الأربعاء 16 أكتوبر 2019
كتاب الرأي

محمد المرابط: ما الأجرأة السياسية والحقوقية لوعي محمد السادس بقيمة هوية الريف؟

محمد المرابط: ما الأجرأة السياسية والحقوقية لوعي محمد السادس بقيمة هوية الريف؟ محمد المرابط

تستدعي مطارحة عنوان اليوم، التذكير بمقالي السابق: "استيعاب ميراث مولاي موحند، وضرورة المصالحة مع رموز الذاكرة الريفية". حيث كان مناسبة للإشارة إلى الرسالة  الملكية للندوة الدولية التي نظمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان في يوليوز 2011 حول: "التراث الثقافي للريف، أية تحافة؟"، والتي فتحت الباب لإقامة متحف خاص بـ "منطقة الريف"، وهي تشير إلى "تفعيل توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، بمساراتها المتعددة، وبخاصة في شقها المتعلق بجبر الضرر الجماعي، ومجال التاريخ وحفظ الذاكرة، والتي تكتسي أهمية بالغة في تعزيز النموذج المغربي المتميز". لذاك سأستأنف اليوم في هذه المادة، القول في هذه الرسالة، ثم وضع ربطها بين الهوية والجهوية في قعر حدوس البحث الأكاديمي. وأخيرا الإلماع إلى أهمية المحدد التاريخي في الفرز الجهوي:

 

1- ما يستوقفني في الرسالة الملكية، هو الحديث عن "منطقة الريف"، والتي تكتسب بانفتاحها، "شخصية هوياتية متميزة، تجمع بين المقومات الثقافية المحلية، وتلك الوافدة عليها من الجهات الأخري"، وأن تاريخ منطقة الريف وتراثه العريق، يمثل "أحد المكونات الأصيلة للهوية المغربية الموحدة الغنية بتعدد روافدها". واعتبرت الرسالة أن من شأن مشروع متحف منطقة الريف "أن يساهم في تعميم المعرفة التاريخية بالمنطقة، خاصة لدى الفئات الشابة والأجيال الصاعدة، وجعلهم يمتلكون تاريخهم العريق، وتراثه الثقافي الغني، بكل فخر واعتزاز".

 

والجميل في تلك الرسالة هو الربط بين مشروع متحف الريف، وبين "الجهوية المتقدمة بجوهرها الديموقراطي والتنموي والتضامني". وهذا الربط بين منطقة الريف من خلال مشروع المتحف، والجهوية المتقدمة بما تنطوي عليه من "ديموقراطية القرب التي تمكن كل جهة من استثمار طاقاتها وإبراز عبقريتها وشخصيتها المتميزة، المنصهرة في بوتقة الهوية المغربية الموحدة"، سيحملنا -هذا الربط- على النظر في قعر مرآة البحث الأكاديمي.

 

2- نقف في أطروحة "اللامركزية كهندسة لمجالات الصراع  والتنافس: السلطة المركزية وآليات إنتاج النخب المحلية"'، للأستاذ عبد القادر بوطالب، على خلفية انشغال المرحوم الحسن الثاني باللامركزية في حوار مع صحيفة "أ.ب.س" الإسبانية بقوله: "كانت أمنيتي وهدفي هما بناء بلدي من الشمال إلى الجنوب على نمط المقاطعات الألمانية، لن أقول أن ذلك ينبغي أن يتم بطريقة مشابهة تماما لنمط هذه المقاطعات (..) لكن روح وفلسفة وطريقة تسيير المقاطعات الألمانية قد راقتني كثيرا وتشدني إليها بقوة. وأعتبر أن النظام اللامركزي يضمن الفعالية من جهة، والعرش يحقق الوحدة من جهة أخرى".

 

وفي حوار مع جريدة لوموند الفرنسية، صرح بما يلي: "كنت دائما أقول منذ توليتي كملك على العرش، أنني أتمنى أن أترك لخليفتي من بعدي مغربا مبنيا على الأقاليم الألمانية، ذلك أن بلدي يمتاز بتنوع لا أريد إحصاءه".

 

لقد رتب الدكتور بوطالب على ذلك، التوصيف التالي: "يحدد محتوى التصريحين لحظتين متميزتين في صيرورة النظام السياسي: اللحظة الأولى؛ وهي اللحظة الحالية، والتي يحكم خلالها الحسن الثاني. اللحظة الثانية؛ وهي اللحظة القادمة، والتي سيتولى خلالها الحكم خليفته محمد السادس". ويواصل الدكتور بوطالب القول: "إن هاتين اللحظتين تبدوان متعارضتين، لأن كلا منهما ستقترن برجل معين، وبسياق تاريخي واجتماعي محدد. لكن ما يجعل الاستمرارية ممكنة بينهما، يكمن في إقامة نظام لامركزي، ذلك لأن هذا النظام يستجيب للمرحلة القادمة، بحيث يبدو وكأن هناك علاقة سببية، تحدد لكل لحظة نظامها الخاص والملائم لها، وكذلك الرجل المناسب لها، وبالتالي فإن ذلك يفترض، بل ويقتضي إرادة التغيير". وحول دلالة هذا التغيير، يقول بوطالب: "إن افتراض إرادة التغيير يعني أن ثمة تحولات تجبر الفاعلين على نهج سياسة مغايرة، وبالتالي فإن استراتيجيتهم في هذا المجال لا يمكن أن تنشأ من الفراغ".

 

3- إن انشغال المرحوم الحسن الثاني بما يضمن وضعا مريحا  لخليفته، وهو يدشن القول في الجهوية، وباستلهام تجارب الآخرين، جعل خليفته من بعده يربط في الجهوية المتقدمة، بين الهويات المحلية والتنمية، لكن هذه المقاربة تتعرض في الريف لامتحان حقيقي، في مستوى أجرأتها السياسية والحقوقية. إذ ما زلنا نرى توجسات المقص في تحديد المجال الجهوي في الشمال، ومحاكمة رموز النضال التحرري ضد الاستعمار الإسباني، وملاحقة شعارات الاعتزاز بالانتماء للريف، علما أنه في إسبانيا، يبقى الفزر التاريخي هو المحدد للجهات، كالأندلس وكاطلونيا والباسك وقشتالة،، وبكل تمظهراتها التاريخية.

 

إن خليفة الحسن الثاني وهو يدشن المصالحة في الريف، منذ توليته العرش، مدعو لمواصلة إرادة التغيير الواعي على طريق الربط الوظيفي بين الهويات المحلية والتنمية، في ظل الجهات التاريخية بالمغرب. ولا نملك ونحن نستحضر قوله تعالى: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة"، إلا أن نسأل الله له، صبر أولي العزم من الرسل. وإلى جانب الدعاء، فإن كل القوى الحية في عمق ورش التغيير الهادئ والهادف لمغرب غني بتعدده. وعلى الله قصد السبيل!