الثلاثاء 18 يونيو 2019
مجتمع

المحامي الشمسي: العفو الملكي عن معتقلي جرادة..الجانب الإنساني في قانون يحكم ولا يرحم

المحامي الشمسي: العفو الملكي عن معتقلي جرادة..الجانب الإنساني في قانون يحكم ولا يرحم محمد الشمسي، ومشهد، سابق، من حراك مدينة جرادة
بمناسبة عيد الفطر لهذه السنة 1440، أصدر الملك محمد السادس عفوا ملكيا لفائدة 755 شخصا، من بينهم 107 نزيلا من المدانين في إطار أحداث الحسيمة، وجرادة، و11 نزيلا من بين المحكوم عليهم في قضايا التطرف والإرهاب؛ والمثير ان البعض اختلط عليه الأمر وذهب في تفسير خاطئ إلى اعتبار العفو الملكي؛ بمثابة اعتراف رسمي من الدولة ببراءة الذين شملهم العفو؛ الذين كانوا بالنسبة إليهم ضحايا العنف والاعتقال.
"أنفاس بريس"ناقشت الموضوع مع محمد الشمسي، المحامي بهيئة الدار البيضاء، فأعد الورقة التالية مركزا فيها على نموذج العفو بخصوص حراك جرادة:
كانت فرحة أهل معتقلي جرادة فرحتان، فرحة العيد ، وفرحة معانقة أبنائهم المعتقلين على خلفية الحراك الذي اندلع في نهاية سنة 2017 ، إثر وفيات متوالية لعدد من شبان مدينة جرادة في قعر آبار، وهم يسعون إلى استخراج الفحم الحجري عشوائيا ، واستبداله بالقوت اليومي ، وقد شكل الحادث الأليم موجة عارمة من الاحتجاجات سرعان ما تحولت إلى مطالب اجتماعية واقتصادية لتوفير بديل اقتصادي عن نهاية عهد مناجم جرادة ، بغية توفير فرص عمل والتخفيف من الهشاشة والفقر، وقد تدخلت الحكومة ببعض الوعود لكن شيئا لم يتحقق ، فاستعر الوضع وتدخلت قوات الأمن واعتقلت العشرات من المحتجين ووجهت لهم تهم عديدة وغليظة من قبيل " إضرام النار عمدا في ناقلات بها أشخاص والمشاركة في ذلك، ووضع في طريق عام أشياء تعوق مرور الناقلات وسيرها، وإهانة واستعمال العنف في حق موظفين عموميين، وكسر وتعييب أشياء مخصصة للمنفعة العامة والمشاركة في ذلك، وحيازة السلاح بدون مبرر مشروع، والتجمهر المسلح في الطريق العمومية، والتحريض على ارتكاب جنايات وجنح، والعصيان المسلح، والمساهمة في تنظيم مظاهرة غير مصرح بها. وأصدر القضاء أحكاما ثقيلة في حق المجموعات التي حوكمت تباعا ، ووصلت العقوبات السجنية في مجموعها إلى ما يقارب الـ 100 سنة .
وقد كانت إدانة معتقلي حراك جرادة بمثابة نقطة سوداء في الرداء الحقوقي للدولة، ولأن من خصائص القاعدة القانونية أنها ملزمة وعامة واجتماعية وسلوكية ، ولأن دور القاضي هو التطبيق السليم للقاعدة القانونية بين الخصوم ، فإنه متى توفرت لدى القاضي أسباب الإدانة فهو يقضي بها ، ويصعب على القاضي أن يستحضر عواطفه ومشاعره وهو يقضي في نازلة طبقا للقانون في إطار ما يسمى قانونا بالظروف المخففة وكذا الأعذار القانونية، وخارج هذه الضوابط لا يمكن للقاضي أن يجتهد في اعتبار المتهمين هم أصحاب مطالب اجتماعية واقتصادية وتنموية، لأن القانون في هذه الحالة لا يسعفه ، وسيكون مصير حكمه الإلغاء أو النقض .
