود لآدم، وحذرهم من عدم الاستجابة لذلك، حيث سيكون الجزاء هو الطرد من جنته ومن ملكوته: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين". تبعا لذلك، ينبغي أن ترتوي المجتمعات الإسلامية من روح القرآن ونزعته الإنسانية.
لقد عر ّٓف إبراهيم الخليل عليه السلام الدين في صلب القرآن الكريم «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون (سورة الأَنْعَام، الآية، 82). فالدين أمن وسلام وليس فتنة، كما أنه ليس منعا، ولا حربا.... وهذا ما يؤكد أن فقهاء الإرهاب التكفيري لم يقرأوا القرآن، بل إن على عقولهم وقلوبهم أقفال، لأنهم وظفوه جهلا في الإقصاء والقتل والسلب والنهب والتخريب..
لا يتوقف فقهاء الإرهاب التكفيري عن توظيف القرآن دفاعا عن أفعالهم الإجرامية الإرهابية، حيث يُسخِّرون قراءة الآيتين التاليتين وغيرهما التي قاموا بقراءتها قراءة حرفية خطية خدمة لدعوتهم الإرهابية. 
ومن الآيات  التي يوظفها هؤلا الفقهاء في دعوتهم إلى الإرهاب: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض" (سورة المائدة، الآية، 33). "وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ... "(سورة البقرة، الآية، 191).
وتعود هذه القراءة الحرفية للنص القرآني إلى عدم تمييز هؤلاء الفقهاء التكفيريين بين القرآن والمصحف، حيث عمد الخليفة عثمان إلى جمع القرآن بين دفتي مصحف، ورتبه حسب طول السور أو قصرها، وغير ذلك، لكن لم تتوفر منذ ذلك الوقت معرفة مستويات آيات القرآن وسياقاتها، وهو ما حال دون فهم مقاصدها، والنفاذ إلى معانيها بشكل سليم. هكذا صار هؤلاء الفقهاء لا يميزون بين الآيات المرتبطة بمعركة معينة التي انتهى العمل بها مع نهاية هذه المعركة، وبين الآيات الكونية التي تتوجه إلى البشرية جمعاء، حيث إن القرآن ليس حكرا على الإرهابيين التكفيريين وطوائفهم، وإنما هو موجه إلى البشرية جمعاء لأن محمدا أٌّرسل للناس جميعا: "قل يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (سورة الأعراف، الآية 158). ولا يمكن الانفتاح على الإسلام بدون انفتاح على مختلف المجتمعات وثقافاتها، والاعتراف بها والاشتراك معها في أشياء كثيرة، روحية وغيرها. وإذا عمل المسلمون بعكس ذلك، فسينحضرالإسلام في مكة والطائف والقاهرة وغيرها من مدن الشرق الأوسط التي تحرقها نيران الإرهاب التكفيري. فعدم الاعتراف بالآخر يؤدي إلى تحجيم الإسلام، ما يجعل دعوة الإرهاب التكفيري مضادة لجوهر الإسلام وروحه، كما أن خطاب جماعات الإرهاب التكفيري وممارساته قد عزلت الإسلام والمسلمين عن العالم، وجعلتهما يعيشان في غربة خانقة. فقد خلقت جماعات الإرهاب التكفيري من التراث الفقهي دينا آخر يتعارض مع الإسلام القرآني، بل ينسفه نسفا.
إنني لا أعرف موقعي من الآيتين سالفتي الذكر والآية "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ (سُوَرة الأنعام، الآية 82). فكل آية من الآيتين الأوليين مرتبطة بمعركة معينة قادها النبي (ص)، وبذلك فقد انتهى العمل بها بانتهاء تلك المعركة. أما الآية الثالثة، فهي آية كونية (يوسف الصديق). وهذا ما يقتضي إعادة قراءة الآيات القرآنية حسب مستوياتها وسياقاتها. بدون ذلك، ستظل المجتمعات العربية أرضا خصبة للإرهاب التكفيري ومن والاه لأن هدفهما هو الاستيلاء على السلطة..