الأحد 18 أغسطس 2019
كتاب الرأي

سعيد جعفر: قراءة قانونية في المادة 347 من القانون الداخلي لمجلس النواب وما تلاها من تعيينات

سعيد جعفر: قراءة قانونية في المادة 347 من القانون الداخلي لمجلس النواب وما تلاها من تعيينات سعيد جعفر

تنص المادة 347 أعلاه على ما يلي:

"يسهر رئيس المجلس في التعيينات الموكولة له قانونا في المؤسسات الدستورية وهيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة، والديمقراطية التشاركية على مراعاة مبادئ التمثيلية والتناوب والتنوع والتخصص".

 

هل التزم السيد رئيس مجلس النواب بمقتضى هذه المادة؟ وهل التزم الأمناء العامون للأحزاب باحترام مقتضيات وضوابط هذه المادة عند اقتراح مترشحيهم لتمثيل هذه الأحزاب والإرادة الشعبية؟

 

هذه القراءة القانونية تتتبع مدى احترام الجهتين لمقتضيات القانون الداخلي للمجلس بما هو تصريف لمقتضيات الدستور باعتباره القانون الأسمى.

 

ينص دستور المملكة المغربية في مادته العاشرة الفقرة الأولى والسابعة ضمن المبادئ العامة على ما يلي:

"يضمن الدستور للمعارضة البرلمانية مكانة تخولها حقوقا، من شأنها تمكينها من النهوض بمهامها، على الوجه الأكمل، في العمل البرلماني والحياة السياسية، وتقوم على وجه خاص ب:

(...)

- المساهمة في اقتراح المترشحين وفي انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية"؛

ومعلوم أن روح هذه المادة لا يستقيم إلا بالرجوع لمقتضيات المادة السابعة من الدستور التي تنص على ما يلي:

"الأحزاب تساهم بالتعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة، على اساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية".

 

وعليه، وانطلاقا من نص الدستور الذي يمثل الإرادة الشعبية التي تكون عن طريق الاستفتاء الشعبي المباشر،

ولأن هذا الدستور هو أسمى سلطة، فإنه لا يستقيم أن تعلو سلطة جهاز أدنى تشريعي أو تنفيذي أو قضائي على سلطة الدستور بما هو تعبير عن الإرادة الشعبية والاختيار الحر، وإلا كانت كل القرارات الصادرة عن هذه السلطة أو هذا الجهاز مخالفة لأحكام الدستور مما يستتبع الطعن فيها أمام المحكمة الدستورية وبالتالي بطلانها.

 

إن مناسبة هذا التأصيل الدستوري والقانوني هو ما أثير حول أثر المادة أعلاه وإمكانات الاجتهاد فيها، ومن حيث الدعوات الجارية لتكييف مقتضيات المادة في غير وجهها القانوني القائم على "مراعاة مبادئ التمثيلية والتناوب والتنوع والتعددية والتخصص".

 

لم يحدد المشرع بدقة المقصود بكل واحدة من هذه المبادئ، ولكنه جاء على ذكر التعددية وبالتناوب مقرونة بالأحزاب في المادة السابعة من الدستور كما سبق، ونفهم منها التعددية الإيديولوجية بين يمين ويسار ليبرالية و اشتراكية وشيوعية ومحافظة، كما أن التناوب نفهم منه تناوب الأحزاب على السلطة وقد حددها المشرع في نفس المادة بالتناوب محليا وجهويا ووطنيا.

 

وحيث أن الدستور بناء هندسي متكامل فعبارات التنوع والتعددية لا يمكن فهمها إلا على ضوء تصدير الدستور الذي ينص على ما يلي:

"إن المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع، بالأمن والحرية والكرامة والمساواة.

وتشرح الفقرة الثانية أكثر.. المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الترابية وبصيانة وتلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية-الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية".

 

ومعلوم أن المادة 347 أعلاه والمواد التي تحيل عليها في القانون الداخلي لمجلس النواب والتي تتكامل معها تستلهم جوهرها من المادة العاشرة من دستور المملكة..

 

وهكذا تنص المادة 66 من القانون أعلاه في فقرتها 2 على أنه "(...) تستفيد المعارضة بمجلس النواب من الحقوق المنصوص عليها في الفصل العاشر من الدستور التي يعود تنظيمها إلى النظام الداخلي الوارد في هذا الباب، وكذلك المقتضيات ذات الصلة (...)"

 

كما تنص المادة 64 من نفس القانون في فقرتها 2 على أنه "تخصص وجوبا تمثيلية للنساء والشباب بمكاتب الفرق والمجموعات النيابية وكذا في النسب المخصصة لكل فريق أو مجموعة نيابية في أجهزة المجلس وأنشطته، وفي التعيينات الشخصية وعند تشكيل الوفود المشاركة لتمثيل المجلس".

