الخميس 20 يونيو 2019
كتاب الرأي

محمد بوبكري: المجتمعات العربية الإسلامية خارج التاريخ

محمد بوبكري: المجتمعات العربية الإسلامية خارج التاريخ محمد بوبكري

كلما فكر المرء في التاريخ الحديث للمجتمعات العربية الإسلامية وجدها تقع اليوم خارج التاريخ، حيث لا تمتلك قدرات خلاقة، فغابت عن الفعل الحضاري، باستثناء بعض أفرادها الذين أبدعوا في مجلات محددة، لأنهم يعيشون خارج هذه المجتمعات. أما ما أنتجته هي، فينحصر في الطائفية والقَبَلِية، وما نتج عنهما من استبداد وتطاحن وحروب واقتتال وتفتيت أوطان...

لذلك، لم تستطع هذه المجتمعات أن تتجاوز مشكلاتها الحالية وتنخرط في روح العصر من خلال المشاركة في بناء الحضارة الإنسانية.

ويعود ذلك إلى المزج بين الدين والسياسة، حيث تمت أدلجة الدين وتحويله إلى أداة في الصراع السياسي الاجتماعي. لذا، يجب الفصل بينه باعتباره إيديولوجيا سياسية والمجتمع بوصفه نظاما مدنيا. فالدين حاجة كيانية لتنظيم علاقة الإنسان بالغيب، ما يعني أنني لست ضد التدين بأشكاله وأنواعه.

لا تطرح مجتمعات الشرق الأوسط أسئلة على ذاتها حول تخلفها بشتى أنواعه ومجالاته. من ثمة، فهي لا تعي ضرورة الفصل بين المجتمع والدين بوصفه إيديولوجية سياسة. فالدين شأن فردي وليس شأنا مجتمعيا، كما هو الحال في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة. أما المجتمع، فينبغي أن يسوده القانون. وكل إيديولوجية هي نفي للديمقراطية. والإيديولوجية الدينية نفي للآخر الذي لا ينتمي إلى طائفتها، حيث لا يوجد هذا الآخر، حسب رؤيتها، إلا بوصفه كافرا وعدوا. وعندما تكون الرؤية الإيديولوجية الطائفية التكفيرية هي المهيمنة على المجتمع والمؤسسات والقانون، لا يمكن بناء دولة ديمقراطية حديثة بالمفهوم المتعارف عليه كونيا، كما لا يمكن بناء مجتمع مدني حديث بالمفهوم الكوني...

تعتبر الطائفية التكفيرية نفسها أسمى وأعلى ومتفوقة على الآخرين، لأنها تعتقد أنها الذات المؤمنة الوحيدة على الأرض، وأنَّ غيرها فهو يكون إما غير مؤمن أو غير مسلم. وهذا ما يدفعها إلى القيام بممارسات عنيفة ضد الآخر تبدأ بالشعور بالتعالي على الآخرين واحتقارهم ونبذهم وصولا إلى ممارسة العنف والإرهاب ضدهم، ونشر ثقافة تُعلي من شأن ذاتها ولا تنهض على المساواة معهم، على أساس المواطَنَة والهوية الوطنية الحديثة المشتركة معهم. وأي ثقافة تقوم على إعلاء الذات فوق الآخرين عوض أن ترسي قواعد مساواة تامة معهم، انطلاقا من احترام التنوع والتعدد والاختلاف والتعايش، في إطار الحياة الإنسانية المشتركة، فهي ثقافة عنيفة متطرفة وإقصائية ومآلها داعشي.

كما ينسحبُ الأمر نفسه على الثقافة القومجية أو العرقية، القبَلية، حيث تكون نهايتها واحدة، لأنها تحمل رؤية مماثلة لرؤية الفرق الدينية  المتشددة، وتزاول ممارسات عنيفة شبيهة بممارساتها...

لقد عانى العالم كثيرا، والأوروبي منه على الخصوص، من نظريات التفوق الثقافي والعرقي العنصري التي أنتجت نازية هتلر التي اعتقدت أن من حق الجنس الآري أن يقود البشرية جمعاء ويتربع فوق البشر كلهم. كما أنتجت نظريات التفوق الياباني عنصرية مدمرة مارست الإبادة ضد الصينيين والكوريين، وغيرهم، في آسيا. وهذا ما نجده اليوم لدى الرؤية الداعشية التي تبيد كل من لم يشاطرها آراءها الدينية وممارساتها الشعائرية، حتى وإن كان من المسلمين. ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل إنها تسعى إلى إبادة كل الذين يختلفون معها عامة، حيث ترى في جميع من هم خارج طائفتها مجرد كائنات تستحق الموت والإبادة.  هكذا، يتضح أن حركات الإسلام التكفيري هي مجرد طوائف لا ديمقراطية، لأنها تكفر بعضها البعض، وكل طائفة منها تعتبر نفسها فوق كل الطوائف الأخرى، ولا تعترف بالآخر، بل ترفضه وتقصيه وتنفيه.

إضافة إلى ذلك، فقد عرف تاريخ الإسلام فصلا بين العقل والنقل، مما ألغى الاجتهاد، وأفرغ الإسلام من عمقه الفكري، وتسبب في تخلف العالم العربي الإسلامي، وذلك على عكس ما فعل بعض المفكرين المسيحيين مع الإنجيل الذين اجتهدوا كثيرا، وحاولوا كشف عمقه الفكري والجمالي، فاستلهموه في كتاباتهم الفكرية وإبداعاتهم الأدبية والفنية.... وقد قام ليفيناس مع بعض اليهود بالشيء نفسه مع التوراة، حيث عملوا على تحويله إلى نص فكري عميق. في المقابل، كل ما فعله الإسلاميون التكفيريون هو إفراغ النص الديني من عمقه الفكري، وحولوه إلى مجرد نص فقهي خال من أي روح يحمل دعوة لممارسة العنف والتقتيل..