الجمعة 15 نوفمبر 2019
كتاب الرأي

الحسن زهور: هل انتقل الإسلاميون بالمغرب إلى محاكمة المفكرين قضائيا؟

الحسن زهور: هل انتقل الإسلاميون بالمغرب إلى محاكمة المفكرين قضائيا؟ الحسن زهور

ما قام به أحد المتعصبين مؤخرا، والحاملين لصفة أستاذ باحث في العلوم الشرعية خصص لنفسه تخصصا غريبا (وكل مرة يتحفنا المتطرفون الإسلاميون بما يحمل الجهل والتخلف) سماه تخصص "محاربة الإلحاد والعلمانية"، حين أعلن عن عزمه رفع دعوى قضائية ضد فكر وكتابات المفكر التنويري أحمد عصيد.

 

فرغم أن هذه الدعوة الغريبة تثير السخرية في بلدنا المتميز بثقافته المنفتحة، والمرتكزة تاريخيا على حضارة تمتد آلاف السنوات، وعلى نظام دولة ممتد زمانيا ومكانيا في هذا البلد منذ ثلاث آلاف سنة تتخللها بعض التقطعات، لكن هذا التميز الحضاري يجب ألا يغرنا لنستهين بمثل هذه الدعوة الغريبة لهذا الباحث عن التطرف. فالمثل الأمازيغي يعلمنا أن العود الصغير الذي تستصغره هو من سيعميك في نهاية الأمر "أكشوض للي تحكرت أر أك سول ئسبوكوض".

 

يعرف هذا الباحث السالك مسالك التطرف أن المغرب ليس هو مصر، وأن مسٱلة "الحسبة" في القانون المصري، وهي الثغرة التي استغلها الإخوان في مصر للتنكيل بمفكري مصر أمثال: د. نصر حامد أبو زيد الذي فرقوه عن زوجته قضائيا، ففر الزوجان إلى هولندا (وبعد فوز الإخوان بحكم مصر أطلقوا سراح قتلة السادات وقتلة المفكرين، ومنهم قتلة المفكر المصري فرج فودة...).

 

هذه الثغرة، أي رفع دعوى ضد مفكر بقانون "الحسبة" لا توجد في القانون المغربي.

 

ويعرف هذا الباحث السالك مسالك الإخوان أن استنساخ تجربة الإخوان المصرية الهادفة إلى جر المفكرين إلى المحاكم وبذر هذه البذرة اللعينة في المغرب، لن تسمح به الدولة المغربية الآن، لأنها لن تسمح لنفس المقدمات الإخوانية السابقة التي شجعتها ونتج عنها هذا التطرف أن تجد لها موطئ قدم قانونية في البلد لأنها، أي الدولة ستكون كمن سن للأفعى حق اللدغ ببند قانوني، وغالبا ما يموت الحاوي بسم أفعاه.

 

إذن ستبدو هذه الدعوة للبعض أول الأمر تافهة ومثيرة للسخرية ولا تستحق الرد، لكن إذا رجعنا إلى كيفية انتشار التطرف الديني ببلدنا سنلاحظ أنه بدأ بممارسات وبأشكال بسيطة. فقد بدأ في بداية السبعينات ببعض الأشكال البسيطة التي لا تثير بالا (رغم أن الآباء وعوا خطورتها فحاربوها، لكنهم لم يجدوا سندا لهم)، بدأت هذه الأشكال الممهدة للتطرف الديني الغريب عن ثقافتنا وعن تديننا المغربي بنشر شكل القبض في الصلاة، ومحاربة القراءة الجماعية للقرآن والدعاء الجماعي، وتبديع (من البدعة) المواسم وحفلات  الزواج المرتبطة بالثقافة المغربية، لينتقل الأمر إلى استيراد اللباس البدوي الوهابي والباكستاني والأفغاني، ليتحول الجمال المغربي إلى سواد أكثر من سواد ليلة حالكة سوادها، ليصل إلى تغيير التدين المغربي من تدين منفتح يحتضن الاختلاف والحرية، إلى تدين منغلق ينفي ويجرم كل اختلاف.. وهو ما نراه اليوم في مجتمعنا.

 

لكن هذه الدعوة الغريبة الداعية إلى محاكمة فكر المفكرين المغاربة يجب ألا تحجب عنا أنها إيذان بانتقال المشروع الإخواني بالمغرب إلى مرحلة تالية، هي مرحلة إسكات المفكرين المتنورين وإرهابهم. فبعد نجاحاتهم في أسلمة قسما من المجتمع المغربي حسب أيديولوجيتهم باستنساخ التجربة المصرية (من الأسرة الإخوانية الى الجماعة الصغيرة،  إلى الجماعة الكبيرة...) وتوظيف الجمعيات والمخيمات الصيفية لتغيير البنية الثقافية والهوياتية للمغرب، انطلاقا من تنشئة جيل جديد متشبع بأيديولوجيتهم، وتوظيف المساعدات الاجتماعية والإنسانية لاحتلال المواقع الاجتماعية والسياسية، كل هذا بأموال طائلة لا يستطيع الرأسمال الداخلي للمنتسبين إلى الجماعة أو الجماعات الدينية الأخرى توفيره، أي أن هناك تمويل سخي خارجي يسلك مسارات أخرى ظاهرها خيري إنساني، وباطنها فيه العذاب للبلد. وهنا مكمن خطورة أموال الإحسان ونشر الدعوة الآتية من الخليج ومن غيره.

 

هذه المدارج في تنزيل المشروع الإخواني هو ما يجب مواجهته... وأخوف ما نخافه أن تتحول جامعاتنا التي زحفت إليها الإيديولوجية الإخوانية إلى مخصب لإعادة إنتاج هذا الفكر، سيما ما نراه اليوم من نمط الفكر الذي بدأ يهيمن على هذه الجامعات. فهل انتقل المشروع الى مرحلة محاكمة المفكرين المتنورين؟ خصوصا أولئك الذين يواجهونهم فكريا، سيما بعد هزيمتهم الكبيرة مؤخرا في مواجهة إقرار اللغة الفرنسية كلغة لتعليم المواد العلمية، تلك اللغة التي يحاربها الإسلاميون لا كلغة محتل سابق -كما يدعون- وإنما يحاربونها كلغة تحمل في طياتها الفكر التنويري وفلسفة الأنوار التي يعادونها أشد العداء لأنها تهدد أسس فكرهم الإيديولوجي

 

نريد فقط من إسلاميي المغرب شيئين لا ثالث لهما:

- أن يحملوا هويتهم وثقافتهم المغربية الممتدة مئات القرون قبل الإسلام وفي ظل الإسلام والمنفتحة على الفكر الإنساني والحضاري والعلمي؛

- أن يؤمنوا بالاختلاف والتعدد، وهي سنة الله في الكون، والاختلاف يعني الإيمان بالإنسان كإنسان وكمواطن، بغض النظر عن جنسه أو دينه أو فكره. ولن يتحقق ذلك إلا في دولة مدنية ديمقراطية لا دينية.

 

- ذ. الحسن زهور، كاتب ومحلل سياسي