الأحد 25 أغسطس 2019
كتاب الرأي

محمد الشمسي: "فرْنِسُو" أو "لا تُفرْنِسُو" العطب في المحرك وأنتم تصبغون الهيكل

محمد الشمسي: "فرْنِسُو" أو "لا تُفرْنِسُو" العطب في المحرك وأنتم تصبغون الهيكل محمد الشمسي

ما بال قوم يقرعون أجراس الإنذار فقط لأن تدريس المواد العلمية سيكون باللغة الفرنسية وليس بالعربية؟ وما بال بعضهم يقدم لنا نفسه وكأنه هو "مول اللغة العربية يحوزها ويملكها ويتصرف فيها تصرف المالك في ملكه"؟ ويهددنا ويخيرنا "يا هو يا الفرنسية"، فالمواد العلمية هي قواعد ومتطابقات مضبوطة وذات نتائج موحدة ومحددة، ولا تختلف نتائجها رغم اختلاف لغات تدريسها. ثم إن عامل اللغة في تلك المواد يكاد يكون محدودا وغير ذي أثر أمام سيطرة لغة الأرقام والمعادلات. ثم إننا في المغرب لا يجب أن ننفعل أو نقلق من تبعيتنا اللغوية لفرنسا؛ فمن فرنسا نستورد قوانيننا والكثير من دستورنا لننظم حياتنا ونصون حقوقنا، وحتى عقود ميلادنا التي ننجز بها بطاقات تعريفنا إذا لم تكن محررة بالفرنسية فهي مجرد "كاغط" يصلح لمسح الزجاج وأشياء أخرى؛ ومن فرنسا نستورد القمح الذي نعجن منه خبزنا، وقطع وأجزاء السيارات التي نقضي على متنها حوائجنا. ثم إن كبريات الشركات المغربية الخاصة والعامة تتحدث الفرنسية في إداراتها ومراسلاتها، فنحن مستعمرون لغويا منذ عهد الحماية، ليس لفقر لغتنا العربية لكن لجهل مسئولينا وحكوماتنا التي عجزت تباعا على تنمية لغتنا العربية وجعلها قادرة على العطاء واللحاق بركب التطور التقني والتكنولوجي في عالم بات فيه الأمي هو الذي لا يفهم في "فقه الأنترنت"، فلِمَ هذه الجعجعة من قوم لو بحثنا في حقيقتهم لوجدناهم يرسلون الأولاد والأحفاد لمدارس البعثة الفرنسية، ثم يسجلونهم في الجامعات الأمريكية أو الأوربية؟

 

ليست المشكلة في "فرنسة " المواد العلمية من تعريبها، بل المشكلة هي أننا نتحدث عن تعليمنا الذي بنيناه بطوب من الكذب، ورمل من الدجل، وقضبان حديد صدئ، في مدارس عمومية شبيهة بـ "رحبات اللحم في الأسواق الأسبوعية"، وبكليات قريبة من شواطئ البحر في ازدحام الصيف، ومناهج دراسية تمتاز بعدم الاستقرار وانعدام الجودة، وأسندت مهمة التلقين والتعليم فيها لـ "موضيل" من الأساتذة والأستاذات استقدموهم من "المجهول" بواسطة "عقود مؤقتة"، وكأننا أمام "عمال موْقَف".

 

المشكلة هي أنهم يجعلون من أجيالنا فئران تجارب، فيغيرون كتبهم الدراسية كل سنة كما تغير المراهقة تسريحة شعرها، المشكلة هي أننا "ما حنا بالفرنسية ما حنا بالعربية"، المشكلة هي أننا تركنا تعليمنا يحتضر وجلسنا بقرب "رأسه" نناقش لغة التدريس متجاهلين عطبا كبيرا في المحرك، ونحن مشغولون بتغيير لون طلاء الهيكل، أو استبدال السائق.

 

ماذا تفرِّخ ثانوياتنا وجامعاتنا غير جيوش من العاطلين حاملين لآلاف الشواهد التي لا تغني ولا تسمن من بطالة؟ ألم تبلع المدارس الخصوصية قيم التعليم وشرعت في بيعها لمن يدفع أكثر؟ لو أعيد اختبار الناجحين من تلامذتنا وطلبتنا بمنطق الصرامة لما تفوقت غير فئة قليلة، إننا نبيع الوهم للأجيال وللآباء وللأمهات بنجاحات مزيفة، فقط لنخفي عيوب تعليمنا البشع والقبيح والركيك والضعيف، ولنقدم شهادات محرفة لصندوق النقد وللبنك الدوليين بأن تعليمنا "ليس عقيما"، كما يقول أهل المؤسستين الماليتين العالميتين، وأننا لا نهدر عليه القروض المالية هباء.

 

ليس في تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية أو الإنجليزية مس بالاستقلال، بل إن الذي يمس بالاستقلال هو الجهل والأمية و"الكالاخ". فغايتنا تحقيق تنمية بشرية توازيها تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية وحقوقية، وتحقيق ذلك لا ضير أن يكون بالعربية أو الفرنسية أو البرتغالية. وإلى "التماسيح" التي تذرف دموعها حزنا على اللغة العربية نقول لها، هل نتحدث بالعربية في حياتنا اليومية؟ وهل يعرف وزراء حكومتكم وبرلمانيوكم قواعد اللغة العربية من صرف وتحويل وإعراب؟ واسألوا وزير تعليمكم عن شكل كلمة "المتوجين" إن كنتم لا تعلمون.

 

ومن يزايد علينا كيف لكوريا الشمالية أن تخصب اليورانيوم بلغتها الكورية، وكيف لإيران أن تقارب صنع القنبلة النووية بلغتها الفارسية، وكيف لروسيا أن تحقق طفرتها العلمية بعيدا عن الانجليزية والفرنسية، نؤكد له وكما سلف القول إن اللغة مجرد عامل مكمل في العلوم التطبيقية والدقيقة، وأنه لا صوت يعلو على صوت الأعداد والأرقام. فالمحدد الحاسم هاهنا يكمن في وجود أطر وعقول في تلك الدول ذات كفاءة عالية، وصدق في منسوب الوطنية، جعلت لغة الأمة تحتوي العلوم الدقيقة بمعادلاتها، وتروضها وتصنع منها المعجزات، في حين لا نملك في مغربنا غير قطيع من الحُمُر المستنفرة التي لا تحمل حتى الأسفار، عمدوا إلى تفقير اللغة، وتخريب قواعدها، فلم يعد فاعلها قادرا على الرفع، وبات كل من فيها مجرورا وأحيانا مضافا إليه، وصار حالها مثل ظروف زمانها ومكانها ما بين الممنوع من الصرف والمستثنى من النقاش، وتمردت الأخوات على "كان" وعلى "إن"، وبات الكثير من سياسييكم لا يفرق بين "النصب اللغوي" و"النصب القانوني". لقد رميتم تعليمنا في جوف مستنقع، بمخططاتكم الاستعجالية التي نهبت الملايير من مال الشعب بلا طائل، ومن برامجكم غير المندمجة التي أزّمَت المُتأزِّم، فلا خير في أمة لا تنتفض لحال تعليمها، إلا إذا كنتم تستثمرون في الجهل والأمية ليسهل عليكم سوق الكتلة الناخبة نحو صناديق الاقتراع مثل قطعان الماعز، تهشون عليها بعصي الوعود، وتسرقون منها الإرادة والأمل، شأنكم شأن من يستدرج صغيرة بقطعة حلوى ليغتصبها.