 

وتنص المادة 11 من القانون نفسه على أنه "يتعين على كل جهاز من أجهزة المجلس، كل في مجال اختصاصه، التقيد عند ممارسة مهامه وفق الضوابط والكيفيات المنصوص عليها في هذا النظام الداخلي بالمبادئ التالية:

(....)

- السهر على احترام مبادئ التعددية السياسية والديمقراطية، التشاركية وحرية التعبير والرأي في نطاق التقيد الصارم بأخلاقيات العمل النيابي، ونبل رسالته.

(...)

- احترام مبدأ التمثيل النسبي".

 

كما أن سلطة رئيس مجلس النواب مقيدة بالنظام الداخلي للمجلس والاختصاصات المسندة للمكتب وباقي أجهزة المكتب والمقصود بها الفرق النيابية و المجموعات النيابية والصلاحيات الموكولة للجان.

والظاهر هنا أن اختصاصات رئيس مجلس النواب جاءت في الباب الثالث ضمن الجزء الثاني الذي يحدد مبادئ وقواعد تنظيم أجهزة المجلس وكيفيات سيرها...

 

ومعلوم أن الباب الأول الذي يحدد المبادئ العامة غالبا ما يوجه كيفيات وشروط اشتغال باقي الأجهزة، وهذا ما توضحه المادة 32 من القانون في تحديد اختصاصات رئيس المجلس.

تنص المادة على أنه "يشرف رئيس المجلس، علاوة على المهام المسندة إليه بموجب الدستور والقوانين التنظيمية ذات الصلة والقوانين الجاري بها العمل؛ على إدارة المجلس وأجهزته، ويتمتع بجميع السلط والصلاحيات لاتخاذ القرارات اللازمة من أجل ذلك، طبقا لأحكام هذا النظام الداخلي، مع مراعاة الاختصاصات المسندة إلى المكتب وباقي أجهزة المجلس(...)"

 

ومعلوم أن عمل رئيس المجلس مطوق كذلك بقرار المحكمة الدستورية رقم 65/17 الصادر في 10 صفر 1439 الموافق ل 30 أكتوبر 2017، والمرفق بالقانون الداخلي للمجلس، والذي بعد أن بث في الإجراءات وبعد أن بث فيما يتعلق بالموضوع، قضى بما يلي:

"أولا أن المواد 30 (فقرة 2) و39 (فق 1) و48 و 64 و89 (فق1) و122 (فقرة أخيرة) و130 و131 و252 (فق1) من النظام الداخلي لمجلس النواب في صياغتها المعدلة، كما أقرها مجلس النواب في جلسته العامة المنعقدة في 16 أكتوبر 2017 مطابقة للدستور.

ثانيا بتبليغ رئيس مجلس النواب بالقرار و الأمر بنشره في الجريدة الرسمية للمملكة المغربية".

 

بناء على ما سبق، هل كانت تعيينات السيد رئيس مجلس النواب لأربعة من أعضاء المجلس الوطني لحقوق الإنسان ضمن الصلاحيات المخولة له بموجب المادة 347 من القانون الداخلي للمجلس مطابقة لأحكام الدستور لاسيما المادة 10 منه، ولمقتضيات القانون الداخلي ولا سيما المواد 64 و66 و347 منه.

 

تربط المادة 347 من الباب الخامس من الجزء الثامن من النظام الداخلي لمجلس النواب الذي يوضح علاقة المجلس مع المؤسسات الدستورية التعيين باحترام المبادئ التالية:

- التمثيلية

- التناوب

- التنوع

- التخصص.

 

وبالعودة إلى أسماء المترشحين وإلى الأحزاب التي ينتمون إليها  وباقتراح منها وهم السادة:

- عبد الحفيظ أدمينو، أستاذ مادة القانون العام بجامعة محمد الخامس وعضو اللجنة المركزية لحزب الاستقلال؛

- عبد المطلب أعميار، حقوقي وعضو المجلس الفيدرالي للأصالة والمعاصرة؛

- عمر بنيطوا، محامي وعضو المجلس الوطني للعدالة والتنمية

- ادريس السنتيسي، مقاول وعضو المكتب السياسي للحركة الشعبية...

 

فإن التعيين طابق مقتضيات المادة 347 من النظام الداخلي لمجلس النواب، حيث أن السيدين عبد الحفيظ أدمينو وعبد المطلب أعميار ينتميان على التوالي لحزبي الاستقلال والأصالة والمعاصرة، وهما حزبان في المعارضة؛ مما يجعل تسمية هذين الاسمين مطابقا لمقتضيات المادة 10 من الدستور والمواد 64 و66 و347 من النظام الداخلي للمجلس والتي تنص على مبادئ تمثيلية المعارضة والتخصص.

كما أن تعيين السيدين عمر بنيطوا وإدريس السنتيسي يحقق مبدأ التناوب بين أحزاب الأغلبية باعتبار أن رئيس المجلس سبق له أن اقترح أسماء من باقي أحزاب الأغلبية، خصوصا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (2) والتقدم والاشتراكية (1) والعدالة والتنمية (1) في المحكمة الدستورية والهاكا.

