الأحد 18 أغسطس 2019
سياسة

محمد المرابط: استيعاب ميراث مولاي موحند، وضرورة المصالحة مع رموز الذاكرة الريفية!

محمد المرابط: استيعاب ميراث مولاي موحند، وضرورة المصالحة مع رموز الذاكرة الريفية! الأستاذ محمد المرابط وفي الخلفية الراحل مولاي موحند

لمتطلبات المصالحة مع الريف، مداخل ينبغي أن تكون موصولة الحلقات، حتى تمثل مشروع رؤية واضحة للحل المستدام هناك. ويستوقفنا هنا البعد الرمزي في الموضوع، خصوصا وقد كانت رموز الذاكرة الريفية موضع متابعة قضائية، في محاكمات الحراك. وما يدعونا أكثر إلى لفت الانتباه للرؤية الاستشرافية لهذا المطلب، قيمة التطبيع الرسمي مع العلم الأمازيغي، في الوقت الذي ما زلنا نرى فيه حساسية الدولة الجزائرية تجاه ذلك. وأعتقد أن القراءة التاريخية والسياسية المنجزة لحقبة مولاي موحند بكل امتداداتها، تعبد الطريق بتراكمها للاقتدار المغربي لاقتحام هذه العقبة.

 

1- لقد سبق أن وقفت في مقال: "في ذكرى وفاة مولاي موحند، بيعتا الخطابي والريسوني بين منطق التجاوز والتوظيف السياسي"، في سياق التفاعل مع كتاب الدكتور محمد أونيا: "عبد الكريم وأسطورة الانفصال (1921-1926) حفريات نقدية في خطاب الجمهورية الريفية"، على نقطة تنتظم من وجه، ضمن مفاعيل هذا الكتاب، "ويتعلق الأمر بقدرة نخبة اجبالة على التجاوز الواعي لبيعة الزعيم أحمد الريسوني، في حين لم تستطع النخبة الريفية تجاوز بيعة مولاي موحند، بالرغم من أن القاضي السكيرج اعتبرها -في كتابه "الظل الوريف في محاربة الريف"- بيعة جهاد وليس إمارة ملك".

اليوم سأتخذ من أطروحة الأستاذ محمد خرشيش حول: "فرنسا وحرب الريف 1921-1926"، والتي ناقشها بفرنسا منذ ثلاثين سنة، مدخلا لأفق عنوان اليوم؛ ذلك أننا نقف فيها على رسالة لمولاي موحند في 18 جوان 1923، موجهة لـ "سعادة المشير الأفخم السيد الجينرال ليوطي"،عبر له فيها، "عما لنا من الشعور والإحساس نحو سعادتكم. أرجو الله تعالى أن يحفظ مهجتكم ويطيل بقاءكم، ويمتع الشعب المغربي الذي نحن جزء منه،ولا نود الانفصال عنه بأعمالكم الحسنة ،تحت ظل جلالة مولانا السلطان، وحاشيتكم من رجال فرنسا المعظمة. وأرجو من جنابكم أن تبلغوا سلامي العاطر لجلالة السلطان مولاي يوسف، والسلام". وتأتي هذه الرسالة بعد بيعة مولاي موحند على الإمارة بشهور، وهو ما يؤكد أنها بيعة جهاد.

أطروحة الأستاذ خرشيش -التي بقيت حبيسة اللغة الفرنسية، والتي كانت إلى جانب باقي إنتاجه العلمي ذي الصلة، ضمن مراجع الأستاذ أونيا- استحضرت الموضوع بمضمر تضارب مصالح علاقات الدول الاستعمارية خارجيا، وبمنطق تركيبة المكونات الفاعلة في المجتمع داخليا. ولعل ما قام به الأستاذان خرشيش وأونيا، يعبر عن قيمة الاستيعاب الأكاديمي لطبيعة الحركة التحررية لمولاي موحند، وهي متحررة من تنميط الدراسات الكولونيالية.

وهنا سأفتح قوسا للقول بأن الأستاذ خرشيش، الذي أطلع على عمله الأكاديمي الأساتذة جرمان عياش والفقيه محمد البصري وعبد الرحمان اليوسفي وعمر الخطابي وعبد المحسن الخطابي ومحمد الطاهري وأحمد المرابط والمهدى المنجرة،، كان من بين مؤسسي مشروع مؤسسة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وهو المشروع الذي ما زال يسائل إرادة الدولة في المصالحة الحقيقية مع الريف.

 

2- كما سبق لي في نفس المقال، المشار إليه آنفا، أن ذكرت من باب القراءة السياسية، بأن "الميراث التحرري والتحديثي لمولاي موحند قد انتهى لدى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية". وقد تناثرت في العديد من مقالاتي المؤشرات التاريخية التي تزكي هذا الطرح. كن لا بد من الاشارة هنا إلى أن الفقيه محمد البصري في يوليوز 1994، بمناسبة تخليد الذكرى 73 لمعركة أنوال بمركز عبد الكريم الخطابي ببرشلونة، قد تطرق في مداخلته للأسئلة التالية: ما هو إرث عبد الكريم الخطابي؟ ومن هم ورثته؟ وما هو الخيط الرابط بين دوافع الحركة التحررية لعبد الكريم الخطابي، إلى آخر رسالة إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟

وكان الأستاذ خرشيش، من بين الحضور إلى جانب فعاليات من المغرب وإسبانيا والجزائر وتونس وليبيا وفرنسا وبلجيكا.

إذن فمسألة الاستيعاب السياسي لمولاي موحند ضمن النسق السياسي المغربي المعاصر، كان حاضرا لدى القوى التقدمية والمستنيرة في البلاد. وحتى انتفاضة الريف في مطلع الاستقلال كان من جملة مطالبها: "نظرا لما قدم المجاهد الأكبر محمد عبد الكريم الخطابي من خدمات نحو هذا الوطن العزيز، فإن الجبهة تلتمس من صاحب الجلالة سيدي محمد الخامس نصره الله، أن يشمله برعايته حتى يعود هو وأفراد أسرته إلى الوطن العزيز"، على نحو ما نقف عليه في "مطالب الجبهة الريفية التابعة لجيش الحرية والتطهير". وبالفعل استجاب الملك لذلك، وهو يعرض على مولاي موحند أمر العودة للبلاد، لما استقبله ببيته في القاهرة. لكن انقلاب ماي 1960 على حكومة عبد الله إبراهيم، أفسد كل شيء، فدخل المغرب فيما بات يعرف بسنوات الرصاص. لكن في الجانب الآخر ظل مولاي موحند يزكي النضال الديموقراطي لحزب القوات الشعبية، من مدخل "السيادة الشعبية".

 

3- على المستوى الرمزي، سبق أن طالبت بالمصالحة مع رموز الذاكرة الريفية، باعتبار أن متحف مولاي موحند لما سيتم تدشينه، لا بد من تقديم شروح لصاحب الأمر حول محتوياته.. وقد سبق أن التقطت ببرشلونة سنة 1994 بذات المناسبة السابقة، صورة للأستاذ المجاهد محمد الفقيه البصري، مع العلم الريفي وصورة مولاي موحند. فهو يرى في مولاي موحند رمزا وطنيا شكل مرجعيته النضالية. وهذا يستوجب الإشارة إلى الرسالة الملكية في يوليوز 2011 للندوة الدولية التي نظمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول "التراث الثقافي بالريف: أية تحافة؟"، والتي فتحت الباب لإقامة متحف خاص لمنطقة الريف، والذي مازلنا نتطلع لاستدراك الزمن الضائع في إنجازه.

بقي أن أفسح المجال لهذه الرسالة الملكية لتعبر عن جملة مطالب المرحلة، وفي صدارتها: "تفعيل توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، بمساراتها المتعددة، وبخاصة في شقها المتعلق بجبر الضرر الجماعي، ومجال التاريخ وحفظ الذاكرة، والتي تكتسي أهمية بالغة في تعزيز النموذج المغربي المتميز". فلو أن المتحف تم إنجازه في وقته، وتم تفعيل توصيات الإنصاف والمصالحة في إبانه، لما كنا، فيما نحن فيه، من مكابدة مع هدر زمن الإصلاح. أليس الأمر كذلك؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا التعثر الرسمي في هذا الجانب؟