لذلك فبعيدا عن الشوائب التي يعددها دفاع المتهمين حول ظروف محاكماتهم ، وبعيدا عن النعوت التي وصفت بها الأحكام الصادرة في حقهم ، فإن تلك الأحكام باتت نهائية في حق معتقلي حراك جرادة، وهنا يتم إغلاق الباب القانوني الصلب والقاسي والأعمى والمجرد من الأحاسيس ، لتلوح مسطرة العفو عن جميع المعتقلين وعددهم يفوق المائة بقليل ، لتكون الجانب الإنساني في قانون يحكم ولا يرحم ، وله تفسيره الخاص لمبدأ الإنصاف والعدل ، وهو يوازي بين حقوق الأفراد من جهة وحق المجتمع في الجهة المقابلة ، مع حضور الهاجس الأمني لدى الكثير من السادة القضاة للأسف ، حيث تكون الإدانة في غالب القضايا هي الأصل إلى أن تثبت البراءة ، لاسيما أمام نصوص قانونية تكاد تقدس "محاضر الضابطة القضائية" ، وأمام عمل قضائي تنقصه جرعة من الجرأة في التصدي لبعض الاختلالات والعيوب التي تطال عددا من المساطر ، لكن دون ترتيب الجزاء القانوني الواجب لصالح المتهمين ، وتجعل نفي المتهمين وإنكارهم ، ومعها دفوع دفاعهم مجرد صيحات في واد .
ويجد العفو سنده في إحدى بنود الدستور التي تعلن صراحة " يمارس الملك حق العفو"، وفي الظهير 378 . 57 . 1 وهو يعود لسنة 1958 ، ويمكن إصدار العفو سواء قبل تحريك الدعوى العمومية أو خلال ممارستها أو على إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا، وإذا كان البعض يرى أن تمتيع معتقلي حراك جرادة بعفو ملكي، هو إقرار ضمني ببراءتهم ، فإن هذا الرأي يغلفه شيء من الغلو،لأن العفو لا يبرئ ساحة المعفى عنهم ،ولأن العفو لا يعني الأبرياء في شيء، ولأنه لا براءة تمنح خارج أسوار المحاكم، فإذا كان العفو الصادر قبل الشروع في المتابعات أو خلال إجرائها يحول دون ممارسة الدعوى العمومية أو يوقف سيرها، فإنه بصدور العفو على إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا فإنه يترتب عن ذلك بحسب الحالة إما استبدال العقوبة أو الإعفاء من تنفيذها كلا أو بعضا وإما الإلغاء الجزئي لآثار الحكم بالعقوبة ، حتى أن الفقرة 4 من الفصل 688 من قانون المسطرة الجنائية نصت صراحة على أن "يعادل الإسقاط الكلي أو الجزئي للعقوبة بطريق العفو تنفيذ هذه العقوبة كليا أو جزئيا" .
أختم القول بأن العفو الملكي على معتقلي جرادة، اتسم بكثير من الإنسانية والحكمة والصواب ، فقد حرر المعتقلين من سجن لم يدخلوه عن سابق إصرار وترصد ، بل رماهم في غياهبه البحث عن لقمة عيش تضمن لهم كرامة واعتبارا وشهامة، وعلى الجميع الاحتفاء بالعفو عن معتقلي جرادة، والدعاء لعفو مماثل وقريب عن باقي معتقلي الريف، لأن المغرب يدفع فواتير مكلفة وغالية، من مخزونه الحقوقي، جراء استمرار حبس أناس يشهد التاريخ ومعه الجغرافية أنهم ضحايا إهمال وتهميش السلطات الحكومية، التي لم تربط المسؤولية بالمحاسبة ، ولعل في منح السلطة القضائية المغربية الاستقلال الشامل، فإن المواطنين ينتظرون من هذه السلطة القضائية أن تكون إبرة الميزان التي توازن بين كفة المواطن وكفة الحكومة وتضبطهما، وأن تنتصر للمواطن أمام تغول حكومة تتقاعس في خدمته، وتتركه يغرق في معاناته، وإذا احتج اعتقلته وأحالته على المحاكم وكأن المواطن مجرم وحكومته بريئة.