 

إذن هل التزم الأمناء العامون للأحزاب في اقتراح أسماء يتوفر فيها شرط التخصص والتعددية كما تقضي بذلك مقتضيات المادة 10 من الدستور والمادة  347 من النظام الداخلي للمجلس والمواد الأخرى التي تضيق صلاحيات رئيس المجلس ولاسيما المادة 11 منه؟

 

هل يتوفر في المعينين السادة عبد الحفيظ أدمينو وعبد المطلب اعميار وعمر بنيطو وإدريس السنتيسي شرط التخصص المؤهل لتمثيل الإرادة الشعبية في المجلس الوطني لحقوق الإنسان كمؤسسة دستورية تعنى بحقوق الانسان وينص قانونها الأساسي على انه يشترط في اعضائها أن تكون لهم معرفة وخبرة حقوقية؟

 

لنعد فحص الأسماء ونتأكد من مطابقة اختيارات الأمناء العامين لمقتضيات الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب والقانون الأساسي والداخلي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان؟

 

بخصوص السيد عبد الحفيظ ادمينو، هو أستاذ قانون عام بجامعة محمد الخامس ودرس لسنوات مواد حقوق الإنسان والقانون الدستوري ومدونة الأسرة، كما أن له عدد من الكتابات والمنشورات في القانون العام وفي حقوق الإنسان.

 

عبد المطلب أعميار، هو عضو في حركة ضمير الحقوقية وعضو سابق في المنظمة المغربية لحقوق الإنسان وعضو مؤسس لحركة يقظة ومواطنة وكاتب عام سابق للجمعية الوطنية للأندية السينمائية، أستاذ/ مفتش لمادة الفلسفة، وله كتابات ومنشورات في مواد حقوق الانسان والنوع والجنذري...

 

عمر بنيطوا، محامي وعضو لجنة التشريع والعدل وحقوق الإنسان في الولاية النيابية 2011/2016 وعضو جمعية الكرامة لحقوق الإنسان.

 

يبقى اسم إدريس السنتيسي من أثار نقاشات وصلت حد التهكم من تسميته عضوا في المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إذ أن مؤهلاته لا تطابق مقتضيات المادة 10 من الدستور والمواد 64 و66 و347 من النظام الداخلي لمجلس النواب.

 

هل هي مسؤولية رئيس مجلس النواب في تعيينه أم مسؤولية قيادة حزبه التي اقترحته على رئيس مجلس النواب لتقديمه للتعيين ضمن صلاحياته المخولة له؟ وهل يحق لرئيس مجلس النواب من موقع سلطته كرئيس لسلطة تشريعية يستمد سلطته من نظام داخلي (المادة 347) لسلطة أدنى رفض اقتراح صادر عن حزب يستمد سلطته من الدستور (المادة 7) ومن قانون الأحزاب ومن الاختيار الحر لمنتسبي ومنتسبات هذا الحزب؟

 

لو قلنا بمسؤولية رئيس مجلس النواب سيكون هناك تناقض، إذ كيف لا يسمح الفصل 47 من الدستور باختيار رئيس الحكومة المعين الوزراء الذين سيشكلون حكومته و يعطيه حق اقتراحهم على جلالة الملك بعد أن يتوصل بلائحة المقترحات من الأمناء العامين للأحزاب؟

 

وتسمح مادة في نظام داخلي لمجلس نيابي (المادة 347) وهو قانون أدنى من سلطة الدستور الذي يمثل الإرادة الشعبية، لرئيس مجلس النواب باختيار أعضاء الأحزاب لاقتراح تعيينهم في المؤسسات الدستورية؟

 

إن تنصيص الفصل 47 على اقتراح رئيس الحكومة لأعضاء الحكومة على جلالة الملك بناء على اقتراحات الأحزاب، بالإضافة إلى الإعلاء من السيادة الشعبية، هو احترام لسيادة واستقلالية الأحزاب، وعندما تنص المادة 347 من النظام الداخلي لمجلس النواب على مراعاة مبادئ التمثيلية والتناوب والتعدد والتخصص فهي تحدد حدود عمل رئيس المجلس في تقديم الأسماء المقترحة عليه من الفرق الفرق النيابية كامتداد للأحزاب وليس اقتراحه للأسماء في ذاتها، لاسيما أن المادة 11 من نفس النظام حددت بدقة الاطار القانوني لصلاحيات الرئيس في التعيين.

 

وفوق ذلك فحزب الحركة الشعبية غالبا ما كانت مقترحاته تثير نقاشا سياسيا، بل وتمت إقالة عدد من وزرائه من طرف جلالة الملك، كما حدث مع السادة عبد العظيم الكروج وحكيمة الحيطي ولحسن الحداد والسكروحي.

 

- سعيد جعفر، دكتوراه في التواصل السياسي، حاصل على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة