الاثنين 9 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

أمين لقمان: نقاش حول عقوبة الإعدام..

أمين لقمان: نقاش حول عقوبة الإعدام.. أمين لقمان

أتابع نقاشا على فيسبوك حول عقوبة الإعدام، بين مناصر وداع لها من أجل حق الدولة في الردع والعقاب.. وحق المجتمع في إنزال أقصى العقوبات ضد مقترفي أبشع الجرائم، كالتي عاشتها بلادنا مؤخرا، خاصة ما يتعلق بالاغتصاب والقتل العمد... وبين معارض لها اعتبارا أن الحق في الحياة مقدس، وأن مواجهة القتل بالقتل هو أيضا جريمة، وأن تحقيق العقاب لا يمكن أن ينفذ على إنسان ميت نفذ في حقه الإعدام..

لقد كتبت موضوعا قبل أيام حول إشكالية عقوبة الإعدام في امتحان لنا من طرف الدكتور محمد الإدريسي العلمي المشيشي، وزير العدل الأسبق، في وحدة العدالة الجنائية وحقوق الانسان.. لقد مكنني هذا الموضوع من الاطلاع على مجمل الدراسات العلمية والمدارس الفلسفية التي تناولت بالدراسة والتحليل أثر عقوبة الإعدام في الحد من انتشار الجرائم المروعة؛ وبين الاعتبارات السياسية والفقهية والقانونية القضائية المختلفة، لم يستطع أي اتجاه أن يحيط بإشكالية عقوبة الإعدام مثلما أحاط به علم الإجرام، الذي يعتبر من بين أهم خلاصاته أن تنفيذ الإعدام على شخص المجرم هو حد جزئي فقط لأسباب الفعل الجرمي الذي يجد تربة وأصلا وسببا له في المجتمع ايضا.. وأبرز هؤلاء لمبروزو وفيري وكارو ودوركايم وغيرهم...

ودون أن أثقل عليكم بالنقاشات النظرية والفلسفية حول الموضوع، وعودة إلى السياسة والقانون وحقوق الإنسان، فإن أزيد من 140 دولة حول العالم أوقفت العمل بعقوبة الإعدام منذ سبعينيات القرن الماضي، خاصة إنجلترا وفرنسا والدول الاسكندنافية، بعد تجارب ودراسات خلصت إلى أن الردع بالإعدام لا يوقف تنامي الإجرام، باعتباره ظاهرة لصيقة بالمجتمع البشري؛ وأنه يجب البحث عن حلول علاجية أخرى تربوية اقتصادية واجتماعية؛ وأيضا بطبيعة السياسة الجنائية والعقوبات المتبعة في كل نظام سياسي..

المغرب من بين الدول التي تعمل بعقوبة الإعدام، لكن دون تنفيذها.. فقد أوقف تنفيذ العقوبة منذ 1993.. ويبدو أنه يتجه نحو إلغائها، انسجاما مع روح المواثيق الدولية ومع دستور 2011 الذي ينص بصريح العبارة على قداسة الحق في الحياة..

كما تجب الإشارة إلى الإشكالات التي يطرحها مفهوم "عقوبة الإعدام"، فهو ينطوي على تنافر، أساسه أنه لا يمكن تصور الإعدام كعقوبة.. فالعقوبات في السياسات الجنائية الدولية لها مفهوم تقويمي تربوي المراد به إنزال الألم بالجاني في أفق تربيته وإعادة إدماجه، ولا يمكن تحقق هاته الغاية على شخص ميت نفذ في حقه الإعدام، وهو صيغة للقتل بالمعنى الحكومي والرسمي..

كما يتجه أنصار إلغاء عقوبة الإعدام أيضا للأخطاء التي يمكن أن يقع فيها القضاء بالحكم على شخص بريء بالإعدام؛ وهي حالات حدثت فعلا في العديد من الدول.. منذ حادثة إعدام ريا وسكينة.. كما الإعدام لاعتبارات سياسية في دول الاستبداد المطلق، كما في إيران وكوريا الشمالية والسعودية، حيث ينفذ الاعدام يوميا لاعتبارات سياسية.

وبالنسبة لي، ومع انتصاري لمبادئ حقوق الإنسان، وعلى رأسها حق الحقوق الأساسية الحق في الحياة، فإني مع ذلك أرى أنه في المرحلة الراهنة يجب تضييق وحصر الجرائم التي يعاقب عليها القانون بعقوبة الإعدام وهي من طبيعة الجرائم البشعة.. فلا يمكن تصور اغتصاب الأطفال وقتلهم ودفنهم مثلا، جريمة لا يعاقب عليها بالإعدام.. فالأثر الذي تخلفه في المجتمع وأسر الضحية أو آبائهم عميقة، ولا يمكن جبرها بسجن الجاني فقط، مع ما يتحمله المجتمع والدولة من أعباء مالية لإطعامه وإيوائه وحراسته.. إلخ.

ولمزيد من الاطلاع يرجى قراءة ما كتبه الدكتور الإدريسي العلمي المشيشي، جامعة محمد الخامس بالرباط، في كتاباته حول موضوع ملاءمة قانون المسطرة الجنائية لمبادئ حقوق الإنسان.. وأيضا إصدارات الدكتور جعفر العلوي، كلية الحقوق بفاس، بخصوص علم الإجرام.. وآراء الدكتور هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل حول الموضوع.